استراحة البيان ، زايد يغيّر معالم الصورة ، يكتبها اليوم: علي عبيد

كان صوت محرك السيارة (اللاندروفر) يعلو وهي تشق الطريق الرملي الذي يضيق ويتسع بين فينة وأخرى بينما الفتى ذو السنوات العشر أو تزيد قليلا يأخذ مكانه وسط مجموعة الرجال الذين جلسوا في صفين متقابلين يمسك بعضهم بالأنابيب المتعامدة خلف ظهورهم. ويمسك البعض الآخر بمقابض حبال الكتان المتدلية من سقف السيارة, أما هو فقد كانت يده أضعف من أن تمسك بالانبوب الممتد خلفه وأقصر من أن تصل إلى حبل متدل من السقف, ولذلك فقد اتخذ مكانه في مؤخرة السيارة ممسكاً بالباب الخلفي أو ما يسمى بـ (الكرير) . كان الزمان أواخر الستينيات من القرن العشرين.. وكانت القافلة المكونة من ثلاث سيارات (لاندروفر) متوجهة من دبي إلى أبوظبي حيث لم تكن الطرق المعبدة قد عرفت بعد بين امارات الساحل المتصالح, وكانت الرحلة بين امارة وأخرى سفراً تُعدّ له عدته وتحسب له مخاطره.. فإذا ما كان الطريق محاذياً للبحر أخذت حركة المد والجزر بعين الاعتبار, أما إن كان الطريق ضارباً في الصحراء كهذا الذي تسلكه قافلتنا الآن بين دبي وأبوظبي فإن أهم شرط هو أن يكون سائق السيارة خبيراً بمسالكه, وحبذا لو تحرك المسافرون في قافلة من عدة سيارات إذ كثيراً ما تواترت الأخبار عن سيارات ضلّت طريقها وانقطعت بركابها السبل في الصحراء دون ماء ولا طعام كاف فكان مصيرهم الموت والهلاك عطشاً وجوعاً. ينشغل الفتى الصغير حيناً بصوت محرك السيارة الذي يبدو كالزئير يعلو ويهبط مع زيادة السرعة وتقليلها واندفاع السيارة وتباطئها في المسير, فإذا ما أحس بالملل من هذا الصوت الرتيب يمم شطر وجوه الجالسين معه في السيارة المتشبثين بجوانبها وسقفها خوف السقوط.. وفي حركة سينمائية لم يكن مدركاً لها حينها يأخذ في تركيز عدستي عينيه على كل وجه من الوجوه في لقطات مقربة عرف ـ فيما بعد ـ أنها تسمى بلغة التصوير (الزووم) فإذا بهم مجموعة من الرجال ذوي الأعمار المختلفة, تتراوح أعمارهم بين العشرين والسبعين, وتتفاوت درجات ألوان بشرتهم بين السمار الخفيف والداكن بعد أن لعبت الشمس دوراً لا تخطئه العين في تلويح بشرتهم تبعاً للمهن التي مارسوها والتي لم تخرج عن أعمال البحر صيداً وغوصاً وسفراً في الغالب. ينتهي الفتى الصغير من استعراض الوجوه التي رأى أغلبها قبل هذه المرة لوقوع أصحابها في دائرة أصدقاء ومعارف والده فيبحث عن وسيلة أخرى يكسر بها حاجز الملل الذي يجد طريقه سريعاً إلى نفوس من هم في مثل سنه فيبدأ في الاصغاء إلى الحوار الذي يدور بين رفقاء السفر الذين بدأوا رحلتهم منذ الصباح الباكر خشية أن يدركهم الليل في الطريق فإذا به حوار أكثر متعة من صوت السيارة وتأمل الوجوه التي لوحتها الشمس.. بعضه حديث ذكريات لا يخلو من الطرافة والنكتة.. أما أغلبه فعن المعاناة التي كابدها أهل هذه الأرض قبل ظهور النفط, وشظف العيش الذي عانى منه الناس والمخاطر التي واجهوها في طلب الرزق, ناهيك عن قسوة المناخ وشح المياه وموات الأرض, حتى إذا ما تطرق الحديث إلى سنوات الحرب العالمية الثانية سمع الجالسون ممن عاصرها منهم العجب العجاب وعرفوا كيف كان الناس يجمعون النوى من الطرقات ليطحنوه ويصنعوا منه خبزاً بعد أن قطعت الحرب طرق وصول السفن التي كانت تحمل إليهم المواد التموينية حتى غدا المتوفر منها يوزع بالبطاقة. ينبري أحد كبار السن قائلاً وهو يوجه حديثه للذين هم أصغر سناً فيصغون إليه باهتمام: * عليكم أن تحمدوا ربكم.. فأنتم تعيشون الآن في نعمة تحسدون عليها.. لقد أراحكم الله من أعمال البحر القاسية, وتوفرت لكم الحياة الرغدة الهانئة. لقد كنا نمضي شهوراً لا نرى فيها سوى الماء والسماء في رحلة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ أو مسافرين بين موانئ الخليج والهند وافريقيا. تجتاز السيارة منطقة وعرة من الطريق فيدعوهم السائق إلى التشبث جيداً بأماكنهم حيث سيضطر إلى زيادة سرعة السيارة كي لا تغرز في الرمل. يسود صمت قصير خلال فترة تجاوز هذه المرحلة من الطريق, وبعد أن يعبرها السائق بمهارة فائقة تنمّ عن خبرة ومران على التعامل مع مثل هذه المواقف يعود الحوار الذي انقطع فيقول مسنّ آخر: * السيارة التي تقلّنا نعمة أخرى من نعم هذا الزمان.. فالمسافة التي ستقطعها اليوم بين دبي وأبوظبي في ست ساعات أو سبع كانت تستغرق منا في الماضي أياماً على ظهور الإبل أو في بطون السفن. ولذلك فإن من يفكر في الانتقال من منطقة إلى أخرى إما أن يكون بغرض الاستقرار فيها أو التجارة وطلب الرزق. كانت دبي دائماً هي الميناء الذي ترد إليه البضائع من مناطق العالم المختلفة, وكان سكان المناطق الأخرى يفدون إليها بانتظام للتبضع وشراء ما يحتاجونه من مواد تموينية ومعدات بناء وغيرها. يهدأ صوت محرك السيارة ويبدأ السائق في التقليل من سرعتها بعد أن يلوح أمامهم (كشك) خشبي صغير فيبادر أحد الشباب قائلاً: ـ ها نحن نقترب من (سيح شعيب) وها هو مركز الجوازات أمامنا.. أرجو أن تسلموني جوازات سفركم وسأقوم بختمها وانهاء اجراءات الدخول نيابة عنكم كي لا نتأخر. تصل السيارة إلى نقطة الجوازات في منطقة الحدود فيترجل الجميع من السيارة لتحريك الدماء في أرجلهم بعد ساعات من الجلوس ريثما ينتهي زميلهم من اتمام اجراءات الدخول في الوقت الذي يقوم الشرطي فيه بالتدقيق على الجوازات والوجوه ومطابقة عدد الجوازات بعدد الركاب لختمها. دقائق تستغرقها هذه العملية ثم يعود الجميع إلى أماكنهم ليواصلوا رحلتهم إلى أبوظبي.. تلك الامارة التي بدأت عهداً جديداً منذ ما يقارب العامين. كان اسم زايد يتردد على كل لسان.. فلا حديث للناس سوى زايد الذي جاء ليغير وجه الامارة ومعالمها ويضخّ الدماء في شرايينها.. كأنما كانت على موعد معه ومع القدر في ذلك اليوم القائظ من أيام شهر أغسطس 1966.. السادس منه على وجه التحديد.. ذلك اليوم الذي أطفأ فيه زايد لهيب ذلك الصيف وجعل أيام العام كلها ربيعاً.. فكان جلوسه على عرش القلوب برداً وسلاماً وفاتحة عهد جديد طوت به أبوظبي صفحة وفتحت في سجل التاريخ صفحات ناصعة البياض مشرقة بالأمل. وطار صيت زايد في الامارات المجاورة فجاءت الجموع مهنئة وتوافد الناس من كل مدينة وقرية ليشهدوا حدثاً غير عادي تتسارع وتيرة حركة التغيير فيه وتتبدل الصورة وتكتسي رونقاً جديداً يوماً بعد يوم. ومن بين الوجوه التي جاءت لتشهد الحدث أطل وجه ذلك الفتى الصغير الذي شاء له القدر ـ ويا له من قدر جميل ـ أن تتفتح مداركه والعهد الجديد يطرق أبواب التغيير بشدة ويخوض سباقاً مع الزمن لتغيير معالم الصورة.. فقد طال انتظار الأرض وأهلها لجني ثمار الخير الذي تفجر من باطنها ولم تظهر آثاره على أوجه الحياة فيها حتى جاءت يد زايد لتمسح جراح الماضي وتنسي الناس قسوة تلك الأيام, وليكون اسم زايد كلمة السر التي تفتح أبواب الأمل في مستقبل زاهر.. الطموح فيه فضاءات لا حدود لها. تصل قافلة السيارات الثلاث إلى مشارف المدينة التي طالما سمع الفتى الصغير عنها وتردد اسمها على لسان والده الذي ولد بها وعاش سنيّ حياته الأولى فيها, وما زالت ذاكرته تختزن الكثير من ملامحها وتستعيد تفاصيل ذكريات سنوات الطفولة والصبا والشباب التي لا تنسى. تتجول عينا الفتى هنا وهناك بعد أن قطعت السيارة مسافة كبيرة من أرض الجزيرة منذ أن اجتازت (المقطع) فيرى مساحات شاسعة من الأراضي الخالية حتى تصل السيارة إلى مجموعة من البيوت تحتضنها خاصرة البحر ويمتد الفراغ من حولها متسعاً لا يحده النظر.. غير ان حركة بناء غير عادية رصدتها عين الفتى آخذة في الزحف على ذلك الفراغ تسابق الزمن كي تعوض سنوات توقفت فيها عقارب الساعة على هذه البقعة من الأرض. هكذا انطبعت الصورة الأولى عن أبوظبي في أواخر الستينيات في ذهن الفتى الصغير بعد أن أمضى فيها أياماً يحتفظ بتفاصيلها الدقيقة حتى الآن.. فالذاكرة ـ على ما يصيبها من وهن بفعل كرّ السنين وزحف الأيام وما تحمله ـ تظل محتفظة ببعض الصور التي لا تستطيع جينة النسيان أن تعمل عملها فيها. يكبر الفتى.. وتكبر الصورة.. وزايد يضيف كل يوم إليها تفاصيل أخرى ويجدد ألوانها.. وتتحقق أحلام كبيرة يتوحد أثناءها الوطن وتصبح الامارات التي كانت تسمى متصالحة دولة واحدة يظلها علم واحد.. ويختفي ذلك (الكشك) الخشبي الذي توقفت عنده ذات يوم قافلة مكونة من ثلاث سيارات لختم الجوازات.. بل تختفي تلك الجوازات نفسها ليحل محلها جواز واحد.. ويتقلص الزمن الذي قطعته تلك القافلة بفعل الطرق الحديثة.. ويصبح زايد هو رمز وحدة الوطن وقائد مسيرته وباني نهضته الحضارية. أكثر من ثلاثين عاماً مرت على تلك الصورة التي انطبعت في ذهن ذلك الفتى.. شاهد خلالها آلاف الصور تتغير وتتبدل.. ومع ذلك ظل لتلك الصورة حضور يزداد توهجاً كلما حلت المناسبة.. مناسبة عيد جلوس القائد زايد.. فلولا ذلك اليوم القائظ من أيام أغسطس 1966 لما كانت تلك الرحلة.. وما كان ذلك العبور الكبير للوطن.. وما كان لتلك الصورة أن تتغير معالمها بيد رسام ماهر وقائد فذ أحب شعبه فبادله الشعب حباً بحب, وأصبح جلوسه الميمون عيداً للوطن كله ومناسبة للفرح تتجدد فيها الذكريات والأمنيات, ويتواصل فيها الدعاء أن يحفظ الله للوطن زايد.

تعليقات

تعليقات