استراحة البيان ، كيف تبتلع الدجاجة بدون مصاعب ، يكتبها اليوم: محفوظ عبدالرحمن

قفزت فزعا عندما عرفت أن ايهود باراك تعرض لحادث مؤسف في اسطبل داود المشهور بكامب ديفيد, وكان مما قالته (معاريف) ان باراك كان على وشك الموت. وكان ذلك أثناء تناوله الطعام في المنتجع حيث كانت تدور المفاوضات. وكنت أريد أن أقول مفاوضات السلام, ولكن لأن المفاوضات لم تؤد الى سلام, ولا أظنها تفعل, فلقد اكتفيت بأن أقول (المفاوضات) واللبيب بالإشارة يفهم! وبالطبع باراك لا يأكل كما يأكل العامة مثلي ومثلك. الفرق كبير. فهو من شعب أكل مال الدنيا منذ بدء التاريخ, ومنذ تفتحت عيناه على الحياة وهو يرى أسلافه من الحكام يأكلون حقوق الشعب الفلسطيني, ولما كان آخر العنقود في سلسلة الحكام الاسرائيليين فهو أبرعهم في الأكل, وأكثرهم شراهة. ولقد أثبت أن (أشعب) العربي من الهواة بالنسبة له. ولقد كان (أشعب ) يقول: (لا تمش الى مكان لا تأكل فيه شيئا) ! وكان رحمه الله في أحسن الأحوال يأكل قطعة من اللحم أو شيئا من حلوى الفالوذج أما باراك فهو يقضم بلدا بعد آخر, فلا ينتهي طعامه إلا وأكل عدة بلاد بأهلها وما عليها. وتقول (معاريف) ان باراك كان يأكل دجاجة فتوقفت عظمة في زوره. ولقد شكك صديقي في هذه الرواية, وادعى أن باراك بخبرته الهائلة في الابتلاع لايمكن أن تقف عظمة صغيرة في زوره. وأنه يستطيع بسهولة أن يأكل ديناصورا. لكنني أميل الى هذه القصة, فباراك قد لا يكون خبيرا في أكل الدجاج. وقد تكون خبرته في أكل المدن والقرى. ورغم قدرته إلا أن عظمة الدجاجة توقفت في حلقه. وهذا يدلل على أن الأشياء الكبيرة ليست دائما كبيرة, وأن الصغيرة ليست دائما صغيرة. وفي الحكايات الشعبية قصة الناموسة التي تحدت الأسد, ودخلت الى أنفه وظلت تلسعه, وحاول أن يتخلص منها فأخذ يخبط نفسه هنا وهناك حتى سقط ميتا. وكانت تلك القصة تشغلني منذ الطفولة, وفي وقت من الأوقات كنت أرى أنها الحل للقضية الفلسطينية وأن أطفال الحجارة العزل من السلاح دخلوا في أنف الترسانة النووية الاسرائيلية, ولو استمروا في انتفاضتهم لقتلوا الأسد الاسرائيلي, ولعله لا يتضح حينئذ أنه مجرد خرتيت. ولم تحك (معاريف) عن مشاعر رئيس الوزراء وهو يواجه الدجاجة ويبدأ في ابتلاعها. وهل ظن أنه يأكل ياسر عرفات, أو قرية ما وإن كنت أرى وهو مجرد اجتهاد أن باراك عندما رأى الدجاجة تخيل أنها (القدس) وقرر أن يبتلعها.. ولكن المدينة المقدسة كانت أكبر من جهازه الهضمي. ولقد تذكرت ما حدث لاحدى الجواري المغنيات التي ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأشهر (الأغاني) ولقد طار من ذاكرتي الآن اسم المغنية ولعلها (حبيبة), التي كانت تأكل عنبا وألقت حبة عنب في فمها الجميل. ولكن حبة العنب وقفت في زورها, فاختنقت كما كاد يختنق باراك وماتت. وكان الخليفة يحبها, فحزن عليها حزنا شديدا, وأظنه مات بعدها بقليل, فهكذا تكون الحكايات العربية القديمة. ودائما كنت أشكك في هذه القصة. ولا أعرف كيف تحدث, رغم أنني من آكلي العنب, والمتحمسين له. وألقي في حلقي بكل أنواعه. ولم أعان من أية مشكلة. وأرى أنه لكي يختنق الانسان لابد من نوع خاص من العنب حباته كبيرة جدا. وأنا لم أر هذا النوع حتى الآن. وأظن أن الجارية كانت محبوبة وأراد الأصفهاني أو من أخذ عنه أن يجعل موتها رومانسيا, فابتكر قصة العنب. وأظنه أخطأ في ذلك خطأ شديدا, فالموت عن طريق حبة عنب يثير الضحك, لا الاعجاب. ويبدو أن أكل الدجاج أصبح مغامرة غير مأمونة الجانب فلقد جاء في الأخبار أن رجلا ألقى بزوجته من نافذة شقته في الدور الثالث بسبب أكلة دجاج. فلقد جلس الرجل ليأكل فإذا بزوجته تقسم الدجاجة بينهما وولديهما بالعدل. ولكن الرجل كان يرى العدل شيئا آخر, وهو أن يكون نصيبه أكبر من نصيبهم, فهو رجل البيت وهو الذي عمل ودفع ثمن الدجاجة. ولا أظن أن قصة باراك هي نفسها قصة هذا الموظف, فباراك هو الذي يقسم الدجاجة بطريقة القصة الشعبية الشهيرة. فلقد خرج الأسد مع الذئب والثعلب للصيد. وعادوا وقد اصطادوا دجاجة وغزالا وحمارا. وطلب الأسد من الذئب أن يقسم الطعام بينهم. فاقترح لنفسه الغزالة, وللأسد الحمار, وللثعلب الدجاجة. وغضب الأسد فأطاح برأس الذئب. وطلب من الثعلب أن يقسم الطعام. فخصص الدجاجة لافطار الأسد والغزالة لغدائه, والحمار لعشائه. وأعجب الأسد بهذه القسمة. وسأله عمن علمه الحكمة, فقال له: رأس الذئب الطائر! ولابد أن الجالسين مع باراك وحتى غير الجالسين كانوا يعرفون الدرس الذي تعلمه الثعلب. ولذلك تركوا لباراك كل الدجاجة. وأعتقد أن (معاريف) لم تقل كل شيء عما حدث في كامب ديفيد في تلك الليلة فما يحدث في هذا المكان يعتبر من الأسرار. فقط قالوا ان مستشار باراك للشئون السياسية والأمنية حاول أن يعالج رئيسه. وتلاحظ طبعا توصيف الوظيفة, فالأمن هو السياسة, والسياسة هي الأمن. والأمن معناه ربط الفلسطينيين الى عمود سواء في غزة أو خارج غزة, أما المتطرفون من اليهود فلهم رأي آخر. المهم أن العزيز داني ياتوم حاول علاج باراك ففعل مثلما نفعل جميعا فوق ظهر رئيسه, وخبط عدة خبطات. ولعله قال بعض كلمات الدعاء عند ابتلاع القدس. ولكن محاولات العزيز داني فشلت. وهنا تدخل جادي جرينشتاين وهو ضابط سابق بالبحرية, فاستخدم طريقة (هايمليش). وهنا نتوقف قليلا. فنحن نجهل من هو هذا الضابط, وهذا أمر لاعيب فيه, فنحن لانعرف كل مساعدي باراك. ولكن الجهل بطريقة هايمليش أمر مؤسف. ونتمنى أن يسرع أحد المتحمسين للتطبيع بشرح الطريقة لنا, وإن كنت أظنها طريقة اسرائيلية لابتلاع الأرض. وبعدها كان في خير حال, حتى رفض استقبال الطبيب الذي جاء به الأمريكيون. وانتهت قمة كامب ديفيد كما بدأت. وسافر باراك دون أن نعرف كم عدد الدجاج الذي أكله؟. أيضا لم نعرف هل أكل ياسر عرفات دجاجا, أم أنهم قدموا له (الشوربة) فقط؟!

تعليقات

تعليقات