شيدت أواخر القرن السادس عشر ، قلعة الفجيرة قصفها البرتغاليون والانجليز وبقيت صامدة

يقصدها الناس اليوم بحثا عن تضاريس ونتوءات عالية بعض الشيء, هي التي تعطيها اختلافا شكليا عن بقية الامارات, بها سلسلة من الجبال قليلة الارتفاع والتي لم تتكون سوى في المنطقة الشرقية, باستثناء جبل (حفيت) الواقع ضمن اراضي (العين) . ومع ان فيها مناطق سهلية وشواطئ بحرية ومساحات صحراوية وواحات زراعية خضراء, الا ان شهرة جبالها الحجرية مع هطول امطارها الشتوية اللطيفة غالبا هي التي ادخلتها الى مصاف المنتجعات السياحية المعروفة في الدولة, ومناخها شبه صحراوي تتباين لديها درجات الحرارة وتتفاوت نسبة الرطوبة بين شهر وآخر. حملت اسمها الذي اشتق من جدول مائي ينبع في اسفل احد جبالها. (الفجيرة) , تاريخ يعود الى ما قبل ميلاد المسيح, ويقال انها كانت الموطن الاول لمهاجري جنوب شرق الجزيرة العربية الذين عرفوا باسم الفينيقيين. وتنتسب الى ما يطلق عليها المنطقة الشرقية, ويعزو المؤرخ عبدالله بن عبدالعزيز آل سليمان لقب الشرقيين الى قبيلة من منازل وجدت شرقي جلفار. وفي الانساب يكون الرجوع الى فهم بن مالك, حيث غادر اتباعه الى اليمن بعد انهيار سد مأرب واتجهوا شرقا على ساحل عمان, وهم من المساكرة الذين ينحدرون من الازد كما انهم هناوية شافعية. وعلى الخارطة الجغرافية, تقع الفجيرة في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية, يحدها من الشرق ساحل عمان, ومن الغرب اماراتيا رأس الخيمة والشارقة, ومن الجنوب كلباء, وتمتد على خليج عمان مسافة 70 كلم, في حين تبلغ مساحتها 1488 كلم, بما يعادل 1.8% من المساحة الكلية لدولة الامارات. اشياء مشتركة بين امارة الفجيرة وبقية امارات الدولة في انماط الحياة والسلوك الاجتماعي والسياسي والعسكري, وفي مقابل ما يحكى دوما عن ان شعب هذه الدولة مسالم غير ميال للحروب والقتال, نقع على عدد كبير من الحصون والقلاع تتناثر فيها, وتشهد على جزء من تاريخ هذه المنطقة التي طالتها المعارك والصراعات وتلقت ضربات من اكثر من طرف. وتضم الفجيرة بين جنباتها قلاعا وحصونا كمواقع دفاعية تصل الى العشرات, مثل قلعة البثنة الضخمة التي بناها الشيخ حمد بن عبدالله في العام 1735 ووضعت صورتها على ورقة النقد القديمة من فئة الخمسة دراهم. وحصن البدية المشيد ايام الدولة العثمانية اي قبل قرابة 300 سنة وقد بقي فيه برجان وشيد الى جانبه مسجد عرف بالمسجد العثماني. وهناك قلاع الحيل, وميدق, واحضرة, واوحلة, والطويني, وحجالة بالسيجي, والقرية, وسكمكم, ووادي سهم, وقلعة الفجيرة التي سنجول فيها عبر رحلة قصيرة التقينا خلالها مدير دائرة التراث بالامارة احمد الشامسي وباحث الاثار صلاح حسن ومهندس الترميم امريك سينج. ونستند الى دراسة لناصر العبودي توضح ان هناك طرازين معماريين لبناء القلاع في الامارات, احدهما اتى من شبه الجزيرة العربية وعرف بالطراز العربي الصحراوي, والثاني جاء من مناطق مضيق هرمز وعرف بالطراز المختلط بين العربي الفارسي, وسرى على الشكل الاخير مصطلح هرمزي او جزيري, في حين اختلط الطرازين لافساح المجال امام (الفن الاماراتي) الذي افاد من الاثنين. ومن النقاط الهامة التي تطفو على السطح لدى البدء بعمليات الترميم او اعادة احياء الابنية القديمة وبينها القلاع, هي كيفية استحضار الروحية التي تعامل معها البناؤون في اثناء عمليات التشييد والتصميم, خاصة وان المناخ اختلف وطبيعة الحياة والرؤية العصرية التي تفوقت علميا في مناح لكنها قد لا تنجح في استيعاب كل تفكير الاجداد والمخارج التي حلوا عبرها مشكلات في الطقس وتلبية الحاجات التي اختلفت تماما في الوقت الحاضر. وظائف وخصوصية في كتابه المعنون (الحصون والقلاع في دولة الامارات العربية المتحدة) , يوضح علي محمد راشد ان بعض الدول المجاورة شأن الامارات عرفت القلاع والحصون منذ عدة قرون, واقام البرتغاليون خلال تواجدهم في الخليج من 1507 حتى 1624 العديد من هذه القلاع وكانت (نيساسنهو رادافيكتوريا) الاولى التي تم تأسيسها. وميز خصوصية الامارات في الطراز الهندسي المحلي, حيث شيدتها اياد محلية استعانت بطين (مدر) شديد التماسك, كذلك المرجان المستخرج من البحر, والجير المحروق, واوراق شجر النخيل. ويتكلم راشد عن وظائف القلاع فيرى ان القلعة يطلق عليها كلمة الحصن مثلما يشيع في الدولة, اذ انها البناء الرئيسي, وربما الوحيد في المدينة, المحصن والقادر على رد الاعتداءات. لذلك فإن الهدف الاساسي من انشائها هو حفظ امن البلاد من التعديات الخارجية بالدرجة الاساسية. وفي الامارات لا تمثل القلعة وظيفة الحراسة فقط, بل لها وظائف ومهام اخرى, كأن تكون مقر حاكم البلاد ومكتبه ومنزله. وتستعمل ايضا للتوقيف والسجن, وبسبب ضخامتها وارتفاعها تعتبر اكبر مباني المدينة وساحتها هي الساحة العامة. وتناقش فيها القضايا الهامة وتتلى البيانات والقرارات وتنفذ بعض العقوبات. ولسطحها مهمة التحذير حيث يطلق الحراس الطلقة التنبيهية من البندقية المعروفة محليا بمسمى (تفق), وفي حال الغارة تكون طلقتان, واثناء رؤية هلال رمضان او شوال والاعياد او عودة الحاكم تصبح ثلاث طلقات, وتصل الى سبع كاشارة لحدث هام مثل اختطاف احد الاهالي. في نوفمبر 1997, باشرت دائرة التراث ترميم (قلعة الفجيرة) وانتهت حاليا من المرحلة الاولى وتستعد ـ كما يقول الشامسي لمرحلة متقدمة تكتمل معها مشهدية القرية بكامل بيوتها الصغيرة والكبيرة التي يفرق حجمها بين الانتماء الطبقي والاجتماعي لساكنيها, لتعلن الفجيرة آنذاك ترميما متقنا لقرية تراثية اثرية قديمة. لقد بنيت القلعة ايام الشيخ محمدبن مطر في نهاية القرن السادس عشر الميلادي (حوالي العام 1670). وهي تعلو منطقة الفجيرة القديمة فتشرف عليها وتبعد عن الساحل مسافة ثلاثة كيلومترات, ويرتفع بناؤها 18 مترا وتعد اكبر قلاع المنطقة الشرقية. جهوزية دفاعية عبر طريق حجري متعرج, سرنا باتجاه القلعة الرابضة على ربوة مرتفعة, ارتقيناها مشيا على الاقدام مسافة قصيرة فاذا بنا قبالة عشر درجات صعدناها لنقف امام باب خشبي قاس تطلب شيئا من القوة حتى دفعناه, فاستحق ان يكون المدخل الوحيد. مفتوحا على علو بسيط في الداخل الى يساره عشر فتحات خمس منها مخصصة للرمي قريب المدى والخمس الاخرى للطلقات بعيدة المدى, وكان الرماة هنا يلعبون دور الخط الاول في جبهة الدفاع عن ثغرة الباب, اربع درجات صغيرة وتأتينا الباحة او الساحة الواسعة المطلة على مجموع المنافذ الى الغرف والاسطحة. تتألف القلعة اساسا من طابقين كانت كلها حطاما ومليئة بالركام. ندخل الى غرفة صغيرة في وسطها عدد من الآثلام الطينية وحفرة صغيرة مؤدية الى خزان, انها المدبسة. الى يمينها غرفة واطئة جدا ربما استطعنا تسميتها سجن تحت الارض, وغير بعيد عنها مكان لاستراحة الجنود لكنها استراحة يقظة على اية حال فتحات الرماية فيها تغطي كافة الاتجاهات. نخرج الى اليسار فنقف في مواجهة ممر ضيق جدا الى يساره ايضا مخزن طولي الشكل عميق لم تستطع التنقيبات ان تنتهي الى جداره الاخير. تتضاعف جهوزية الدفاع والتحصين عند الطابق الثاني والذي يشرف على امتداد البصر حتى البحر المواجه. غرفة كبيرة في طرفها منصة صغيرة لحفظ المياه في (الزير), وثمة عمود قطره عريض بما يوازي 1.50 م يرجح ان يكون تعويضا عن قصر الاخشاب الداعمة للسقف وربما لعب دور المتراس الحامي من الشبابيك العديدة التي تنفتح على المدى في هذه الغرفة. في الطابق نفسه, غرفة يعتقد انها للحاكم لأنها الاكثر رفاهية, بها ارفف وطاقات موحدة المقاسات لكنها متعددة قد حملت يوما اسرار الاوراق وخصوصية اغراض الحكام. تجاورها غرفتان تصلحان لأن تكونا مقرا صيفيا للسكن. سلم ضيق وشبه عمودي يقودنا الى فتحة صغيرة نطل خلالها على السطح الكاشف للميناء والبحر, ونشاهد منه ثلاث حصون هي النقاط الحساسة اثناء التعرض للهجوم والقصف, الى اسفل تتوزع الارض المحيطة احجار متكومة هي الاثر المتبقي من بيوت القرية, وحتى الزمن في قسوته انصف الميسورين على الفقراء, فصمدت حوائط منازلهم فيما انهارت تماما جدران بيوت المواطنين المتواضعة. وينقسم السطح الى تقطيعات ثلاثة بينها مكان للقيلولة, وقد حاول الترميم الابقاء على الجزء السليم من القلعة وتقوية الاجزاء المتهالكة, بما فيها الدعامات البارزة على الحائط الامامي والتي تكشف الفارق بين قديم البناء والاضافة الجديدة. ويؤكد حسن انهم لم يغيروا شيئا والتزموا بدقة مواصفات المواد البنائية ذاتها من حجر وطين وصاروج. سكن مؤقت الحكاية التاريخية للقلعة تخبر تعرضها للقصف مرتين, الاولى من مدافع المحتلين البرتغاليين وبعد ترميمها قصفت ثانية على زمن الانجليز في العشرينيات من القرن الماضي. وكانت القلعة تستغل لأغراض سلمية وحربية, وان كانت الغلبة للثانية حيث الوقاية الدفاعية تسيطر بشكل لا يقبل الدحض على الطريقة البنائية حتى في اصغر الغرف, ولهذا لم تكن تستعمل على مدى اربع وعشرين ساعة كاملة, وكانت سكنا مؤقتا يلجأ اليها الناس ايام الحرب وعدت ايضا مركزا اداريا الى جانب وظيفتها كمقر قيادة وحصن. عاشت قلعة الفجيرة اهم الاحداث التي مرت على الامارة والمنطقة حيث كانت محط صراع الدول الكبرى, ويضيف الشامسي انها تعرضت في العصور الحديثة لاستعمار اوروبي برتغالي جثم على صدرهها قرابة قرنين من الزمن. وشيئا فشيئا ضعف البرتغاليون وامتد ذلك الى مركزهم في مستعمراتهم, ودار الصراع مع الهولنديين والبريطانيين والروس وحتى الامريكيين. ويذكر ان الانجليز ضربوا القلعة لارغام اهل المنطقة على الخضوع لمتطلباتهم ومطامعهم وخططهم وقد نالوا منهم رغم المسافة التي تبعدها عن البحر والبارجات الحربية التي انتشرت فيها. ان قلعة الفجيرة اليوم مازالت مهجورة فلم تتحول الى متحف او تستعيد انفاسها مع اشيائها القديمة, وحدها باللون الحجري المائل صوب الصفرة الممزوجة بالبرتقالي تعتلي تلّتها وتنتظر عودة البيوت والدكاكين والمسجد, لكن هيهات ان تعود اصوات ساكنيها وصخبهم وضجيج الفوضى والاعياد والمناسبات وحتى الاقتتال. لعل الترميم يحافظ عليها كواحدة من شواهد التاريخ ذات البعد الدلالي الذي لا مناص من قطع حبل السرة معه, او يعتني بها حلقة في سلسلة الالتفات للتراث والماضي على حد تعبير الشامسي. غير انها مازالت وحيدة غرفها خالية وخافية الى ان تنجح في اكتساب حقوقها السابقة من مقتنيات ومحتويات كالاسرة والقدور والاغراض ذات الاستعمال الحياتي اليومي والمدافع وطلقاتها الحديدية الثقيلة التي علا بعضها الصدأ. اشياء بقيت واخرى اهملها الناس وخلوها مثلما خلوا ارتباطات كثيرة لهم مع السنوات الفائتة. ثمة تفاصيل لن تؤخذ الا من افواه كبار السن الذين سيوثقون شفهيا ما جرى في حقبات غلفها الانتقال السريع الى حداثة صادمة بغلالة غير شفافة يكاد ناظرها يظنها اياما من قرون بعيدة غابرة, وما هي في الحقيقة الا عشرات الاعوام, فها هو المغفور له الشيخ محمد بن حمد الشرقي والد صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الاعلى حاكم الفجيرة يأمر باغلاق بوابة القلعة ويغادرها, آخر حكام الامارة الذين اقاموا بها. كتبت: رندة العزير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات