استراحة البيان ، يكتبها اليوم علي عبيد

قالت له الحسناء جاذبتني ثوبي العصي وقالت: أنتم الناس أيها الشعراء فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواء تلك هي الفكرة التي اراد امير الشعراء احمد شوقي ان يتوج بها قصة الحسناء المخدوعة كونها تنتمي الى جنس الغواني اللواتي يغرهن الثناء, مع ان الثناء يدير رؤوس القادة والزعماء ويلين عريكة الجبابرة العتاة, فما بالك بالغيد الحسان مصدر الالهام, وغاية المرام من جميع الانام, من لا يتأخر عن طلب ودهن خامل او همام؟! ولئن كان كل ذي صنعة ينحاز الى (الكار) الذي ينتمي اليه ويرفع من شأن نفسه واقرانه, فلا اقل من ان ينحاز الشعراء الى مملكتهم التي طالما اعلت من شأن اقوام وحطت من شأن اقوام. والشعر موهبة لا تكتسب بالتعلم, ولكنها تصقل بكثرة الاطلاع على الجيد منه, وحفظ ما قال الفحول من الشعراء وابدعوا, كي تتسع مدارك الخيال, ويمتلك اللسان ثروة من الالفاظ تساعده عند اختيار القوافي, فينتقي منها ما يناسب المعنى, ويكسب المبنى قوة, لتتسامق القصيدة كأنها صرح يشق العنان وهو ثابت الاركان. ويحسب لشوقي انه قد نأى بنفسه عن شبهة الغرور, فأجرى على لسان الحسناء هذا المديح الذي عم جمهرة الشعراء ولم يختص به نفسه, ثم اتبعه بذلك الرجاء المقرون بالتسليم التام ان يتقي الشعراء الله في قلوب العذارى الرقيقة, وما درت الحسناء ـ أو تجاهلت ـ أن ذوات هذه القلوب التي شبهتها بالهواء هن ملهمات اولئك الشعراء وقادحات زناد قريحتهم, وباعثات الدفء بين جوانحهم, إن اقبلن أطفأن ظمأ القلوب وبعثن النشوة في النفوس, وإن أدبرن جفّت الينابيع وتاه ملوك القوافي في صحراء العطش. هذا التواضع الذي نراه في قصيدة شوقي لا نجده عند شاعر فذّ قلّ أن يجود الزمان بمثله, هو أبو الطيب المتنبي الذي قال عنه ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة في صناعة الشعر ونقده) : (ثم جاء المتنبي فشغل الناس وملأ الدنيا) إذ يبدو أن إحساسه بشاعريته جعله يسرف في إظهار كبريائه, فتضخمت عنده (الأنا) حتى أنك لتجده لا يغفل عن كيل المديح لنفسه في جل قصائده, لا يحول دون ذلك أن يكون في مقام مدح أمير أو غيره, ولا ادل على هذا من قوله وهو يمدح سيف الدولة ويهنئه بعيد الاضحى: وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مشمرا وغنّى به من لا يغني مغردا أجزني اذا أُنشِدتَ شعرا فإنما بشعري أتاك المادحون مُرَدَّدَا ودع كلَّ صوت غيرَ صوتي فإنني أنا الطائر المحكيُّ والآخرُ الصدى أو قوله وقد جرى له خطاب مع قوم متشاعرين وظن الحيف عليه والتحامل: سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدمُ أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممُ أنام ملءَ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ ولعل هذه المغالاة في فخر المتنبي بنفسه هي ما جعلت كافورا يعدل عن وعده بتقليده إمارة أو ولاية, وقد كان شاعرنا يتوق إلى ذلك توقا شديدا, حتى أنه ليروى أن بعضهم قد عاتب كافورا في ذلك فقال: (يا قوم, من ادّعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم أما يدّعي المملكة بعد كافور؟ فحسبكم) . وقريب من أبيات المتنبي السابقة ما قاله البحتري مفاخرا بشعره: +++++ 250 أهز بالشعر أقواما ذوي وسن في الجهل لو ضُربوا بالسيف ما شعروا عليّ نحت القوافي من مقاطعها وما عليّ إذا لم تفهمِ البقرُ اما شاعر الحب القديم عمر بن ابي ربيعة فقد كان همه الاول والاخير ان يكون ملء سمع الغواني وبصرهن, لا تخطئه اعينهن ولا يغيب عن بالهن, ولذلك فعندما قال له سليمان بن عبدالملك: ما يمنعك من مدحنا يا ابا الخطاب؟ اجابه: اني لا امدح الرجال, وانما امدح النساء. وقد كان للفرزدق في شعر عمر ـ الذي خصصه بالغزل ولم يخلط به هجاء او مديحا ـ رأي عبّر عنه بقوله: (هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار, ووقع هذا عليه) . افتتان عمر بالنساء وولعه بهن وتكريس شعره لهن بلغ درجة تصور معها انه لا توجد على ظهر البسيطة امرأة تجهله او لا تتحدث عنه, انظر اليه يقول: +++++ 250 بينما ينعتنني ابصرنني دون قيد الميل يعدو بي الاغرْ قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ قالت الوسطى: نعم, هذا عمرْ قالت الصغرى وقد تيّمتُها: قد عرفناك, وهل يخفى القمرْ؟! ومع ان عمر قد تغزل بعدد كبير من النساء عرفنا منهن زينب ونعم والثريا وليلى ورملة وفاطمة والرباب, إلاّ ان هندا كان لها نصيب الاسد من شعره, وهند هذه التي ىأتي ذكرها في كثير من قصائده هي هند بنت الحارث المُرِّيَّة, اما سبب تعلقه بها فهو ما يذكره في حديث له اذ يقول: (بينا انا منذ اعوام جالس, إذْ أتاني خالد الخرِّيت فقال لي: يا أبا الخطاب, مرت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا, لم أرَ مثلهن في بدو ولا حضر, فيهن هند بنت الحارث المرية, فهل لك ان تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن, وتتمتع بالنظر اليهن ولا يعلمن من انت؟ فقلت له: ويحك؛ وكيف لي ان اخفي نفسي؟ قال: تلبس لبسة اعرابي, ثم تجلس على قعود, ثم ائتهن فسلم عليهن فلا يشعرن بك قد هجمت عليهن. ففعلت ما قال, وجلست على قعود ثم اتيتهن فسلمت عليهن ووقفت بقربهن, فسألنني ان انشدهن واحدثهن, فأنشدتهن لكثِّير وجميل والاحوص ونصيب وغيرهم, فقلن لي: ويحك يا اعرابي, ما املحك وما اظرفك, لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا, فاذا امسيت انصرفت في حفظ الله. قال: فأنخت بعيري, ثم تحدثت اليهن وانشدتهن فسررن بي واعجبهن حديثي. ثم انهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض: كلنا يعرف هذا الاعرابي, ما اشبهه بعمر بن ابي ربيعة! فقالت احداهن: هو والله عمر. فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي, والقتها عن رأسي ثم قالت لي: هيه يا عمر! أتراك خدعتنا منذ اليوم, بل نحن والله خدعناك, واحتلنا عليك بخالد, فأرسلناه اليك لتأتينا في اسوأ هيئة ونحن كما ترى. يقول عمر: ثم اخذنا في الحديث, وفي ذلك قولي: +++++ 250 ألم تسأل الاطلال والمتربعا ببطن حُلَيَّاتٍ دوارس بلقعا لهندٍ واترابٍ لهندٍ إذْ الهوى جميعٌ, وإذْ لم نخشَ أنْ يتصدَّعا فلما توافقنا وَسَلَّمتُ أشرقت وجوهٌ زهاها الحسنُ أنْ تتقنعا تبالهن بالعرفان لما عرفنني وقلن امرؤ باغٍ أكَلَّ وأوضعا وَقَرَّبْنَ أسبابَ الهوى لمتيمٍ يقيس ذراعا كلما قِسْنَ اصبعا ذلك هو الشعر, ديوان العرب ومستودع الحكمة, يقول عنه أبو تمام: +++++ 250 ولو كان يفنى الشعر افنته ما قرت حياضك منه في العصور الذواهب ولكنه فيض العقول اذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب أما شاعر الامارات المبدع حمد بن خليفة أبو شهاب فله مع صادق الشعر وقفة نقتطف منها: +++++ 250 وما الشعرُ إلاَّ كالنساءِ خليقةٌ يَرِقُّ ويستعصي ويقسو ويرحمُ فلَولا جيادُ الشعرِ ما خَلَّدَ الهوى أحاديثَ من هاموا وجُنُّوا وتُـيِّمُوا ولولا جيادُ الشعرِ ما خَلَّدَ الوغى مواقفَ من يلقى المنايا ويُقْدِمُ ولولا جيادُ الشعرِ ماخَـلَّد الندى مكارمَ من يأسو الجراحَ ويُنْعِمُ يَظَلُّ وتفنى دولةُ الملك والغِنَى وَكُلُّ بناءٍ دونَه يَتهدَّمُ

تعليقات

تعليقات