إلى اللقاء ، ضحايا الفراغ

يعالج بعض الحالمين معاناته المؤقتة بمأساة تتملكه فلا يجد بدا من تلبسها وتصبح عادة مستديمة يستعصي عليه في النهاية أمر علاجها, وتبقى وبالا عليه سرعان ما تحرق زهرة عمره وتجهز على ما تبقى له من سعادة في هذه الحياة. وبطبيعتهن فإن الفتيات هن أكثر ضحايا هذا المسلك وأشدهم تأثرا وتورطا, ذلك ان الفتاة بتكوينها مليئة بالعواطف والمشاعر الجياشة التي لا تحتمل التلاعب والاستغلال. ومع ذلك تألف بعض الفتيات الخروج عن نطاق الحشمة والتمرد على التربية السليمة تحقيقا لرغبة مكبوتة, إلا انها تفيق بعد فوات الأوان لتجد نفسها مشردة بلا مأوى ولا من يسأل عن وجودها, لانها استرخصت نفسها فأنكرها الوجود ولم يعد لحياتها معنى يحتمل البقاء من أجله. فتيات كثيرات أصبحن يعانين من العنوسة بعد حياة مليئة بالمغامرات العاطفية واللهاث وراء اشباع الذات وتحقيق الرغبات دون تقدير للعواقب الوخيمة التي تتربص بمستقبلهن وتضع حدا لسعادتهن المؤقتة. وإلى ذلك يحرق بعض الشباب مستقبلهم بالتسكع في الأسواق والتسمر بين جدران المقاهي يسحبون همومهم من جوف (الأرجيلة) لتثقل رؤوسهم بخيالات بحجم كتل الدخان التي تعتليها, يرتشفون الهم وينفثون العمر هباء في كلام فارغ ولهو يستهلك الوقت ويستنزف المال والصحة. هامات تضيع عنفوان شبابها وتذري سنوات العمر في شراك خادعة تبذل في سبيلها الغالي والنفيس وتعيش الحياة من أجل اليوم الحاضر لا من أجل غد المستقبل. إن البرنامج الذي يضعه البعض لتمضية يومه لا يخرج كثيرا عن دوامة الوظيفة فالمنزل ثم المقهى, وهي عادة أدمنتها شريحة واسعة من الشباب حتى أصبح هدر الوقت طبعا في شخصياتهم وجزءا من فلسفتهم في هذه الحياة. ولعل ما نفتقده في كثير من شباب اليوم حرصهم على تطوير ذواتهم وعدم الاكتفاء بالمستوى الأكاديمي والمؤهل الوظيفي الذي أحرزوه, فتحصيل المعرفة ينبغي ألا يقتصر على الحصول على وظيفة بل أن ترقي درجات العلم يجب أن يظل هدفا متوهجا, كما ان طموح العمل يجب ألا ينتهي مع الدوام الرسمي بل يجب أن يتعداه إلى غزارة في الانتاج وتطوير القدرات واكتساب مزيد من الخبرات والمهارات. وأخيرا, ما يثير الأسى أن يقف المربون عاجزين عن تحريك ساكن تجاه ما آلت إليه أحوال بعض ضحايا الفراغ, وأن تبقى (الحرية الشخصية) لفظا ترددها الأفواه دون إدراك حدودها ومناسباتها. خالد درويش

تعليقات

تعليقات