استراحة البيان، أسرار للبيع ، يكتبها اليوم : علي عبيد

يبدو ان التجارة الرائجة في الغرب هذه الأيام هي تجارة امتلاك الأسرار وبيعها, فكي تضمن مستقبلك ومستقبل أبنائك وأحفادك وربما أحفادهم ما عليك إلا ان تمتلك سرا من الأسرار, وقدرا معقولا من الشطارة والذكاء والمهارة في المساومة, وحسا تجاريا يكفل لك الخروج بأفضل المكاسب. أما نوعية هذه الأسرار فتختلف وتتنوع, وان كان أكثرها رواجا أسرار العلاقات الخاصة التي يكون أصحابها من المشاهير ذوي الجاذبية و(الكاريزما) المميزة التي تلفت الأنظار وتجعلهم محل اهتمام الجميع, يتتبعون أخبارهم ويتلقفون بشغف وفضول كل ما ينشر عن حياتهم لا سيما ما تعلق منها بفضائح من نوعية تلك القصص التي لاقت رواجا لا مثيل له عن بعض الشخصيات السياسية من سكان القصور والبيوت الرئاسية ذات الألوان المختلفة, تليها أسرار الجواسيس التي شاع نشرها بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي بسقوط الاتحاد السوفييتي الذي فاجأ الجميع بأنه لم يكن سوى نمر من ورق. ومع انني لا أدعي معرفة بالتاريخ الحقيقي لهذه التجارة ولا أول من بدأ ممارستها, إلا انني لا أشك في ان لها جذوراً تاريخية تمتد إلى قرون من الزمن ليس من السهل تحديد بدايتها. ولعل أول نوع من أنواع كشف الأسرار هو ذلك الذي أخذ شكل الاعترافات, وكان أشهرها اعترافات الفيلسوف الفرنسي الشهير (جان جاك روسو) التي سجلها منذ ما يقرب من المئتي عام, كاشفا خلالها عن نفسه, دونما زيف أو تستر, قائلا في مقدمتها: (انني مقبل على مشروع لم يتقدمه شبيه, ولن يكون له مثيل, حيث انني أريد أن اقدم إلى اخواني شخصا في أصدق صور طبيعته, هذا الشخص هو: أنا, أنا وحدي.. وإذا ما انتشرت آخر هتافات بوق البعث, لما يمكنه ان يدوي, فسأقف أمام الحاكم العادل, وهذا الكتاب بين يدي, وسأقول في جسارة: هذا ما صنعت, وما فكرت, وما كنت, لقد قصصت في كتابي الحسن والرديء على السواء بصدق, لقد مثلت نفسي على حقيقتها: في حقارتها وفي استقامتها ورصانة رشدها, وعلوها طبقا للوضع الذي كنت فيه) . وبعيدا عن المقارنة في الطرح أو النتائج, والأهداف التي توخاها المفكر والفيلسوف الفرنسي وتلك الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها كاشفو الأسرار في زماننا هذا فإن فضول الناس ورغبتهم في الاطلاع على أسرار البشر وخصوصياتهم هما العامل المشترك في اقبالهم على قراءة هذا النوع من الكتابات والكتب, خاصة إذا ما ارتبط ذلك بشخصية شهيرة لها فعل السحر في جذب الأضواء نحوها, وشد انتباه الناس إليها. ولعل أكثر شخصيتين نالتا نصيبا من الاهتمام والمتابعة لدى الناس في مشارق الأرض ومغاربها هما (الليدي ديانا) وآخر رؤساء القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية (بيل كلينتون) . في حياة الليدي ديانا استغل الضابط (جيمس هيويت) العلاقة التي ربطته بها أسوأ استغلال, وكان نشره لتفاصيل هذه العلاقة وأدق أسرارها آثار عادت عليه بالمال الوفير, لكنها جلبت له الخزي والاحتقار من قبل الناس, ليس حبا لليدي الراحلة فقط, وانما انتصارا لأمور أساء الضابط الانجليزي تقديرها, نشر التفاصيل دفع ديانا للاعتراف في لقاء متلفز تابعته الملايين بهذه العلاقة والمدى الذي وصلت إليه, ومع ذلك فقد ظل الناس على حبهم للأميرة الراحلة التي اتسمت حياتها بالاثارة, وكان موتها مأساويا لم يقل إثارة عن حياتها. ولم يتوقف مسلسل استغلال نشر أسرار الأميرة بعد موتها, إذ انبرى حارسها الخاص (تريفور ريس جونز) بعد ان أفاق من غيبوبته وعادت إليه الذاكرة إلى تأليف كتاب أسماه (قصة حارس) ليروي فيه هو الآخر أسرار وتفاصيل الأيام الأخيرة التي سبقت وفاة مطلقة ولي عهد بريطانيا وصديقها دودي الفايد في باريس عام 1997 مفجرا مجموعة من القنابل أبرزها عدم صحة ما تردد عن اختيارها ودودي خاتم خطبتهما وشرائهما له من مونت كارلو ناسفا من الأساس فكرة اعتزامهما الزواج, الأمر الذي فجر غضب الملياردير محمد الفايد ودفعه إلى محاولة استصدار أمر من المحكمة بمنع نشر المذكرات, وقد فشل في ذلك, كما فشل من قبل في الحصول على الجنسية البريطانية بشتى الوسائل. أما الرئيس الامريكي ذو الجاذبية فقد لعبت فاتنة البيت الابيض ذائعة الصيت (مونيكا لوينسكي) دور البطولة في حكايته, وكانت باكورة حصادها من الفضيحة كتاب (قصة مونيكا) الذي حرره الكاتب البريطاني الشهير المتخصص في هذا النوع من القصص مؤرخ سيرة الليدي ديانا (اندرو مورتون) ناهيك عن مئات المقابلات التلفزيونية والمسلسلات الصحفية والبورتريهات المميزة فيما اطلقت عليه صحيفة (نيويورك تايمز) اسم منتجات مونيكا, وجنت ذات الفستان الازرق من ورائه ملايين الدولارات, حتى اذا ما خبا بريق الأسرار وانصرفت الانظار عن متابعة الرواية التي غدت مملة, وبدأ بطلها حزم حقائبه لمغادرة البيت الابيض الى بيت معتم عديم الاضواء, توجهت البطلة الى تجارة من نوع آخر اذ بدأت في بيع كيلوجرامات من الشحوم التي تراكمت لديها اثناء الازمة واعتزالها الناس, فاتفقت مع ناد صحي متخصص في تخفيف الوزن على تقاضي مبلغ محدد من المال كلما نجحت في انقاص وزنها كيلوجراما واحدا باتباع النظام الغذائي والرياضي الذي يضعه هذا النادي في حملة اعلانية للترويج له. أما آخر الذين انضموا لنادي بيع الاسرار ونشرها والتكسب بها فهي (روزاليند مارك) المربية السابقة لابناء السيدة (شيري بلير) زوجة رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) التي سعت الى نشر مذكراتها في صحيفة (ميل اون صانداي) البريطانية لتروي فيها تفاصيل حياة افراد عائلة بلير خلال السنوات الاربع التي امضتها في خدمتهم بين 1994 و 1998 ولان السيدة بلير محامية بارعة ـ وليس لانها زوجة رئيس الوزراء ـ فقد نجحت في الحصول على امر قضائي من المحكمة العليا في لندن بوقف نشر الصحيفة للمذكرات, ووافقت على عدم المضي في دعوى الضرر ضد (روز) مقابل تأكيدات منها بعدم افشاء تفاصيل الحياة الخاصة للأسرة, اما لماذا اقدمت المربية على كتابة المذكرات فذلك لانها كما تقول كانت شاهدة على فترة من التاريخ وتريد ان تكتب عنها لأسباب تاريخية, وتضيف: كنت اول مربية في 10 داونينج ستريت (المقر الرسمي لرئيس الوزراء) واعتقد انه من المهم ان اكتب عما سمعته ورأيته من وجهة نظر شخصية. اما شركة (كوكا كولا) فقد وجدت نفسها في مأزق وهي تقدم على انهاء خدمات رئيس مجلس ادارتها (دوجلاس ايفستر) بسبب انجازاته الهزيلة وانخفاض المبيعات في عهده وتكبدها خسائر كبيرة جعلتها تقوم بتسريح ستة الاف موظف, وكي تحافظ الشركة على اسرارها وتضمن عدم نقلها الى الشركات المنافسة فقد ابدت حياله كرما لا مثيل له من حيث التعويضات وتأمين العيش الرغد, اذ بلغ حجم التعويضات 17.1 مليون دولار بالاضافة الى مرتب شهري قدره 66 الف دولار حتى بلوغه الخامسة والخمسين في مارس 2002 وفوق ذلك ومع الاحتفاظ بمميزات الرعاية الاجتماعية سيحصل ايفستر وزوجته على تعويض شهري مقداره 56 الف دولار حتى اخر ثانية في عمرهما, وقد حصل على علاوة 1.5 مليون دولار هذا العام, وسيحصل على مثلها العام المقبل والذي يليه, وبالاضافة الى مزايا لا تعد ولاتحصى فقد احتفظ الرئيس السابق لمجلس الادارة بالاسهم التي جمعها طوال حياته المهنية من كده وعرقه, وتقدر قيمتها بحوالي 100 مليون دولار فقط, كل هذا خوفا من ان ينقل خبرته ومعرفته في حقل المشروبات او الاسرار الصغيرة الى الشركات الاخرى المنافسة وهو رئيس فاشل تسبب لشركته في كل تلك الخسائر وارادت التخلص منه, فكم كانت ستدفع له الشركة لو انه كان رئيسا ناجحا قرر من تلقاء نفسه ترك العمل او الانتقال الى شركة اخرى تعمل في الميدان نفسه؟! علم ذلك عند ربي عالم السر واخفى, مقسم الارزاق بين العباد, له الحمد على ما قسم لنا من ارزاق, وما اطلعنا عليه من اسرار, فالقناعة كما قال السابقون الأولون كنز لايفنى, ومن راقب الناس مات هما وحسرة وغما.

تعليقات

تعليقات