استراحة الجمعة : الذئب.. وصاحبه ، بقلم سعيد حمدان

في التراث العربي يوصف الذئب بأنه مخلوق سيىء السمعة, فالانسان الغدار, الشرير نصفه انه (ذئب في ثوب حمل) . هذا الحيوان القوي, المفترس, فرض على بني آدم ان يسعى في كل العصور الى التخلص منه ومحاربته, فالانسان لا يرضى ان يعيش في بيئة فيها مخلوق اقوى منه, يهدد أمنه واستقراره ولانها علاقة طردية, انقرض الذئب في كثير من بقاع الارض, واصبحت انواع اخرى من فصائله المتعددة ـ كالذئب العربي ـ مهددة بالابادة بفعل الطبيعة, أو يد الانسان في المقام الاول. الا ان الذئب في كثير من الكتب التي تتحدث عن الحيوانات, هو صياد ماهر من فصيلة الكلاب تخصص في افتراس الحيوانات الكبيرة. وانه يتجنب الانسان قدر استطاعته. هذا الذئب يعيش في شكل قطعان, يتراوح اعدادها في القطيع الواحد من ثمانية إلى عشرين ذئبا, وعلى ذمة علماء الحيوان, فان الذئب يعيش اجتماعيا في محيط القطيع لوجود عاطفة قوية تجمع بينهم. فالذئاب عندها عاطفة قوية, كما يقول المختصون, والذئب الذي يخرج عنها, يسمى منعزلا يمشي وحيدا في طريقه حتى يجد انثى تقبل به زوجا, يقبل عليها, ومع ذريته الجديدة يكون قطيعا خاصا وهكذا. ايضا وعلى لسان علماء الحيوان, ان الذئاب لها نظام اجتماعي يسمى (تدرج السيادة), هذا النظام يقوم على اسس ان كل فرد في القطيع له مكان في هذا التدرج, وتسمى الافراد المرتفعة المكانة التي لها قدر كبير وكلمة على الجميع بالمسيطرة, وهي تهيمن على الذئاب التي ادنى منها, وهذه تسمى الذئاب التابعة. اما كيف يفرق بين المسيطر والتابع, هناك دلالات يعرفها الذئاب, وهي ان المسيطر يقف رافعا ذيله وموجها اذنيه لأعلى وللأمام وقد يبرز اسنانه مزمجرا, هكذا صفاته له هيبة وفيه غرور وثقة زائدة. اما التابع فانه ينحني بتذلل ويضع ذيله بين رجليه, ويحني اذنيه هذه المرة للاسفل, وقد يعوي, ولكن شتان مابين العواءين! عواء الذئب يعني التحية, ويعني كذلك تحذير الذئاب الاخرى بعدم الاقتراب لكي تبقى خارج القطيع خلال عملية الصيد, ومثل حال الانسان, فإن كل قطيع له مساحة محددة من الارض التي يعيش ويتجول ويصطاد فيها تسمى مقاطعة, ويقول العلماء ان الدراسات التي اجريت تدل على ان حجم المقاطعة يعتمد على حجم الفرائس, فاذا كانت ارض قاحلة فإن حدود المقاطعة قد تمتد الى اكثر من 500 كيلومتر مربع, اما اذا كثر الصيد فتتقلص المساحة الى ادنى من 80 كيلومترا مربعا. لكن كيف تعرف الذئاب ان هذه المنطقة تخص القطيع الفلاني مثلا. يقول المختصون ان الذئاب تعمل على ترك رائحتها المميزة في كل ارجاء المقاطعة, ويقوم قائد القطيع بالتبول على الصخور والاشجار واية اجسام اخرى على امتداد حدود المنطقة, وبذلك تعرف الذئاب الاخرى موقع هذه المقاطعة وحدودها, ولا تحاول الاقتراب منها, واذا عاندت واقتربت, فإن مصيرها يكون كما يحدث في المجتمع الانساني, تتم مهاجمتها ويكثر الدم ما بينهما. عالم الذئاب يتشابه في بعض منه عالم الانسان, ومع ان المأثور والطبيعة البشرية كرهت وخافت من هذا الحيوان وصوته البشع, الا انها رسمت له صورة المخلوق الشجاع, فالانسان في الوصف كالذئب أو ليته كذلك, عندما تذكر البطولات والقوة. اسرني حديث الذئب, وبحثت في كتب الحيوان عن تفاصيل اكثر تخصه, لسبب وحيد هو قراءة خبر نشر عنه قبل ايام, خبر لا يصدق لغرابته, لكنه وقع في الجزائر على ذمة وكالة الانباء التي نقلت النبأ, يقول الخبر ان رجلا من منطقة البويرة بالجزائر توفي في مستشفى المدينة, حادث يتكرر في كل مكان, وفي كل الاوقات. الذي لا يتكرر في الحادثة, هو الضيف الذي زار اهل المرحوم, قبل ان ينتشر خبر الوفاة. ذئب قدم من غابة مجاورة, ودخل منزل الفقيد. للقارىء ان يتخيل حال اهل البيت امام هذا الضيف غير العادي! توجه الذئب الى غرفة الفقيد وطاف بداخلها, ثم خرج الى ساحة المنزل. واختار لنفسه مكانا قرب صهريج اقام به لمدة ثلاثة ايام ـ هي ايام العزاء ـ ويقول الخبر ان هذا الضيف لم يبد اي انزعاج من دخول وخروج المعزين, والفضوليين الذين تجمعوا حوله. ابن المتوفى الذي صور ضيفهم بكاميرا فيديو, كدليل اثبات للمتشككين في روايته, اكد ان الذئب رفض طيلة فترة وجوده بالمنزل تناول الاطعمة التي كانت تقدم له, وكان يعوي كلما بدأت الزوجة تبكي على فقيدها! الذئب غادر البيت بعد ثلاثة ايام وفي التوقيت نفسه الذي مات فيه الرجل. في الخبر ان البعض اعطى تفسيرات خرافية للواقعة مقرونة بعالم الارواح, واخرون اشاروا الى احتمال وجود صداقة بين الذئب والرجل, لكن التساؤل الذي طرح من اين وكيف علم الذئب بوفاة الرجل التي وقعت في المستشفى؟! حادثة الذئب الجزائري, تجعلنا نفكر في البحث عن هذا الحيوان هذه المرة لنصادقه, فبعض الوفاء في الحياة او الموت قد يأتي من الذئب.. عجائب!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات