استراحة البيان : أقسم لك .. أنت موهوب! بقلم محفوظ عبدالرحمن

يحدث أحيانا ان تكتب مقالة وتتمني ألا يقرأها فلان حتى لايغضب منك, أو يستاء مما جاء فيها, أو يلجأ إلى القضاء, أما الحالة التي أتعرض لها الآن فهي حالة نادرة, إذ أنني ترددت طويلا في كتابة ما اكتبه الآن خشية ان يقرأه احد العلماء, اظن انه سيكون له آراء قد تنسف ما أكتبه نسفا فلقد قررت مثل هؤلاء الذين يقررون الانتحار ان اتحدث عن موضوع علمي أو يبدو كذلك وانا ـ واعترف بذلك ـ لست مؤهلا للحديث في موضوع علمي. ومنذ أيام المدرسة وأنا أقبل على الموضوعات النظرية بشغف كبير, وأتجنب الموضوعات العلمية, وكنت أعاني كل عام من نتائج اختبارات نهاية الدراسة إذ كانت درجاتي في المواد العلمية أعلى بكثير من المواد النظرية فكان الجميع يتصورون ان طريقي هو طريق اينشتين ونيوتن. ولم يعرفوا أن ارتفاع الدرجات هنا كان نتيجة خوفي الشديد الذي يدفعني للتركيز في موضوعات لا أحبها. وعندما وصلنا الى السنة النهاية في المدرسة الثانوية, اخترت القسم الادبي, ولكن الكارثة أن هذا القسم كان جزءا منه يدرس الرياضيات, وكان هذا موجودا في المدرسة, وجزءا يدرس الفلسفة, ومعها علم النفس والمنطق, وكانت تلك غايتي, ولكن هذا لم يكن موجودا, وعندما تقدمت اليه كنت الطالب الوحيد الذي تقدم إلى ماكان يسمى (أدبي ـ فلسفة) , ورفض طلبي لأنه لا يوجد (أدبي فلسفة) في المدرسة. وصممت على أن أدرس ما اريد, فلقد بلغ رعبي من الرياضيات مداه, ولم أعد قادرا على التعامل معها, واقترح بعضهم أن أبحث عن مدرسة في بلد مجاور, ولكن ذلك كان صعبا بسبب تعقيد الوضع العائلي. ذلك لأن أبي كان موظفا ينتقل من بلد الى اخر كل عام أوعامين, فلما وصل الى (مطاي) وهي بلدة في الصعيد منها محمد حيدر باشا وزير الحربية لسنوات طويلة ايام الملك فاروق, والمشير عبدالحكيم عامر أحد رجال ثورة يوليو. أقول انه لما وصل ابي الى (مطاي) أحس بالارتياح فيها, وكنت اظن السبب هو البيت الجميل الذي نسكنه بحديقته البحرية الشاسعة, والمليئة بأشجار المانجو والجوافة والليمون. فلما نقل الى مكان اخر بقينا في نفس البيت, ومن الطريف ان (مطاي) ايامها لم يكن فيها مدارس فكان علينا ان نذهب الى بني مزار التي كانت تبعد حسب ما تعيه الذاكرة اكثر من عشرة كيلومترات تعتبر مسافة طويلة مع سوء المواصلات آنذاك. أي ان بيتنا كان في مدينة وعمل ابي في مدينة اخرى, ومدارسنا في مدينة ثالثة. وكان من المستحيل كما اشرت ان اذهب الى مدينة رابعة لادرس الفلسفة بدلا من الرياضيات, وكنت في مأزق حقيقي انتهى بان اتيت بورقة كبيرة مما كنا نرسم عليها وكتبت عليها (ادبي فلسفة) ووضعتها في عصا خشبية, ورفعتها في كل مكان. وأرسل لي مدير المدرسة, وكان آنذاك يسمى (ناظر المدرسة) واظنه مازال يسمى هكذا في عدة قطاعات. وكان الوزير يسمى (ناظرا) طالما كانت مصر العلوية تابعة للدولة العثمانية, فرغم انها كانت دولة شبه مستقلة الا انها بحكم هذه التبعية كان ممنوعا ان تعين وزراء أو سفراء, فكانت تسمى الوزارة (نظارة) والسفراء (قناصل) , فلما زالت الدولة العثمانية تغير اسم النظار إلى وزراء, والاول اسم عربي والثاني فارسي, فتأمل! ووبخني الناظر على الاضراب الذي اقوم به, ولم اكن اعرف انني اقوم باضراب, ولا كنت أنوي ذلك, وكان الاضراب بالنسبة لي زميلا ضخم الصوت ـ وكنت خافت الصوت ـ نحمله على الاعناق, فيهتف للوطن, أما انا فكل ما كنت اريده هو الابتعاد عن الرياضيات. ولم أدرك الا فيما بعد ان الناظر أو المدير كان معجبا بموقفي رغم عجزه عن ان يفتتح صفا جديدا لي وحدي, وهذا ما قاله اثناء حديثه معي, اذ قال انه لا يستطيع ان يفتتح صفا لاقل من ستة عشر تلميذا. وكانت القشة التي تعلقت بها, فلقد خرجت لاكتب طلبا لدراسة الفلسفة وجمعت عليه توقيعات ستة عشر تلميذا, ولم يكن فيهم احد ـ على ما اذكر يأبه بالرياضيات أو الفلسفة, ولم يكن آباؤنا يتدخلون في مثل هذه الامور الا فيما ندر, وكان كثير من الآباء لا يعلمون شيئا عن السنة الدراسية التي وصل اليها ابناؤهم, فلقد كان ذلك من شأن الابناء, وكان الابناء بعيدين عن التأثيرات الضارة التي اخذت تقتحم الشباب في ايامنا هذه. ولست من الذين يحبون وصف الماضي بالايام الذهبية, ولا اصدق هذا, لكنني في هذا المجال فقط اقول انه كانت في المدرسة حديقة كنا ندرس فيها ما كان يسمى بـ (فلاحة البساتين) وهو علم بلا اختبار في نهاية العام, وكان بين الاشجار التي نتعامل معها شجيرة (الخشخاش) وهي الشجرة التي تنتج الافيون, واظن الكوكايين والهيرويين, ومع ذلك لم يحاول شخص واحد ان يتعامل مع هذه الشجرة بأية طريقة, في حين ان عامل السن في تلك المدرسة بالصعيد لم يكن تحت السيطرة, وكان بعض التلاميذ فوق العشرين. وبعد سنوات طويلة لاحظ بعضهم ولاحظت معهم فيما بعد انني الاسرع في حل اي مسألة حسابية, وفي النهاية ادركت انني املك (موهبة) الرياضيات, حقا انني حتى الان لم احبها, لكن مرات عديدة ادهش الاخرين ونفسي اولا بحل مشكلة معقدة احتار فيها من هم اكثر براعة في الرياضيات. وتساءلت ـ وهذا ما اطرحه الان ـ هل نملك مواهب خافية, قد لا ندركها نحن انفسنا, بل قد نكرهها. وسطني احد افراد العائلة ان اتدخل لدى ابيه حتى لا يفرض عليه تعلم السباحة, ووافق الاب لما رأى من كراهية ابنه لها, وذات يوم عرفني الاب بمدرس السباحة في النادي, فقال انه لم يمر عليه خلال الاعوام الخمسة الماضية طفل ماهر في السباحة مثل هذا الطفل. هل نكره مواهبنا أحيانا؟! قبل ذلك كم موهبة نمتلك, وكم منها يخرج إلى الناس, والمجتمع يساعد أو لا يساعد في اخراج المواهب, والا فهل من المعقول ان تمر قرون السلطة العثمانية دون رسام واحد؟! بالطبع صاحب موهبة الرسم في تلك السنوات التي حرم فيها من موهبة الرسم كان يجد له مخرجا آخرهو الزخرفة او الخط او المعمار, ولكن ذلك الفنان المصور كيف قتلت موهبته؟ والتمثيل! كيف قضي على اجيال من الممثلين ايام لم يكن هناك مسرح ولا سينما ولاتلفزيون ولا اذاعة. اؤمن بأن هناك ملايين المواهب يمتلك كل منا عشرات منها, لكن المشكلة في كيفية اكتشافها, في بعض البلاد يحاولون اكتشاف مواهب الاطفال وتوجيههم الى مايصقل موهبتهم, ولكن من قال انهم يكتشفون الموهبة المناسبة. اعتقد ان الموهبة هي اعقد ما في النفس البشرية وانها لاتحظى بالدراسات الكافية, ولاتكاد تجد في المكتبة العربية الا دراسات قليلة من بينها ما كتبه استاذ علم النفس الدكتور مصطفى سويفي ومعظم ما كتبه في هذا هو دراسة الموهبة نفسها, اما محاولة اكتشافها فهذا شيء اخر. اتمنى ـ كما ذكرت من قبل ـ الا يقرأ مقالتي احد من العلماء فأنا لا املك ادلة على صحة ما اقول, وان كنت على يقين من صحته. اعتقد انه من الممكن (صناعة) الموهبة! لا اشير هنا الى الذين لايدخلون مجالات بلا موهبة ويفرضون انفسهم, هؤلاء اعرف منهم الكثيرين وبعضهم جاد جدا, احدهم كتب القصة وكان رديئا, سافر الى الخارج في ظروف طيبة وقرأ وشاهد وظل روائيا, واحدهم كتب المسرح وكأنه يكتب وسط الانتاجات الموسيقية الجميع متلهفون على ما يكتب, حتى ان نجيب محفوظ قال انه على رأس الاجيال القادمة ولن اذكره لانني لو ذكرته لن تعرفه, فأنت اذا لم تعرفه شخصيا لن تعرف اسمه. انت لا تستطيع ان (تخلق) موهبة لكن اذا اكتشفتها تستطيع ان تتقدم بها ولا اقصد بالاكتشاف هنا ان تجلس الى البحر تتأمل زرقته. ثم تصرخ كما صرخ ارشميدس: وجدتها! موهبتي في الكيمياء. فالامور اعقد من هذا. فاذا كنت موهوبا في اكتشاف مواهبك ستدرك ما تتميز به انه نبتة صغيرة عليك ان ترعاها صباح مساء احيانا وانت تدري واحيانا وانت لا تدري. القي بنظري حولي فأرى الموهوبين قلة, وارى المواهب بعدد حبات الرمال! هذه نظريتي.. وجعل الله كلامي خفيفا على العلماء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات