استراحة البيان: السيد منخار والسيد لكتور! يكتبها اليوم محمد الخولي

التحليل مكثف شديد الإيجاز.. نشرته مجلة شهرية امريكية ربما كانت شهرية الصحافة الصادرة عن جامعة كولومبيا(وقاتل الله الذاكرة المهيضة بفعل العمر وازدحام المعلومات وبعضها ما انزل الله به من سلطان)المهم ان كان التحليل الذي استوقف النظريتعلق بالاحوال في كوبا.. الجزيرة الصغيرة المشاغبة الواقعة, كما هو معروف , على بعد, او بالادق, على قرب مسافة 80 ميلا من سواحل فلوريدا الجنوبية للولايات المتحدة. ولم يكن التحليل المنشود في المجلة الامريكية منصفا, واي امريكي يمكن ان ينصف نظام فيديل كاسترو الحاكم في كوبا منذ 40 عاما من عمر عصرنا؟.. ولكنه لم يكن ايضا شديد التحامل أو موغل التعصب, فهو منشور في كل حال في مجلة رصينة تعنى بشؤوننا وشجوننا معشر الصحفيين وهي مجلة تصدرها كولومبيا الجامعة التي تضم واحدة من ابرز واهم كليات الصحافة والاعلام في العالم. استرعت النظر الصورة التي رسمها التحليل للكفاءة التي تستخدم بها كوبا عمالها اليدويين اذ هي تفتقر ـ بحكم الحصار الامريكي المفروض منذ 40 عاما كذلك ـ الى الميكنة والمعدات المستحدثة اللازمة لعمليات الصناعة التحويلية ولان التحدي الكبير يولد استجابة كبيرة بدورها كما اشاد يوما عمنا المؤرخ الانجليزي العتيد ارنولد توينبي, فقد آثر الشعب الكوبي ان يستثمر ميزته النسبية, كما يقول الاقتصاديون, لكي يلتمس لنفسه اسباب المعيشة ولو كانت للاسف عند حدود الكفاف.. ولابأس كما يخفى عليك من الكفاف مع الكرامة في كل الاحوال هكذا تطرق التحليل الامريكي الى فن تصنيع السيجار, تلك المدخنة المتنقلة التي ذاعت شهرتها منذ ايام المأسوف عليه ونستون تشرشل واستطالت الشهرة في العالم العربي مع ماتردد حول سيجار الاستاذ حسنين هيكل ووصلت شهرته ـ السيجار ايضا ـ الى حدود من الانتشار.. والفضيحة بعد التحقيق الذي اجراه القاضي الامريكي كينيث ستار حول سيجار الرئىس كلينتون, الشهير بدوره, وتصرفات المفلوتة مونيكا لوينسكي في مكتب الرئاسة البيضاوي بالبيت الابيض. السيجار الهافاني ذائع الصيت باهظ الثمن له عشاقه من كبار الذواقة, وهناك من يتصوره بالوهم او في الواقع, على انه علامة على الحيثية وآية دالة على طائل الاموال وسعة النفوذ.. تأمل مثلا كل رسومات الكاريكاتور التي تصور رجل الاعمال في كل عصر وفي كل ثقافة. دائما رجل الاعمال المرسوم له بارز الكرش.. ذهبي الخواتم والساعة المعصمية مكتنز البنية وفي قمة السيجار الهافاني الوارد لتوه من مصانع الدخان في كوبا. هنالك يقول التحليل الامريكي الذي قرأناه ان مصنع الدخان في ضواحي العاصمة هافانا يقسم العاملين فيه الى افواج وتخصصات على النحو التالي: ـ النساء العاملات يقمن بتجفيف اوراق الطباق وتجهزها لصنع السيجار. ـ العمال درجة ثانية يقومون بتقطيع الطباق حسب اشكال محددة فنيا. ـ العمال درجة أولى يتولون لف السيجار بطريقة سوبر ـ فنية وقد توارثوها أبا عن جد ربما منذ ايام استرقاق العبيد في منطقة البحر الكاريبي. ـ السيد المنخار اسمه هكذا وترجمته انه الخبير الشمام الذي وهبه الله أنفا قادرا على تمييز الروائح وفرز الغث من السمين.. الاصيل من البراني في عالم الدخان والسيجار, وهو الحكم الاخير على معايير الجودة واساليب الاتقان كل هذا امر طبيعي بل هو امر متكرر ايضا في قارتنا الآسيوية وبالتحديد في مصانع (بيدي) للدخان والسجائر في ولاية تاميل نادر (من اعمال الهند) حيث النساء يقمن بقص اوراق التبغ والرجال يتولون لف السيجارة فيما يتخصص الاولاد (وهم من طائفة العاملين ايضا) في اغلاق طرفي السيجارة. وقد سمع العالم مؤخرا عن حكاية صانعي السجائر في تاميل نادر الهندية وماجاورها من ولايات ومناطق, بعد ان استطاعوا اخيرا ان ينظموا صفوفهم في نقابة نطقت باسمهم ورفعت عقيرتها مطالبة بتحسين ظروفهم الى ان وصلت القضية الى اسماع دوائر حقوق الانسان الدولية. اما اصحابنا عمال كوبا فلهم شأن آخر اذ ان صفوفهم تضم, كما يضيف التحليل الامريكي, شخصا يحمل لقبا فنيا نراه فريدا وجديرا بكل احترام. اسمه (لكتور) ومعناها في الاسبانية القارىء او الموكل بالمطالعة او التلاوة.. نعم ان صفوف عمال التبغ منتجي السيجار الكوبي تضم بين كل مجموعة واخرى شخصا كل مهمته ان يمسك كتابا ويقرأ محتوياته على مسامع جموع العاملين من ذكور واناث.. قد يكون كتابا في الجغرافيا او في قصص الفلوكلور الشعبية او في ابجديات السياسة العالمية, او في ادب الرحلات او في مجال الشعر وفي تربية الاطفال تختلف المواضيع وتتعدد الشؤون.. لكن وظيفة صاحبنا اللكتور باقية دائمة يتلو على زملائه العمال والعاملات طيلة نوبة العمل ثمار الثقافة وابداعات الفكر واشواق العقل الانساني مقالات ودراسات.. قصائد وحكايات ولك ان تتصورهم وقد تمكن كل منهم على المهمة المسندة ـ تحديدا ـ اليه من قص وتجفيف الاوراق, او لف السيجار او دس الانف المجرب الخبير لزوم ضبط الجودة.. ناهيك عن الصوت المتدفق النبرات بالاسبانية يقرأ.. ويقرأ فاذا بالمكان.. وقد لفته روائح التبغ.. ولكنه يخيل بخيالات الشعراء.. وأطياف القصاصين واشباح الاساطير.. ورؤى التاريخ القريب والبعيد.. وتحليقات المفكرين وكل ما يرفع الانسان ويجعله كائنا محترما مدركا تمام الادراك ان له عقلا يطالب بالنور وروحا ترنو الى الارفع والاجمل والافضل.. يتساوى في ذلك اهل التحصيل التعليمي عند أرفع مستوياته او جموع العمال اليدويين.. البسطاء الطيبين وهكذا كان التحليل الامريكي لاحوال كوبا.. او لجانب بعينه من احوالها.. وكم نتمنى ان تعود كوبا الى ميزتها النسبية الاساسية وهي زراعة وتصنيع السكر, ونتمنى ايضا ان يقلع العالم عن استهلاك تلك الاطنان التي لا طائل وراءها من التدخين ما بين السجائر او السيجار خاصة وان اكبر منتجي هذه النوعيات في العالم وهم اصحابنا الأمريكان لم يتورعوا مؤخرا عن القول بان السوق الامريكية لم تعد تعنيهم في قليل او كثير بمعنى انهم يعمدون الى تجاهلها او الابتعاد عنها, بعد ان خسروا على ساحتها تعويضات حكمت بها المحاكم الامريكية ووصلت كما هو معروف الى خانة المليارات وهكذا اعلن مسؤولو شركات التبغ الامريكية الكبرى ان اسواقهم الرئيسية في العالم مازالت بالف خير.. ولم يتورعوا عن تحديدها بانها اسواق اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي سابقا.. والصين واخيرا الشرق الاوسط.. وهم يعقدون امالا عريضة في ازدهار المكاسب الطائلة من هذه الاسواق التي مازال اهلوها يتمسكون بالسيجارة وبعضهم مازال يحلم باقتناء السيجار رغم كل ما تراكم ضد التدخين من حقائق دامغة وشهادات موثوقة وتحذيرات تسامع بها العالم كله. ولا نبالغ, فها هي اكبر الصحف القاهرية, تنشر اعلانا على صفحة كاملة لصالح اكبر شركة دخان في مصر المحروسة.. تبشر فيه زبائنها الكرام بانها تستعد بعون الله ودعمهم, لدخول القرن الحادي والعشرين!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات