استراحة البيان: حمار مع مرتبة الشرف!يكتبها اليوم ظاعن شاهين

كثيرا ما يحاول بعضنا فهم مسألة ما فيتحول ذاك الفهم والاستيعاب لقضية اخرى دون ان يدري, واراني من اولئك في فهم السياسة واستيعاب اسرارها فلا اقرب منها ابدا.لكني احاول ان ارسم صورة مقربة لفهم الاشياء الاخرى ودلالاتها بحد استيعابي رغم درجاتي المدرسية المتواضعة وانتكاساتي المريرة في الميدان المدرسي . قد يبدو النجاح المدرسي والتفوق على الاقران مطلبا ضروريا ومشروعا للتفرد والتميز, وهناك اشخاص حباهم الله بنعمة الفهم والادراك والفطنة والذكاء والتوقد الذهني الدائم, وغيرهم آخرون يحاولون من خلال نظرية الحفظ والتلقين ان يحصدوا درجات ودرجات وان يكونوا في الصفوف المتقدمة, وغالبا ما ينجح هؤلاء في مسعاهم نظريا ويفشلون عمليا بعد التخرج والولوج في الميدان, لان نجاحهم وقتي محدود, وتفوقهم ليس مقياسا حقيقيا اكيدا على النبوغ والفهم ومواصلة الحياة العملية بنفس الزخم, والتجارب على ذلك عديدة وكثيرة. في بريطانيا وهي الاعرق والاقدم في مجال التربية والتعليم مازال الجدل محتدما بين واضعي المناهج, إذ يرى المجددون ان المناهج البريطانية مازالت تسير مكانها في ظل التسارع الذي اصاب العالم, ففي الوقت الذي تركز الدول المتقدمة اهتمامها فيه بأمور التكنولوجيا مازال رجل التربية البريطاني يشيد باسماء وشخصيات مثل الملك الفريد العظيم ولورد نلسون, بينما يرى التقليديون ان الاعمال العظيمة التي خلفها ابطال وبطلات التاريخ في بريطانيا بدأت صورها تتشوه وتضمحل, فالاطفال لم يعودوا يشعرون بالعزة والفخر بهذه الشخصيات, وكثير منهم بدأوا يلتفتون إلى نجوم الاغاني الشعبية (البوب) وابطال ونجوم التلفزيون كمثل يحتذى به. وحتى لا ابحر عميقا واسهب كثيرا, اشير إلى دراسة فرنسية حديثة اكدت على ان هناك علاقة عكسية بين درجات التلاميذ في المدارس وبين نجاحهم العملي في مستقبل حياتهم, حيث لوحظ من خلال المتابعات الميدانية ان التلميذ الذي يتهم بالكسل واللامبالاة في حياته المدرسية, يصبح في كثير من الاحيان موظفا مثاليا, مثابرا ومتطلعا إلى النجاح عندما يكبر. واشار علماء نفس من الذين تابعوا الميدان المدرسي الفرنسي إلى أن المعلم الذي يصف تلميذه بالحمار غالبا لا يدرك الاسباب الحقيقية وراء عدم استيعاب التلميذ للدروس الجامدة, وهي اسباب قد لا تكون في اغلب الاحوال ذات علاقة بمستوى الذكاء, بل بظروف خارجة عن مقدرة التلميذ الذهنية واستطاعته, كالظروف العائلية مثل انفصال الوالدين, أو اليتم أو الفقر أو ادمان المخدرات من قبل احد الوالدين, أو ان تكون المشكلة متعلقة بالمعلم نفسه من حيث عدم قدرته على اداء مهامه الوظيفية, ولاحظت الدراسة التي شملت عينات مختلفة من الموظفين الناجحين والمتوهجين حماسا ان غالبيتهم لم يكونوا افذاذا بل كانوا ينتمون إلى فئة التلاميذ الكسالى سابقا, وان حمار الامس الذي يتندر عليه المعلم هو صاحب الكلمة اليوم ومن القيادات المرموقة ذات الكلمة والفعل في المجتمع. قد يتساءل بعضكم في خضم هذا التناقض المدهش.. لماذا؟ وتأتي الاجابة متدفقة, سلسة, ومتواصلة بالحضور, لان حمار الامس الذي اشار باسمه معلم الامس ايضا انما هو حمار بالصبر والعطاء وليس بعدم المقدرة على التواصل والانجاز, فقد استطاع بحرصه وفهمه وتطلعه وعمله المتميز ان يكون من اهل الثقة ومن المتنفذين ومتخذي القرار اليوم. هذا بدوره يقلب النظريات الادارية الثابتة والخاصة بالتوظيف التي تعتمد على ان الاولوية في العمل بالنسبة للخريج الجديد هي لصاحب السجل الدراسي المتميز والحافل بالدرجات العالية, من هنا ترى الدراسة ان المقابلة هي من الضروريات في هذا لمجال, لان التلميذ أو الخريج الذي تعود على الحفظ والتلقين لن يكون سوى آلة ناسخة (فوتوكوبي) وترى بضرورة مراعاة المقارنة بين حمار الامس وصاحب الدرجات العالية خاصة فيما يتعلق بالظروف الاجتماعية والنفسية. ولهذا تهمس الدراسة في آذان ارباب العمل واصحاب المؤسسات والعاملين على شؤون التوظيف والمتابعة قائلة: لا تعلقوا اهمية على النتائج الدراسية, فالطالب المتفوق قد لا يكون بالضرورة موظفا مثاليا, وحمار الامس قد يكون هو المثالي الذي يستحق مرتبة الشرف. ومن يتمعن في النماذج الحياتية يدرك ومن يعش ير أكثر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات