أشرعة: الفصحى في الشعر النبطي، يكتبها سالم الزمر

الشعر العامي عموما والنبطي خصوصا, شعر له اساليبه واغراضه التي اجاد فيها كبار الشعراء القدامى الذين ذهبوا وتركوا ثروة كبيرة من الشعر لهذا الشباب المتدافع للتعبير عن مشاعره بلهجته العامية ولايجدون في انهم شعراء منسوبون للعامية حرجا ابدا الا انهم ولعدة اسباب منها الرغبة في التميز او اظهار القدرة على اقتحام اسوار الفصحى التي لاتجيدها غالبيتهم فانهم يعمدون الى ادخال اساليب والفاظ فصيحة في قصائدهم العامية تلك, فمنهم من ذهب يقلد اساليب التراكيب الفصحية ولكنه لما اراد ذلك لم يغرف من النهر ولم يضرب بدلوه في العمق, بل وقف على الساحل الضحل متأثرا بلغة الجرائد والمجلات السيارة, وبلغة الاذاعة والتلفزيون التي يرثى لها فجاءت تراكيبه الشعرية عليها صبغة فصيحة متفاصحة ولكنها ركيكة ضعيفة تشبه تقارير الاخبار ومن اولئك من عمد الى الالفاظ العربية الفصيحة يدخلها بمناسبة وبغير مناسبة على شعره العامي حتى اساء اليه اكثر مما احسن. ولكن ماهو الرأي في مسألة ادخال الفصحى على العامية, انه في نظري امر يجب الا يكون مطلبا منفردا بذاته مقصودا لذاته فليس المهم ان يكون هدفنا هو دخول الفصحى على العامية في الشعر العامي بل المهم ان نحدد هدفا اكبر وهو دخول التفكير الفصيح على فكر الشاعر العامي بحيث يتحول الشاعر العامي من شاعر عامي اللغة وبالتالي عامي التفكير الى رجل شاعر فصيح اللغة فصيح التفكير وذلك امر يعني ان تطغى الفصاحة ولغتها واساليبها على فكر الشاعر وليس على بعض لسانه والفاظه فحسب, فاذا شاء ان يشرع في قصيدة هاج فكره وماج وشرق وغرب بأساليب الفصحى وتراكيبها العالية لا بالعامية, وكل ذلك في رأيي لن يكون بعملية جراحية سريعة بل بعملية ثقافية بطيئة حتى يتم استيعابها وقبولها, ولاجل ان يتم تلك العملية الثقافية يجب الا يكون همنا الحفاظ على الشعر العامي والدفاع عنه والاستماتة من اجله واستشعار الخطر من الفصحى عليه, بل يجب ان يكون لدينا احساس بان العامية مرحلة اتت بها ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية, والعودة من تلك المرحلة الى اصلها الفصيح يجب ان يكون امرا غير غريب وغير مستهجن فاذا سلمنا بان الفصحى هي لغتنا الاصيلة التي يجب ان نعود اليها, واذا حددنا هدفنا من ادخال الفصحى على العامية في الشعر وصلنا الى نقطة بداية هامة وجيدة فاذا وصلنا الى ذلك عرفنا الخلل, وهو ان الشاعر العامي لكي يستفيد من الفصحى ويدخلها على لغته العامية يجب ان يكون فصيح اللسان ويجيد العربية ويتذوق آدابها ويستحسن اشعارها فاذا تحقق ذلك تأثرت شاعريته فدخلت الفصحى على فكره وبالتالي على مشاعره ومن ثم على شعره الذي هو وسيلة تعبيره عن مشاعره, ثم لابد لنا ان نضع هدفا عظيما امامنا وهو اننا لابد ان نرتقي بالعامي لكي يكون فصيحا تاما مطلقا والا يكون هدفنا هو نصف الفصاحة بل الفصاحة كلها, أنا لا اقول ذلك لكي يتحول جميع شعراء الشعر النبطي الى شعراء فصحى بين يوم وليلة, ولكن لكي يجهد الشعراء انفسهم قليلا بالتعلم والتذوق للفصاحة وآدابها لكي يتحولا من ضيق العامية كفكر وابداع الى رحابة الفصحى وسعتها, وفي النهاية يجب ان نحدد هدفا من رغبتنا في ادخال الفصحى على العامية هو هل مجرد ترصيع العامية بالفصحى, ام هو محاولة ايصال العامية الى الجمهور العربي غير الخليجي مثلا فاذا كان الهدف هو ترصيع العامية بالفصحى فقط فلا حاجة بنا الى ذلك لانه سيكون مجرد صنعة كاذبة واذا كان الهدف هو الوصول الى الجمهور العربي بالعامية الملبسة بالفصحى فان ذلك لن يحقق المراد وستبقى العامية هي الاساس في العمل الشعري النبطي ولن يصل به الى البعيد تلبيسه بالفصحى من الالفاظ وستبقى القصيدة النبطية ولغتها لاتفهم الا مسموعة بعناية شديدة من ملقيها عناية احيانا تفدها عذوبتها الناتجة عن عذوبة لهجتها العفوية في النطق والكلام تلك العذوبة التي لايعرفها الا من شربها ورضعها طفلا صغيرا. بعد هذا كله فان هذه ليست دعوة الى عدم ادخال الفصحى على العامي هكذا تعنتا ولا اطالب بمنع ذلك ولكنني ادعو الى الاهم وهو ادخال الفصحى ليس على قصيدة الشاعر النبطي بل على الشاعر النبطي وذوقه وفكره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات