ماذا عن أمينة وبدرية في زمن باربي وانيتا؟

شيخة بنت الطواش.. خطبها بياع الماش.. والدزة لولو والماس.. ودراريع مزرية وبشرق ورق محلية.وبخانق مترترة.. والبيت متروس ناس ناطرين المعاريس.. والحفلة ثلاثة أيام فيها عيش وايدام.هذه الكلمات المغزولة بسجع جميل ما هي الا اهازيج من ماض عريق ترددها الفتيات في منطقة الخليج العربي ويمارسن من خلالها طفولتهن الوديعة بعيدا عن القصص الغربية والغريبة التي تملأ مسامعنا الان. و(شيخة كردية والمعازيم لعب وشجيج والبيت سحارة برتقال) والدزة أثواب ودراريع من بقايا القماش والامهات بنات لايتجاوز عمر الواحدة منهن سبع سنوات. و(الكردية واللعبة والشجيجة) هي ثلاثة انواع من الدمى كانت بنات الكويت يلهين بها في السابق ويصنعهن بانفسهن باستخدام كل ما هو موجود حينذاك من بقايا الاقمشة ومخلفات البيئة والبحر والبيوت غيرها. وقالت الباحثة في التراث الشعبي مريم راشد العقروقة في لقاء ان الكردية عبارة عن دمية من القماش تكون اكبر حجما من اللعبة ويتراوح طولها بين عشرة سنتيمترات ومتر تخيطها البنت بيدها وتحشيها بالخرق وبقايا الاقمشة مشكلة بها اليدين والرجلين) . واضافت العقروقة (ثم يكسا الراس بالشعر من بقايا الملافع (جمع ملفع وهو الوشاح الاسود الذي تغطي به المراة الكويتية رأسها) وبعد ذلك ترسم لها العينين والانف والفم) . وتابعت قائلة (تقوم البنت بخياطة انواع مختلفة من الملابس للكردية فان كانت امراة تصنع لها الدراعة من الاقمشة الملونة والملفع والبخنق والثوب والعباءة التي تزين بالزري والترتر والخرز والبريسم) . وقالت الباحثة في التراث الشعبي ان اللعبة والشجيجة (كانتا تصنعان من عودين متعامدين وكنا نأتي بهما من مخلفات عيدان البوظة او بقايا خشب الباسجيل وكذلك الجريد (عيدان النخيل) التي تقطع قطعا صغيرة لعمل الجسم ومن ثم تغطيته بالقطن والملابس من بقايا القماش) ويستعاض في الشجيجة عن الراس بنوع من القواقع البحرية يسمى (شجيج) . وقالت (كانت البنات يأتين بانواع معينة من الاصداف والقواقع لعمل (البروي) واستخدامها في تمثيل دور الحيوانات كالبقرة والخروف و(الحالوسة) بالاضافة الى استخدامها كاواني لمطبخ البيت مثل الملة والقنجة والبادية) . واوضحت العقروقة (تبدأ اللاعبات بتمثيل دور الاب والام والاخت والجارة وغيرهم حيث تعيش كل منهن الحياة الاسرية كاملة وتتعامل مع كراديها ولعبها على انها اطفالها) . واضافت (كانت الكرادي والالعاب تسمى باسماء مستمدة من البيئة الكويتية مثل شيخة ومنيرة ولولوة ووضحة وبدرية وسلطان وجاسم وعبدالله وسعد لكن مع انتشار موجة الافلام العربية في الخمسينيات بدأ الاطفال بتسميتها على سبيل المثال بالهام ودرية ووحيد وفريد) . وأضافت العقروقة (دخلت الدمى المستوردة الى الكويت في الاربعينيات حيث كانت تأتي من الهند وايران وزنجبار وكانت تشبه الكرادي لكنها كانت متطورة اكثر حيث العيون مرسومة والاكف واضحة وكذلك الاقدام ولها شعر) . وذكرت (وتراوحت اسعار الدمى المستوردة حينذاك بين اربع أنات وروبية ونصف الروبية (اي مايعادل 19 فلسا و 113 فلسا كويتيا في وقتنا الحالي) ويتم عرضها في السوق في ايام الاعياد والمواسم فقط) . وتابعت (لم يكن هناك محلات متخصصة لبيع الالعاب كما هو الحال في وقتنا الحاضر انما تباع في سوق بن دعيج واخر سوق التجار وسكة الصاغة وسكة عنزة) . ومنذ السبعينيات ومع دخول الدمى المصنعة في امريكا واوروبا والشرق الاقصى الى البلاد فقدت الدمى الكويتية اهميتها لاسيما مع طغيان المادة الذي جعل من امتلاك الدمية المستوردة حاجة ممكنة وسهلة للطفل كما استسهلت الام الشراء بدلا من تمضية وقت كبير في صناعة الدمى. وكانت الامهات في السابق يصنعن الدمى بدون اي تكلفة مادية اما الان فان اسعار الدمى تتراوح مابين نصف دينار وعشرة دنانير اضافة الى تكلفة الاكسسوارات المصاحبة لها كما ان بيوت بعض انواع الدمى مثل (باربي) تبلغ نحو 40 دينارا كويتيا. من جهتها قالت نورية ام صالح وهي سيدة في الستين من عمرها ان صنع الكردية واللعبة والشجيجة جعل من طفلة الماضي اما مستقبلية وربة بيت ممتازة لكون هذه الالعاب تساعد الطفلة على تعلم الخياطة والتطريز والرسم. واضافت ان صنع الدمى كان يعلم البنت الاعتماد على نفسها والاقتصاد والاستفادة من كل ماهو متخلف من الاقمشة والصناديق والمحارات في اعداد بيت الدمية. وتابعت تقول ان لعبة الشروكة والبروي علمت بناتنا الطبخ وكيفية المشاركة والتعاون مع الاطفال الاخرين حيث يتم تبادل فساتين الدمى كما ان هذه اللعب اكسبتها خبرة التعامل مع الغير والعادات الاجتماعية الحسنة مثل محبة الجار والصديق والرغبة في زيادة الترابط بين الجيران عن طريق خطبة دمية الجيران لدمية اللاعبة) . وقالت ام صالح ان الدمى الجديدة لم تقدم تلك القيم الرفيعة التي كنا نلمسها من العابنا البسيطة المصنوعة بايدينا بل جعلت ابناءنا وبناتنا يبتعدون نوعا ما عن القيم الاسلامية من حيث التشبه بملابس الدمية التي غالبا (ماتكون فاضحة وغير مناسبة لمجتمعنا) . وذكرت وهي تستذكر الماضي وتقارنه بالحاضر ان شراء الدمى المستوردة جعل التخلص منها امرا سهلا لان (مايأتي بالساهل يذهب بالساهل) اضافة الى ان هذه الدمى ابعدت الطفلة عن اللعب الجماعي وبالتالي علمتها الوحدة والعزلة بينما كانت الالعاب القديمة تشجع على التعاون والانطلاق. وافادت (ان من حسنات الدمى القديمة انها كانت تعود البنت على امور الحياة الضرورية حينذاك كتجهيز الملابس والاثاث واعداد الطبخ وكيفية التعامل مع الاخرين والالتزام بالعادات والآداب الحميدة بينما الدمى الحالية لاتؤدي هذه الفوائد ولاتعطي البنت ما يؤهلها لتكون اما وزوجة بسبب وجود الاكسسوارات اللازمة لها بشكل جاهز اضافة الى ان الالعاب الجديدة تعلم البذخ والترف بدلا من الاقتصاد والتوفير) . ان التاريخ الكويتي الذي صنع ابناؤه من موارد قليلة دولة فرضت نفسها على خارطة المنطقة كان يزخر بالعديد من الامور التي اسهمت في صنع ابناء وبنات هذا البلد ويجب ان نعود الى هذا الماضي لننهل منه مايزيدنا ارتباطا به ودفعا للمستقبل. ومن هذا الماضي العريق تلك الدمى التي مازالت ذكراها مخبؤة في ذاكرة الجيل الكبير الذي نعتز به فهل تستعيض بناتنا عن (باربي) و(انيتا) و(سالي) بـ (بدرية) او (امينة) او (سارة) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات