هل تقتل المدينة القصيدة، (هاهن) شاعرة ألمانية تواجه تحديات القرن المقبل

سؤال عادي يراودنا ونحن نحاول ان نقرأ المستقبل, المستقبل الثقافي بكل ما تشمل عليه الخارطة الثقافية من تقسيمات يظل بعضها مثارا للجدل كهذا السؤال مثلا: هل يسقط الشعر خلال القرن المقبل كما قال كثيرون ومن امثالهم المؤرخ الانجليزي توماس ماكولي او كما قال الفيلسوف الالماني الشهير(تيودور ادور نو)ان محاولة كتابة الشعر بعد ماحدث في المعسكرات النازية من فضائح هي نوع من بربرية الكتابة؟ لقد مضى على تصريح توماس ماكولي بأنه (متى ما اوغلت المدنية في التقدم فإن الشعر سيتأخر لا محالة) 175 سنة اما ما قاله ادورنو فقد بقي حتى وقت قريب متجذرا في النظريات الفلسفية الالمانية التي جاءت بعد عام 1945 وعلى الرغم من اعادة النظر التي قام بها هذا الفيلسوف بشأن ذلك الادعاء الا ان الشعر ظل يعاني بعد ذلك من تبعات ما قاله لسنوات طويلة ولعل اكثر مصادر هذه المعاناة كان من توجيه اتهام صريح بأن الصور الشعرية قد تطمس او تقلل من اهمية وهول مايحدث في هذا العالم. اما اليوم فان الشعر يبدو وكأنه مازال يعاني من انعدام اهميته, فعلى هامش هذه الاجواء الهادرة التي يتحكم فيها اكثر مايتحكم النزعة الاستهلاكية اللاهثة او وسائل الاعلام, يصبح الشعر بكل مايتطلبه من قدرة على التركيز والسكون صيغة قديمة مهجورة لايمكنها الوفاء بمتطلبات الانسان الملحة وفي الكثير من دول العالم يشكل الانتاج الشعري في جملته هما او قلقا حقيقيا على مستقبله وبخاصة لدى مواجهة ظاهرة عدم الاقبال على قراءته والامر ذاته لايخلو من انعكاسات سيئة على الشعراء انفسهم. ارقام تتراجع وارصدة تهوي. ومع انها مخيبة للامال في حقيقتها فان البحث عن مخرج من الازمة الحضارية المفتعلة حول الشعر قد يسهم بشكل حقيقي في عودة الكثير من عناصر وملامح تلك الروح الشاعرية السابقة بل انه قد يقود الى تطويرها بحيث تشهد الالفية الثالثة ظهور حركات شعرية تجديدية قادرة على المنافسة او بشكل ادق قادرة على التعبير عن المتطلبات الحضارية المتنامية. والواقع ان ثمة مايقود الى القول بهذا المستقبل الزاهر الذي تصبح للشعر فيه قيمة فعلية, ولعل الاتهامات التي لاتجد لها حجة مقنعة ومنطقية مأخوذة ليس من الماضي فقط بل ومن استقراء المستقبل تؤكد مثل هذه الفرضيات المتفائلة بمستقبل افضل, كما ان الصورة الاكثر تأثيرا ربما كانت تلك التي تعبر عنها الممارسات الشعرية الجديدة الجادة النابعة اصلا من اعماق الفلسفة الالمانية المدافعة عن الشعر والمتحمسة لاستمرار الخطاب الشعري ولدوره الطليعي الانساني. فلا يكاد يمر مساء دون ان يتجمع ابناء هذا الشعب للاستماع (بشجاعة) يفتقدها الكثيرون الى قراءات شعرية متنوعة ولايكاد يمر العام دون ان ينال الشعراء المبدعون جائزة مثل جائزة (جورج بوخز) الادبية ومازالت اصدارات شعراء كبار مثل (هانز انزنسبرجر) تحظى بالاهتمام والتوزيع على نطاق واسع, اما مؤلفات الشاعرة الشهيرة (اولا هاهن) المولودة سنة 1946 فهي نموذج حي للقدرة على تنفيذ الادعاء بانعدام اهمية الروح الشعرية او احجامها عن الفعل الحقيقي كواحدة من ادوات الثقافة المستقبلية وكتاباتها حول الاعمال الشعرية ومستقبل الشعر من (هيرز يوبركوبف) سنة 1981 الى (جاليليو وزيوي فراون) سنة 1997 قد سجلت في مبيعاتها ارقاما قياسية تصل الى اربعمائة الف نسخة للكتاب الواحد, الا ان نجاح هاهن الحقيقي يعود في الاساس الى توافر عدد من التقنيات الابداعية الجيدة والمميزة لكتاباتها الشعرية الخاصة واعمالها الاخرى مما يجعلها قادرة على الاحتفاظ بروح فريدة من الحرية والحركة والمرح وهي تدور حول موضوعات اساسية خالدة مثل الحب والطبيعة والموت وسرعة الزوال كما انها تتميز في جملتها باسلوب واقعي تستعيره الكاتبة من لغة الحياة اليومية التي تكاد تقترب من العامية المستجيبة الى حد ما للتقاليد الشعرية الجديرة بالاحترام وان كانت تلجأ كثيرا الى كشف الاساليب الزائفة ايضا وهي تجربة مكنت الشاعرة من الكشف عن اشكالية اخرى تواجه مستقبل الحركة الشعرية على نطاق واسع والشعراء على وجه الخصوص تتعلق بانتقال المدينة الى شواطىء اخرى كما يقول المؤرخ الانجليزي (ماكولي) وعجز هؤلاء الشعراء عن اللحاق بها, وفي الوقت الذي اصبحوا فيه صغارا لانهم يقفون بعيدا جدا ولم يعد يراهم الاخرون الا بصورة منعزلة فانهم قد لجأوا في النهاية الى مايشبه تقنية الاشارة التي يمارسها الفريق باستخدام خرقة او علم يدل على وجوده. ان هذا ما ارسلته هاهن بوضوح تام عبر مؤلفها الشعري الاخير, (جمل ملوحة) كما ان هذا الجهد الذي يشبه عملية البحث للخروج من المأزق قد وصل بهاهن الى جهد اخر لتحويل الانظار عن هذه الازمة التي يعاني منها كبار الشعراء (الشعراء المفقودين) وهي تبدو على بساطتها محاولة شبيهة بتسليط الضوء لاعادة اكتشاف مواقع هؤلاء من بعد. وتتلخص هذه المحاولات في مجموعة من المختارات الشعرية التي تحمل عنوان (قصائد للحفظ) ينتظر صدورها خلال هذا العام وتشمل على 122 قصيدة يعود بعضها الى حوالي 800 عام من عمر الحركة الشعرية في المانيا. وهي تعيد تأريخ الشعراء بدأ بـ (وولتر فون درفوجلويد) وانتهاء بـ (انجبورج باتشمان) والمجموعة غير تقليدية بما تعنيه هذه الكلمة مما يشجع الجميع على قراءتها وبشكل اقرب الى المعنى الى (حفظها عن ظهر قلب) وهي مقولة تعيد لفت الانتباه الى ان الحضارة وهي تسير باتجاه الالفية الثالثة بشكل حثيث فأنها لاترغب ابدا في التخلي عن تراثها الشعري وهي اذا ارادت فإن ماتريده حقا هو استعادته بعد ان مرت بتجربة قاسية من الحنين والاحساس الحقيقي به. الشاعرة الالمانية اولا هاهن (53عاما) غلاف كتابها (جمل ملوحة) الصادر حديثا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات