استراحة البيان، لا تقف دون التل مترددا،يكتبها اليوم علي عبيد

حياته صورة رائعة من صور الكفاح وقصته نموذج مشرف من نماذج النجاح. هو واحد من ذوي الهمم العالية والطموح الذي لاتحده حدود ... أما أنا فالتمس منه العذر لكوني اقدم قصته دون ان استأذنه لأنني ارى فيها درسا عظيما لكثير من شبابنا الذين توفرت لهم كل اسباب الراحة ومهدت امامهم كل الطرق ومع ذلك فان نبرة التبرم وعدم الكف عن ابداء السخط والتذمر عالية جدا في حديثهم وتصرفاتهم كأني بهم يريدون ان تقدم لهم الحياة على طبق من ذهب وأن تصل اللقمة الى أفواههم دون تعب وأن تستقر السعادة في أحضانهم دونما جهد يبذلونه أو ينالهم نصب. لا يعيب بطل قصتنا أبدا ان يكون قد بدأ من الصفر او ربما من تحت الصفر مقارنة بما وصل اليه من نجاح .. بل ربما كان ذلك آهم سبب من اسباب الاعجاب برحلة كفاحه واول داع من دواعي فخره بما حققه خلال هذه الرحلة. عندما رأيته للمرة الاولى وهي بداية معرفتي به كان شابا في حوالي الخامسة عشرة من عمره, حتمت عليه ظروفه الأسرية ان ينخرط في مجال العمل قانعا بوظيفة بسيطة في التلفزيون لاتتعدى مهمته فيها نقل اشرطة الفيديو وكانت وقتها من فئة الـ (تو انش) ـ اي البوصتين ـ والافلام السينمائية الملفوفة على بكرات من مكتبة الفيديو والسينما الى استوديو البث وتسليمها للفنيين العاملين على اجهزة الفيديو والتلسينما لتركيبها على الاجهزة وبثها في الموعد المقرر لها, وهي مهمة كما ترون سهلة وبسيطة ربما عودت من يقوم بها على البلادة والخمول وقتلت فيه روح الابداع .. هذا مايحدث غالبا مع الناس العاديين. اما هذا الشاب الذي نتحدث عنه فقد كان يحمل في عقله ذكاء يكسر قيود المهمة التي كلف بها وطموحا يحطم اسوار الوظيفة التي فرضتها عليه ظروف الحياة فلم يستنكف منها بل اقبل عليها بهمة ونشاط وقد اضمر في نفسه شيئا ترك للايام مهمة الكشف عنه. كان متعاونا مع الجميع لايتأخر عن تقديم المساعدة لكل من يطلبها منه, وشيئا فشيئا توثقت العلاقة بينه وبين الفنيين العاملين في غرفة البث وبدأ يراقبهم وهم يقومون بتركيب الاشرطة وتشغيلها ولم يتأخر الفنيون عن تعليمه ذلك, ولان من طبيعة البعض الكسل والركون الى الراحة كلما امكن ذلك فقد بدأ بعضهم يوكل اليه هذه المهمة مكتفيا بالمراقبة التي تخلى عنها بعد حين حيث اثبت صاحبنا مهارة فائقة في ذلك بالاضافة الى عمليات التسجيل والمونتاج ولم يعد بحاجة الى من يشرف عليه. وكان يمكن له ان يكتفي بذلك فقد كانت هذه الوظيفة من وظائف القسم الهندسي التي تحتاج الى مهارة معينة وتدريب من نوع خاص, غير ان بطل قصتنا كان يتطلع الى اكثر من ذلك فالطموح الذي يحمله في داخله دفعه الى ان يعتبر ما حققه خطوة اولى في رحلة حدد لنفسه اهدافها منذ اليوم الاول الذي عبر فيه اسوار التلفزيون, ولذلك بدأ تنفيذ الخطوة التالية من البرنامج الذي تحددت معالمه واهدافه في ذهنه, وكانت هذه الخطوة هي الاحتكاك بمهندسي الصيانة العاملين في المحطة ومراقبتهم وهم يقومون بصيانة اجهزة الفيديو وفكها واصلاحها كلما تعطل جهاز من الاجهزة, وبدأت عينه تراقب كيفية فك الاجهزة واصلاح الجزء المتعطل منها او استبداله بقطعة اخرى بينما كان عقله يختزن كل ذلك, وشيئا فشيئا بدأت يده تتحرك لمساعدة هؤلاء المهندسين وتعرف طريقها الى فك الاجهزة واعادة تركيبها بعد اصلاحها, ورغم ان هذه المهمة تحتاج الى دراسة اكاديمية في مجال الهندسة الالكترونية الا ان فطنته وذكاءه الغيا هذه القاعدة وعرف بين العاملين في قسم الفيديو بمقدرته الفائقة على اصلاح الاجهزة المتعطلة وصيانتها, ولا ابالغ اذا قلت انه كان يتمكن في احيان كثيرة من اصلاح ماعجز عنه المهندسون الدارسون خريجو كليات الهندسة, فاصبح فنيو الفيديو يختصرون الطريق ويعتمدون عليه في اصلاح الاجهزة دون المرور على مهندسي الصيانة في اغلب الاحيان. ولان كل خطوة من خطوات حياتنا مرسومة ومحددة بدقة يلعب القدر فيها ادوارا لا تخطر على عقولنا المحدودة فقد جاءت النقلة التالية في حياته بتدبير لايد له فيه اذ تم في اواخر السبعينات ضم محطة التلفزيون التي يعمل بها الى تلفزيون الدولة الرسمي في العاصمة ونقل جميع الموظفين للعمل هناك, وكان من تدبير القدر ايضا ان يكون موقعه في قسم النقل الخارجي حيث وجد الفرصة مواتية للتعمق في الاطلاع على اسرار الاجهزة وهندستها والتعامل معها بشكل يومي وتفرغ اكثر, واصبحت هذه الاجهزة عشقه ومجال ابداعه وتفجير ملكاته, ثم كان على موعد آخر مع القدر عندما تولت ادارة النقل الخارجي وتشغيله بالمحطة شركة محلية تمثل احدى الشركات الالمانية الكبرى العاملة في هذا المجال, وعندما جاء المهندسون الالمان للاشراف على النواحي الهندسية والتشغيل وجدوا امامهم موهبة اكسبتها الخبرة العملية والمران مهارة لم تخطئها اعينهم الخبيرة, ورأوا انه من الواجب ان تتاح له الفرصة للدراسة الاكاديمية كي تكتمل له عناصر النجاح فعرضوا تقديم منحة دراسية مجانية له في المانيا يعود بعدها مهندسا الكترونيا مهيأ اكاديميا في واحد من افضل معاقل الهندسة الالكترونية في العالم, وتمت الموافقة على منحه اجازة دراسية محددة المدة في اطار ما تسمح به قوانين الخدمة المدنية ثم جاء بعد ذلك دور انظمتنا وقوانيننا الادارية والمالية العقيمة المعطلة للابداع في الفترة الحاسمة وقبل ان ينهي بعثته الدراسية لتضعه امام خيار صعب وهو انهاء البعثة والعودة للعمل او ترك الوظيفة.. ولان بطل قصتنا كان قريبا من لحظة تحقيق الحلم فقد قرر دون تردد وبعد محاولات مستميتة لحل هذه المشكلة بذلت فيها الوزارة اقصى ما تستطيع لتذليل قوانين الخدمة المدنية وتكييف حالته معها ولكنها لم توفق ـ قرر أن يلجأ للخيار الثاني فقدم استقالته والألم يعتصر قلبه اذ لم يكن من السهل عليه الانفصال عن المكان الذي تفجرت فيه مواهبه وشهد بداية رحلة حياته ونجاحه وان يضع نفسه موضع مظنة عدم الوفاء, ولكنه كان الخيار الاكثر منطقية والذي لايمكن ان يلومه عليه احد ومضت المدة المتبقية من البعثة الدراسية ليعود بعدها حاملا شهادة اكاديمية من احدى اكثر الدول تقدما في مجال التكنولوجيا تسبقها خبرة لاتعادلها اية شهادة, وفوق ذلك كله ارادة قلما تجدها لدى انسان وطموح يدفع بصاحبه الى اعلى المراتب وثقة بالنفس لاتستكين لما تعارف عليه الناس من توزيع للحظوظ وتسليم بالواقع وتقاعس طالما ان في الحياة فرصا متاحة لكل ذي نفس وثابة متطلعة للامام رافضة للمستحيل. وبعد عودته من بعثته اسندت اليه احدى الشركات الالمانية الكبرى العاملة في مجال تصنيع الاجهزة الالكترونية ومعدات التلفزيون ادارة مكتبها الاقليمي في منطقة الخليج ومقره الامارات, وهي وظيفة لاتسندها الشركات الكبرى عادة الا لواحد من ذوي الخبرات الهندسية والادارية العليا وغالبا ما يكون منتدبا من المقر الرئيسي للشركة. كان اخر عهدي به منذ ثلاث سنوات تقريبا, ولذلك فقد توقفت معلوماتي عنه عند هذا الحد, ولكنني اعلم ان من هم في مثل همته يظل طموحهم دون سقف يحد منه او سور يحيط به. هذه القصة اقدمها لابنائي وبناتي الذين مازالوا على مقاعد الدراسة, وقد استدعتها للذاكرة حوارات عادة ما تبدأ معهم في هذه المرحلة السنية التي هم فيها الان وملامح المستقبل تبدو امامهم غير واضحة المعالم, يلجأون الينا لتحديدها لهم حينا ويحزمون امرهم فيحددونها بأنفسهم احيانا, اقدمها لابنائي كي تكون درسا لهم في حياتهم, واقدمها لكم كي ترووها لابنائكم ليتخذوا من بطلها نموذجا وقدوة. انها قصة من الواقع اتمنى ان تكون للابناء عونا عندما يدخلون معترك الحياة علهم يدركون يوما ما عندما تتبدل الادوار ويحتلون هم مقاعد الآباء والامهات مقدار ما ضحينا به من راحتنا ومتعنا كي نوفر لهم عيشا كريما ومقعدا مناسبا يتلقون عليه دروسهم حتى يخرجوا للحياة متسلحين بالحد الادنى من العلم, ليرونا بعد ذلك جهدهم في النهل من مدرستها الكبرى حيث لانضمن وجودنا بجانبهم وفي وقت ربما كان احتياجنا اليهم فيه اكبر من حاجتهم لنا.. تلك هي سنة الحياة شئنا ام أبينا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات