في ندوة نظمتها دائرة الثقافة بالشارقة، المشاركون يطالبون بالحذر في التعامل مع كتابات الرحالة حول تاريخ الخليج

دعا المشاركون في منتدى الكتاب الشهري الى الحذر في التعامل مع كتابات الرحالة التي توثق لتاريخ منطقة الخليج العربي. اذ ان كتابة التاريخ هي تأويل للحقائق والشواهد وفقا للبعد الثقافي والنظرة الخاصة للمؤرخ, ولا تعكس بالضرورة هذه الكتابات الصورة النقية والحقيقية للماضي . جاء ذلك في ندوة اقيمت مساء امس الاول في دار الندوة بساحة الاداب في الشارقة في منتدى الكتاب الشهري الذي تنظمه دائرة الثقافة والاعلام وكانت بعنوان (كتابات الرحالة والمبعوثين عن منطقة الخليج العربي عبر العصور) . شارك في الندوة الدكتور عبيد علي بن بطي رئيس قسم التراث الوطني في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث, والدكتورة فاطمة الصايغ رئيسة قسم التاريخ والاثار في جامعة الامارات, وادار الندوة الباحث والكاتب الصحفي عبدالله عبدالرحمن. استهل الدكتور ابن بطي الندوة بتعريف بأهمية الكتاب الذي اعده واشتمل على عدة اوراق بحثية قدمت في ندوة ابريل من عام 1996 في مركز جمعة الماجد. وتطرق للازمة التي يعاني منها الباحث في تاريخ منطقة الخليج لشح المصادر والمراجع الموثقة, ويأتي هذا الكتاب لالقاء الضوء على كتابات ودراسات المبشرين والرحالة الغربيين حول المنطقة. ومن خلال عرضه لمحتويات الكتاب عرج على المراحل الزمنية التأريخية لمنطقة الخليج, اذ كان للرحالة العرب دور الريادة مع بداية القرن الثالث عشر في تدوين كتابات غزيرة تمحور معظمها حول الطبيعة الجغرافية والعمق التاريخي للمنطقة ومن هؤلاء الرحالة المسعودي واليعقوبي وابن الحوقل. وينتقل الكتاب الى مرحلة الاستعمار البرتغالي للمنطقة من خلال الورقة البحثية التي قدمها الدكتور عصام السخيني بالاستناد الى كتابات الرحالة البرتغاليين الذين اشاروا الى ازدهار بعض اقاليم المنطقة كمسقط والاحساء. اما الورقة البحثية التي قدمها الدكتور محمد الرجوب فدرست الاثار الاجتماعية والاقتصادية للتواجد الاستعماري الذي هيمن على منافذ تجارة الشرق التي يعتبر الخليج بؤرتها واسهمت تلك الفترة بالحد من دور الموانىء والملاحة الخليجية بتسيير التجارة بين قطبي العالم وانعكس ذلك سلبا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان المحليين. وفي ورقة بحثية اخرى تناولها الكتاب بينت مدى التنافس الاوروبي وتحديدا الفرنسي والانجليزي والهولندي للسيطرة على الانشطة الاقتصادية للمنطقة كاستخراج اللؤلؤ. وتطرقت كتابات الرحالة الى التركيبة الديمغرافية للسكان والتعددية العقائدية المتمثلة بوجود اقليات يهودية ومسيحية وهندوسية, اضافة الى تنوع الجماعات الاسلامية التي شكلت الغالبية العظمى. وتضمن الكتاب بحثا يعقد مقارنة بين الوثائق والكتابات الهولندية عن المنطقة والوثائق المحلية, واتضح بروز القوى السياسية في المنطقة وارتفاع حدة التنافس التجاري بين الاقاليم. وانتقل الدكتور عبيد بن بطي الى الفترة الزمنية (1800 ـ 1918) وهي مرحلة الانفراد البريطاني بالمنطقة واتسمت تلك المرحلة بتدفق المبشرين الامريكيين, اذ شكلت المنطقة قيمة دينية خاصة لتعدد الديانات وباعتبارها مهدا لها وتضمن الكتاب بحثا حول التحديات الحقيقية والوهمية للوجود البريطاني, وكشفت كتابات الرحالة في تلك المرحلة الزمنية عن المحاولات الالمانية للتدخل في صياغة تاريخ واقتصاديات المنطقة عبر تواجد رجال الاعمال الالمان الذي لم يكن مرغوبا من قبل البريطانيين اما مرحلة مابعد الحرب العالمية الاولى حتى عام 1960 فاتسمت بكثافة تواجد الشركات النفطية, واشار د.ابن بطي الى تقارير منقبي النفط التي تمحورت حول التقسيمات الجغرافية والقبلية لتيسير نشاط وتواجد الشركات النفطية, وفي هذه المرحلة اتسع نطاق النشاط التبشيري من قبل الامريكيين الذين تعتبر كتاباتهم اكثر موضوعية لا نخراطهم المباشر مع السكان المحليين واعتبرت كتابات المبشرين من اهم المصادر التي استندت اليها حكومة الانتداب البريطاني في اتخاذ قراراتهما المفصلية. وفي نهاية عرضه لمحتويات الكتاب اوضح الدكتور ابن بطي ان كتابات الرحلة عن المنطقة تغايرت مضامينها مع تعدد الدوافع وراء زيارة الرحالة التي تراوحت بين الاهداف التبشيرية والاستكشافية, واوضح ان مجمل الكتابات قدمت ثقافة المنطقة بإجحاف طغت عليها النظرة الى الشرق على انه الاخر وتقديمه بقالب التخلف والرجعية نظرا للخلفيات الثقافية الراسخة لدى الغرب بأنه يمثل الحضارة والتقدم بإستثناء بعض الكتابات الموضوعية التي تنتمي الى فترة زمنية قريبة. وقدمت الدكتورة فاطمة الصايغ تعقيبا على القضايا المحورية التي طرحها الكتاب وبينت ان الرغبة بدراسة الشرق تولدت لدى الاوروبيين إبان الحروب الصليبية وتجلت في عام 1312 ميلادية بصدور قرارالمجمع الكنسي في فيينا والذي يقضي بالحث على دراسة واستكشاف بلاد الشرق. وتطرقت الدكتورة الصايغ الى مرحلة الاستشراق البرتغالي التي تناولت الفكر الاسلامي وشككت بالقرآن الكريم والسنة الشريفة بهدف تجريد الاسلام من بعده الالهي, وقالت لقد عملت حركات الاستشراق المتعاقبة على بث الافكار والتوجهات المناهضة للاسلام, واضافة الى الدوافع التنصيرية التي جلبت الرحالة الى ضفاف الخليج تواجد في المنطقة المستشرقون او الرحالة الذين عملوا على تقديم التقارير والاستشارات لحكومات الدول الاستعمارية, لكن ذلك لاينفي تواجد رحالة اسروا بسحر الشرق وغموضه نتيجة التأثر بالحقبة الادبية الرومانسية التي اجتاحت اوروبا, اذ بثت كتابات الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) والشاعر الالماني (جوته) رائحة اخرى عن الشرق في الذاكرة الاوروبية. ونظرا لتطور وسائل النقل والتواجد الاستعماري الذي وفر الحماية والرعاية للرحالة تكثفت البعثات الاستكشافية وبذلك تواصلت الكتابات الموثقة لتاريخ المنطقة بعد ان امتازت في السابق بفترات زمنية متقطعة. واختتمت الدكتورة الصايغ تعقيبها بالتأكيد على ضرورة الرجوع الى المؤرخين المحليين والعمل على استحداث مصادر تأريخية تتوخى الدقة والموضوعية والتعامل مع الكتابات الغربية بعناية وتحفظ, مشيرة الى ان كتابات المنصرين, رغم تحيزها الا انها الاقرب الى الواقع وتفاصيل الحياة اليومية في منطقة الخليج, وذلك نظرا لطبيعة تواجدهم التنصيري الذي يحتم الاحتكاك المباشر مع السكان عكس كتابات مبعوثي الحكومات الذين اقتصر احتكاكهم على الطبقة السياسية. اختتمت الندوة بمداخلات اثرت النقاش المطروح وقد تمنى الجميع ان يكون هناك اهتمام اكبر بالمؤرخ المحلي تكون مبادرته باقامة منتديات تتناول اعمال وحياة المؤرخ الاماراتي عبدالله بن صالح المطوع الذي اثرى التراث والتاريخ الاماراتي بمؤلفاته. تصوير: ابراهيم الريس د.فاطمة الصايغ وعبدالله عبدالرحمن وعبيد علي جانب من الحضور

طباعة Email
تعليقات

تعليقات