استراحة البيان، بين سوق الملح وشوارع الكويت، يكتبها اليوم: محمد الخولي

هكذا أضحت زيارة الجمعة واحدة من الطقوس الاسبوعية التي طالما حببت إلينا طوال السنة أو تقل قليلا, وقد قضيناها في ربوع اليمن السعيد. كيف لا وقد كانت الزيارة الاسبوعية حافلة بأجمل الوعود, أداء الفريضة في الجامع الكبير, التجول في سوق الملح في قلب صنعاء ـ منتصف الستينات وكانت قد خرجت لتوها, بُعيد ثورة سبتمبر, من عصر الإماتة, مفيقة هي من سبات كان قد اسلمها الى القرون الوسطى وخرجت من هذا كله حافلة بالطرافة , وبالاسرار وبالوعود أيضا. في سوق الملح كان المرء يشعر وكأن كل شيء يخرج من اسفار التاريخ, ويخرج نابضا بالحياة, تستوي في ذلك الاماكن والمعالم والناس. وكان من وعود زيارة الجمعة الذهاب إلى بيت عبدالله البردوني حيث نقضي عصر اليوم في حوارات موصولة مع الشاعر الكبير ومع تلاميذه وأصدقائه ومريديه, وكم كانت حوارات تلك الفترة من الستينات مفعمة بسخونة الآمال وطزاجة الأحلام ونضارة الرؤى, بين جوانح كل منا أمنيات في غاية العذوبة, والسذاجة أيضا, بأن كل شيء سوف يتغير في وطننا العربي وان المسألة لن تعدو سنوات ليس إلا, ننتقل بعدها ـ كعرب ـ إلى دنيا الوحدة وعالم الحرية والعدل, صحيح ان حواراتنا كانت تجول بين قضايا الاقتصاد والاجتماع, ولكنها ـ ولنعترف ـ كانت تحلق دوما في ذرى الرومانسية تعانق الحلم العربي الأثير الجميل, وتحفها تساؤلات تختلط فيها رؤية الواقع برقة الأمنية, وكلها ترنو إلى ذلك الذي يأتي, ذلك الفجر المرتقب مثل المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا والأفئدة حبا, ويحمل في ركابه المن والسلوى. في اطار هذه الرومانسية, تسامع الناس يوما في صنعاء في عشية عيد الأضحى بأن ثمة طائرة جاءت من القاهرة تحمل شخصية كبيرة زائرة لليمن, فمن قائل انه أنور السادات وكان من معاوني الرئيس ناصر, ومن قائل انه عبدالحكيم عامر نائب الرئيس, ثم جاء من يقول متسائلا: ولم لا يكون الآتي هو جمال عبدالناصر نفسه, وكان رمزا وتجسيدا لهذا الحلم اليعربي الأثير. وسط هذه التخمينات أنشد عبد الله البردوني قصيدته الجميلة التي أودعها ديوان (في طريق الفجر) ومطلعها: جمال: أيأتي؟ أجل, ربما وتستمطر الامنيات السما وكان القادم الى اليمن بالفعل هو جمال عبدالناصر شخصيا. تلقيت ديوان (في طريق الفجر) بالذات هدية من الشاعر الكبير بعد عودتي الى القاهرة ومعه كلمة رقيقة تفيد ان هذا الديوان هو (جزء من صنع يديك) وأصل الحكاية أنه كان لي حظ المشاركة في تدوين القصائد بخط يدي حين كان طائف الشعر الجميل الجليل يلح على الشاعر فيملي وتترى قصائده اغنية في اثر اغنية ونسارع الى تدوينها على الورق كي يتألف منها فيما بعد قوام الديوان, ولانني شغوف بالتاريخ.. كنت الحف بالسؤال كي يحكي البردوني شذرات من حكاياته مع الامام احمد حاكم اليمن الاسبق ويروع الامر ان الامام كان يأمر يوما بايداع البردوني غياهب السجن فيصبح الشاعر ـ كما قال المعري يوما ـ رهين المحبسين ـ الزنزانة وكف البصر ـ ثم اذا بقصائد الشاعر الموهوب تصل الى اسماع الامام احمد ذاته.. واذا بالرجل بثقافته الكلاسيكية يستملح الشعر الجيد المطبوع فيستدعي الشاعر من الزنزانة الى مجلسه كي ينشده ـ بعد الامان ـ آخر ما جادت به القريحة الموهوبة. ولا ندري هل وصل الى سمع الامام احمد كافية البردوني الشهيرة التي انشأها موجهة اليه والى كل ظالم يحتكر نعمة الله ويسوم البشر صنوف العسف والحرمان وفي افتتاحيتها يتساءل البردوني: لماذا لي الجوع والقصف لك يناشدني الجوع ان اسألك لماذا وفي قبضتيك الكنو ز, تمد الي لقمتي انملك لماذا تسود على شقوتي اجب عن سؤالي, وان اخجلك حياة اقرب الى الزهد بل التقشف كان البردوني يعيشها في تلك الايام البعيدة, تتلفت من حولك في زوايا البيت فاذا كل شيء اكثر من متواضع.. واذا بالامر يقتصر او يكاد على الضروريات.. ومع ذلك تسمع قصيد الشاعر وهو يحلق الى عالم من الرقة.. والعذوبة.. ومازالت الذاكرة رغم توالي الايام تحتفظ بأبيات من قصيدته الجميلة التي يستهلها بقوله: لمن ارعش الوتر المجهدا واشدو, وليس لشدوي مدى وانهي الغناء البديع الجميل لكي ابدأ الاحسن الاجودا لعينيك, نغمت قيثارتي وانطقتها النغم الاخلدا ولقد وقفنا عند ديوان (في طريق الفجر) ونظنه ثاني دواوين شاعر اليمن ـ العربي الكبير ـ وقد تلته كما تعرف دواوين اخرى كثيرة جادت بها قريحة البردوني.. لان الديوان الثاني ارتبط في وجداننا ـ كما ألمحنا ـ بكثير من الذكريات التي تتضوع بالمحبة والحوار والصداقة الطيبة. ولقد فارقنا اليمن الى مصر.. وانقضت نحو عشر سنوات الى ان جاء عام 1977 على ما اذكر.. وكنت في مطالعه مقيما في الكويت ومكلفا بمهمة تتعلق بانشاء مركز دراسات الوحدة العربية. (وقد تم انشاؤه واصبح اليوم في مقره الحالي في بيروت من معالم حياتنا الفكرية الثقافية العربية المعاصرة) ها انذا انحو طريقي صباح يوم شتوي عند البنك التجاري الكويتي قرب قصر (السيف) في الكويت, لا ادري اي طائف ألم بي في تلك اللحظات فاذا بي استرجع ذكريات اليمن الجميلة وفي القلب منها صورة الشاعر عبد الله البردوني, ولن تصدقني ان قلت لك انني في نفس اللحظة فوجئت بالاستاذ البردوني شخصيا بشحمه ولحمه ـ كما يقولون ـ وقد رافقه شاعر يمني شاب لا اذكر اسمه الان.. ولم اتمالك نفسي فقد راعتني الاقدار بمصادفاتها الغريبة, وللقدر تصاريف من اعجب ما يكون.. ووجدتني اقترب من الشاعر مهللا ومرحبا ومعبرا عن سعادة المفاجأة.. واذ التقت ايدينا حاولت ان اقرب اليه الامر بعبارات من قبيل: ها هو واحد من محبيك الذين لم تلتق بهم عبر سنوات عشر ولكنه مازال يتابع ابداعك و.. ولم اكمل فقد قاطعني الرجل قائلا في حسم البصيرة النافذة: انت فلان, ونطق اسمي ثم ردد البيت الشهير: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا وكان هذا آخر العهد بلقاء الشاعر الذي رحل عن دنيانا بالامس القريب ومازال فيض ابداعه العبقري فواحا بعبق الموهبة وجمال النغم وابتكار المعاني.. واظن ان ادارات المناهج التعليمية في مشرق الوطن العربي ومغربه تحسن صنعا في حق الاجيال الطالعة اذا ما قررت عليها ان تقرأ وتستوعب وتستعذب بعضا من قصائد عبدالله البردوني.. التي تطاول في معمارها الشعري الباذخ ابداعات المربع الذهبي من شعراء العربية في ازهى عصورها: المتنبي وابو تمام والبحتري والمعري, والامة التي تحفظ للشعر مكانته ويخفق فؤادها ـ رغم المحن ـ بأبياته. هي امة مفعمة بالروح الانساني الذي يحب ويهفو ويشتاق ويبدع.. وتلك شيمة الامم الحية على مر التاريخ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات