النوخذة خالد القبيسي:النواخذة أيام زمان كانوا يتقاسمون الرزق مع الغواصين، حوار سمير الزعفراني

يا الله... يا عاطي الأرزاق... يا نوخذة هون علينا الشدائد... يا غواص... لا إله إلا الله).تلك الكلمات والترانيم التي كانت تتردد على المحامل والمراكب التي تحمل النواخذة والغواصين الى الهيرات ما زالت ترن ويتردد صداها الجميل في آذان النوخذة خالد القبيسي, وتشده الى عالمه الأصيل عالم الغوص الذي يمتلىء بالألم والأمل ويضم في جنباته ذكريات الأمس عن الفريج والديرة أيام زمان . الوالد النوخذة خالد القبيسي يبدأ رحلة الذكريات من السوق القديم بأبوظبي حيث كان مسكنه قريبا من البحر الذي ينتمي اليه ويعشق ذكراه. عالم الغوص يستعرض النوخذة خالد القبيسي عالم الغوص ومشاهد التحضير لرحلة الرزق والمخاطر, رحلة البحث عن اللؤلؤ بالمغاصات والهيرات ويبدأ شريط ذكرياته بمشهد القلاليف و(الأساتيد) وهم يصنعون المحامل والمراكب ويقول: كان أبناء الديرة يصنعون السفن والمحامل من مختلف الاحجام ليتمكنوا من الوصول بها شرقا وغربا الى اماكن بعيدة كالصين والهند وشرق افريقيا وكذلك للوصول الى الهيرات والمغاصات. ويضيف: كنا نطلق ايام زمان على صنّاع السفن (القلاليف) وقد برعوا في بناء سفن معتمدين على الخبرة والمران والقليل من الأدوات والأجهزة, ومن اشهر السفن التي كانوا يبرعون في بنائها (البوم, الشوعي, الجالبوت, السنبوك) وكان الصيادون يفضلون القوارب المسماة بالشوعي وحمولتها من الافراد 15 شخصا, والهوري وحمولته من ثلاثة الى اربعة اشخاص, والشاحوف وتقدر حمولته ما بين عشرة الى خمسة عشر شخصا, وخلال اشهر الصيف عندما يكون البحر هادئا والعواصف نادرة الهبوب كانت القوارب المسماة (صمعة) تستخدم لصيد الاسماك واللؤلؤ. بناء السفن ونستوقف شريط ذكريات النوخذة القبيسي ونسأله: عندما كنت تريد بناء سفينة شراعية هل كنت تختار (قلاف) أي صانع سفينة محدد؟ ويقول: حين كنت اقرر بناء سفينة شراعية في البداية اقوم باستيراد الخشب اللازم للسفينة وأطلب من الاستاذ وهو القلاف الماهر بناء السفينة بمواصفات محددة, وكان يتم تحديد المدة التي يستغرقها بناء السفينة تبعا لحجمها وهي في العادة تتم خلال مدة تصل الى ستة اشهر بالنسبة للانواع متوسطة الحجم. ولابد ان يبدأ (القلاف) في عمله قبل بدء موسم الغوص بوقت كاف حتى تكون السفينة جاهزة للابحار مع حلول الموسم وكنت متسامحا مع القلاف اذا تأخر بعض الوقت في انجاز السفينة التي طلبتها منه, وذلك لأنه في بعض الاحيان يتعرض (القلاف) لبعض المشاكل التي تؤدي الى تأخير العمل, فإذا كانت المشكلة التي تعرض لها خارجة عن ارادته قمت بمسامحته وإن كان بعض النواخذة يفرض غرامات تأخير على القلاليف في حالة تأخرهم عن انجاز السفينة في الموعد المحدد. عرائش بجوار الشاطىء ويمضي النوخذة الوالد خالد القبيسي في استعراض رحلة ذكرياته ويتحدث عن عرائش الفريج أيام زمان بجوار الشاطىء عند موقع السوق القديم بشارع حمدان حاليا قائلا: كانت هذه العرائش متراصة بجوار بعضها, فالفريج كان يعيش بروح الاسرة الواحدة والمجلس الذي يضم افراد هذا الفريج كان يجلس الجميع سواسية لا فرق بين غني أو فقير وهذا العريش رغم بساطة تكوينه, فبناؤه فن يتقنه ابناء المنطقة باستخدام سعف النخيل. ويتوقف النوخذة خالد القبيسي هنيهة وينظر من خلال نافذة منزله الحالي بمنطقة القبيسات بأبوظبي, ويشير الى اتجاه مركز المدينة حيث كان منزله القديم وسجل ذكرياته ويقول: كانت الديرة تموج بالحركة في موسم الغوص الذي كان يبدأ عادة في الوقت الذي تصبح فيه مياه الخليج تميل الى الدفء ويستمر لمدة تزيد على اربعة شهور تقريبا حتى دخول فصل الشتاء وكانت رحلات الغوص التي كنا نطلق عليها رحلات الشدائد لما فيها من مخاطر تمتد ابتداء من نهاية شهر مايو حتى أواخر شهر سبتمبر وكان التحضير لها يبدأ على الشاطىء حيث يجري اعداد المركب للرحلة ودهانها بالصل (زيت الحوت) والشحم وغيرهما من الدهانات والزيوت. ويضيف: ثم تبدأ مرحلة اعداد ادوات الغوص وتزويد المركب بأنواع مختلفة من الحبال والأوعية اللازمة والمجاديف وغيرها, كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء العاملين على المركب اثناء الرحلة. وعندما يصبح المركب جاهزا للانطلاق كان النواخذة يعطون الرجال أجورهم وينطلق الجميع لقضاء الايام الباقية قبل الرحيل مع اسرهم حيث يجتمعون في حلقات اللهو, فالجميع كان بداخله خوف ورهبة من رحلة الشدائد التي سننطلق فيها بحثا عن الرزق وذلك باستخراج اللؤلؤ. أخلاق النواخذة كان عالم النواخذة تسوده أخلاق رفيعة فهو عالم لا يوجد فيه غش أو طمع ـ هكذا يتحدث الوالد خالد القبيسي عن أخلاق النواخذة ـ ويضيف: كان النوخذة هو صاحب الأمر والنهي على ظهر السفينة والحاكم والقاضي وقد يكون هو صاحب السفينة أو يعمل لحساب صاحبها وعندما يأتي الشتاء يسعى النوخذة اذا دعت الحاجة في ضم الغاصة والسيوب ويعطيهم (وخيذ) أي سلفة مقدمة تخصم عند (القواضي) وهي بداية موسم الغوص. ونستوقف الوالد خالد القبيسي بسؤال عمن هو النوخذة الخلوي؟ ويقول: النوخذة الخلوي الذي لا يستدين من احد وانما يجهز السفينة بجميع لوازمها من ماله الخاص وهو حر الارادة والتصرف. ويضيف: وكان هناك ايضا انواع اخرى من النواخذة مثل النوخذة العميل, وهو الذي يستدين من احد تجار اللؤلؤ ويمول سفينته وبحارتها من مال التاجر وكذلك هناك نوخذة يتم تعيينه من قبل صاحب السفينة حيث كانت هناك بالأمس سفن اصحابها من ذوي المناصب والاغنياء ولا يمارسون العمل في البحر بأنفسهم, وانما يقومون بتعيين نوخذة للعمل على السفينة ولا يحق للنوخذة في هذه الحالة ان يتصرف في اللؤلؤ بالبيع انما يقوم بتسليمه لصاحب السفينة الذي يتولى بدوره بيعه للتجار. النوخذة الماهر وتوجهنا للوالد خالد القبيسي باستفسار هام وهو: ما شروط النوخذة الماهر؟ يقول: من اهم الشروط التي يجب ان تتوفر بالنوخذة الماهر ان يكون ممن عملوا لفترة طويلة في مجال الغوص وعلى علم ودراية بمكان (الهيرات) والمغاصات وعلم النجوم وعلم تحديد السير كما يجب ان يكون النوخذة الماهر ذا شخصية قوية حتى يستطيع السيطرة على الجميع ممن يعملون معه وعلى علم بكل الادوات الموجودة على السفينة وفي حالة النوخذة (الخلوي) يجب عليه ان يبيع اللؤلؤ المستخرج للطواشين ويضيف, وكان النواخذة ايام زمان يطلقون على النوخذة الماهر الذي يستطيع قيادة سفن الغوص الى المغاصات (سردال) ويجب ان يكون (السردال) من اكفأ النواخذة واقدمهم واكثرهم خبرة ودراية في الحسابات واماكن الهيرات واعماقها وعلى معرفة بالشمس والنجوم والعلامات الموجودة على الساحل ويقول: والسردال هو الذي يقوم بقيادة سفن الغوص الى الهيرات ببداية موسم الغوص ويعطي الاوامر ببدء موسم الغوص ونهايته وجميع السفن تلتزم بالمواعيد التي يحددها السردال بالركبة اي في بدء موسم الغوص وكذلك بالقفال, اي انتهاء رحلة الغوص. ويسأل النوخذة خالد القبيسي: كيف كانت علاقة النواخذة بالغواصين؟ يقول: كانت العلاقة بين النواخذة والغواصين طيبة وبعيدة عن الطمع فالجميع يتقاسمون الرزق حسب الحصص كما كان النوخذة يقدر الغواص ويعرف اهمية دوره في رحلة الغوص حيث يقوم الغواص بمباشرة استخراج اللؤلؤ من قاع البحر وهو عمل صعب وشاق ولذلك كان لا يمارس هذه المهنة الا الرجال الاقوياء الخبراء بمخاطر قاع البحر حيث كان الغواصون اثناء عمليات الغوص يتعرضون لعدة مخاطر مثل تيار البحر الجارف وهجوم سمك القرش (الجرجور) . ويواصل الوالد خالد القبيسي حديثه عن عالم الغوص بتفاصيله المثيرة ودور الغواص قائلا: لقد كان الغواص ينزل من السفينة ويظل على سطح الماء واضعا على انفه (الفطام) وهو يشبه الملقاط ليمنع التنفس او دخول الماء الى الانف وعند خروج الغواص من الماء يرفع (الفطام) حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط باحدى رجليه الحصاة وهي عبارة عن حجر لتسرع به الى القاع فاذا وصل نزعها من رجله فيسحبها السيب بحبل يسمى الزيبن ويأخذ الغواص معه سلة لوضع المحار بها تسمى (الديين) ويقوم الغواص باقتلاع المحار ويضعه في السلة وعندما تمتلئ يهز الحبل (الجدا) الذي يربطه على وسطه, ويقوم السيب بسحبه الى المحمل. ونسأل النوخذة القبيسي من هو (السيب) ويقول: (السيب) هو المسؤول عن انزال وسحب الغواص من القاع ويعتبر في الدرجة الثالثة من حيث الاهمية بعد النوخذة والغواص والى جانب عمله الرئيسي فهو يقوم ايضا بالتجديف وعند وصول السفينة الى البر بعد القفال يعمل في تنظيفها وترتيبها. ويضيف: فالسيوب يقومون كذلك بفلق المحار لاستخراج اللؤلؤ وكان الغواص يعتمد على سيبه ويفخر بقوته. الديرة.. أيام زمان ويتطرق الشيبه خالد القبيسي في حديثه عن ذكرياته عن احوال الديرة والفريج ايام زمان وخاصة من نواحي الحياة الاجتماعية فيقول: كان الفريج يعيش بروح التعاون والتماسك فرغم قلة المال لم يكن بيننا محتاج ولا عاطل وكانت الديرة لا تعرف ظواهر سلبية منتشرة في هذه الايام مثل العنوسة او ارتفاع تكاليف الزواج حيث كان زواج الامس يتم ولا يكلف الا روبيات قليلة ورغم ذلك كان يعمر لسنوات طويلة يعيش خلالها الزوجان حياة سعيدة على عكس هذه الايام حيث تكلف الزيجات والافراح الاف الدراهم ولا تعمر هذه الزيجات الا أياما وشهورا فحسب. ويطلق الوالد خالد القبيسي تنهيدة طويلة ويقول: ان ابناء جيل اليوم الذين تعودوا على الحياة السهلة وينظرون الى الزواج على انه صفقة او تجارة يجب ان يكون فيها رابحا من كافة النواحي لابد ان يتعلموا مبادئ جيلنا الذي كان ينظر للزواج نظرة مقدسة وفق تعاليم الاسلام السمحة التي تحث على تكوين اسرة سعيدة متماسكة. لن اكون نوخذة؟ في هذا السياق يتحدث الوالد خالد القبيسي عن اختلاف اساليب التفكير بين جيل الاباء والاجداد وأجيال الأحفاد والابناء يقول: ان هناك اختلافا كبيرة في أساليب التفكير فمثلا في احدى المرات التي كنت اتجاذب فيها اطراف الحديث مع شاب صغير من سن احفادي قلت له هل تتمنى ان تعمل مستقبلا في مهنة نوخذة او قبطان مركب كما يطلقون عليه هذه الايام فاجاب بسرعة وحدة: لا: لن اكون نوخذة او قبطانا من اجابته وبادرته بالسؤال لماذا يا بني فقال: اريد ان اكون مديرا فحسب ولا ارغب بالسفر وتحمل المخاطر!! ويضيف ان هذا هو الفرق الجوهري بين تفكير ابناء جيلي واجيال اليوم والغد فالحياة الصعبة ايام زمان غرست بداخلنا حب المخاطرة والرغبة في ركوب البحر والبحث عن الرزق في اعماقه بل وظلت هذه الرغبة بداخلي حتى بعد ظهور النفط حيث عملت بعدة وظائف في حقول البترول تعتمد على العمل اليدوي والميداني الصعب واستقر بي المطاف الى العمل بنفس وظيفتي القديمة ولكن بعد تطوير مهامها حيث عملت كمساعد قبطان بميناء زايد وظللت اعمل بهذه الوظيفة حتى تقاعدت وافتخر انني من جيل يبحث عن التحديات الصعبة ليتغلب عليها ولذلك ولله الحمد نجحنا في التغلب على الكثير من المصاعب التي واجهتنا واتمنى ان يستخلص ابناؤنا الدروس والعبر والحكم من تجاربنا. زاد الخير مع زايد ويقترب الشيبه خالد القبيسي من نهاية رحلة ذكرياته ويتحدث عن اوضاع الديرة بعد تولي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله ورعاه لمقاليد الحكم ويقول: زاد الخير بالديرة مع والدنا الحاني زايد فالناس كل الناس قد شكروا في حكمه وتمتعوا بالمزايا والنعم التي منحها لابناء وطنه وشعبه فوالدنا زايد العظيم لم يبخل علينا بشيء اعطانا التعويضات ـ المعاشات ـ المساكن ولم يبق ابن من ابناء الديرة الا وهو يردد تلك الكلمات التي تمدح افعال وانجازات هذا القائد العظيم ومازال صداها يتردد في مسامعي ليلا ونهارا وهي يا زايد يازائد قد زادك الله رفعة.. الناس كل الناس قد شكروا بحكمك وبخيرك الملموس جزاك ربي من الاحسان احسنها يا شيخنا يا شيخ كل الفضائل. الوالد خالد سالم القبيسي الاجداد بنوا افضل السفن رغم قلة الامكانيات ايام الغوص كانت ممتعة وكثيرة الخيرات صيد اللؤلؤ يحتاج الى مهارات وخبرات عالية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات