المفكر جورج طرابيشي لـ (البيان) :داخل كل روائي كبير توجد انثى مخفية،ابطال حنامينا ونوال السعداوي مشبوهون

قد نختلف مع المفكر جورج طرابيشي وقد نتفق معه في الكثير من استنتاجاته.وسواء اختلفنا او اتفقنا معه,فلابد من الاعتراف بأن جورج طرابيشي هو احد الناشطين في ميدان الفكر العربي, وهو لوحده يكاد ان يكون مؤسسة ثقافية بكاملها اذ ترجم ما يزيد على مائتي كتاب في ميادين شتى, كما الف25كتابا في السياسة والفكر والفلسفة والنقد الانثربولوجي وأولى قضية المرأة اهتماما خاصا واصدر عنها الكتب . مع مثقف كبير من طراز جورج طرابيشي يتشعب احيانا الحوار ويأخذ اتجاهات ومسارات اخرى غير تلك التي خطط لها سلفا, لكننا آثرنا قدر الامكان التركيز على قضية المرأة والنقد الحضاري الذي قدمه في كتبه وعن الحداثة التي احد شروطها الاساسية مساواة المرأة بالرجل. * جورج طرابيشي: انت شخص متعدد الاهتمامات. فلقد ترجمت العشرات من كتب الادب والفلسفة والفكر اضافة الى انك اغنيت مكتبة علم النفس العربية بترجمتك لفرويد وغيره, نقدك لفكر الجابري اثار نقاشا طويلا وقبل شروعك في عملك الضخم المتعلق بنقد الجابري كان اهتمامك قد انصب على قضية المرأة, حيث الفت كتبا تبحث في صورة المرأة في الادب العربي, او ابوية المجتمع العربي ودراستها في النصوص الادبية, كما درست حنا مينا ومحمد ديب, ودراستك لادب نوال السعداوي, وكتابك (رمزية المرأة في الرواية العربية) وغيرها من الكتب, ما الذي دفع جورج طرابيشي الى بحث قضية المرأة عموما وفي الادب على وجه الخصوص؟ ـ هذا سؤال كثيرا ما طرحته على نفسي اذ قمت بنوع من مراجعة او محاسبة ذاتية, فاكتشفت انني منذ خططت اول مقال في النقد الادبي, اكتشفت انني مهموم بقضية المرأة. المصدر الاول لهذا الهم كان ايديولوجيا. فلقد افتتحت عيني على نوع من الاعتقاد ان وضع المرأة في مجتمع ما يحدد وضع المجتمع كله.. ومن ثم فقد كان يخيل الي اننا اذا اجرينا تغييرا في هذا الحجر, حجر الزاوية او الاساس, فإننا نغير بنية المجتمع كله, خاصة في مجتمع كمجتمعنا الشرقي الذي بالفعل احد احجار الزاوية الاساسية التي ينهض عليها بناؤه هو وضعية المرأة الدونية, في هذا الاتجاه تقدمت.. ولكني بعد اكثر من ربع قرن في الكتابة حول قضية المرأة نظريا وفي مجال النقد الادبي اكتشف ان كل ما كتبته في النقد الادبي ومهما كانت ذرائعه, انما يتمحور حول قضية المرأة التي يسميها النقاد بالمسرح الذهني اي (اهل الكهف) رفضت ان اقرأها قراءة تراثية دينية, اسطورية, قراءة فلسفية, ـ فلسفة الزمن, كما قيل فيها.. قرأتها فقط من حيث علاقة الفتى بطلها ببرسكا الاميرة. وقد طرحت على نفسي هذا السؤال : اذا الروايات التي درستها في (شرق وغرب) و(رمزية المرأة الى نوال السعداوي, الى الادب من الداخل, دراساتي عن الاديبة الفلسطينية سميرة عزام, الى دراساتي عن عبدالرحمن منيف, اخيرا الى دراساتي عن حنا مينا. كلها تتمحور حول المرأة, كلها تتمحور حول العلاقة بالمرأة.. المنظورة وغير المنظورة.. المشعور بها وغير المشعور بها طرحت على نفسي هذا السؤال وانا اكتب (عقدة اوديب في الرواية العربية) درست فيها ايضا المازني وسهيل ادريس وتوفيق الحكيم وامينة السعيد, وهي كاتبة مصرية؟ المازني نفسه مؤسس الرواية العربية قرأته طبعا سألت نفسي هذا السؤال وانا اعود للكتابة عن توفيق الحكيم في (عقدة اوديب والرواية العربية) بعد ان توسعت معلوماتي واضفت اليها منهج التحليل النفسي, سألت نفسي لماذا هذا التوجه؟ بل لماذا تحررت من المنهج الايديولوجي الذي كنت اتعامل به في (لعبة الحلم والواقع) مثلا, وانتهت الى التحليل النفسي؟ لان هذا المنهج الفرويدي ايضا نقطة المركز فيه او حجر الزاوية فيه هو الموقف من المرأة او من قضية الانوثة او الرجولة سواء من الانوثة الفردية او من الانوثة اللاشعورية الكامنة في قلب كل رجل. ما أملى موقفي هذا ليس مجرد تيار أيديولوجي, إنما هناك محفزات لا شعورية كامنة في أعماقي جعلتني أقرأ العالم أو أقرأ الرواية من هذا المنظور, ثم أتوجه بشكل لا شعوري نحو اكتشاف المنهج الوحيد الذي يتعامل مع هذه القضية من نفس المنظور وهو منهج التحليل النفسي. التخلف رجولة مخصية * من خلال (شرق وغرب) نرى ان المثقف العربي الذي يدرس في الغرب, او الذي ورد ذكره في الروايات المدروسة في الكتاب, يحاول تأنيث الغرب وتقديم نفسه بمظهر الرجل الغازي جنسيا.. أوروبا بالنسبة اليه انثى خفيفة يسهل التغرير بها.. يلجأ المثقف احيانا الى مثل هذه الأمور للتخفيف من حدة الدونية التي يشعر بها, ليصير الشرق رجولة والغرب انوثة. شخصيا, كنت سأقول التخلف يصير رجولة.. ما رأيك؟ ـ لا أقول ذلك, أقول التخلف هو رجولة مخصية. وبالتالي, رجولة التخلف هي رجولة كاذبة, تعويضية, ليست رجولة حضارية وبيولوجية حقيقية. * المرأة هي التي تدفع الثمن دائما. ففي مجموعة الروايات التي درستها في (شرق وغرب) نرى صورا للمثقف الشرقي الروحي الذي يرفض دخول اللعب باباء, المكبوت جنسيا, المنتقم من الغرب الاستعماري بواسطة المرأة, وربما لو كتبت نساء عربيات ادبا عن الغرب لتغيرت المعادلة! الا يوجد مكان للانتقام من الغرب الاستعماري الا من خلال المرأة؟ واعذرني على هذا التبسيط أو السذاجة: الشهامة العربية أو الرجولة تقضي ان تعامل المرأة باحترام؟ ـ لا اوافقك على هذا الاستنتاج الاخير بالنسبة للشهامة العربية والرجولة.. انا شخصيا من الذين يرفضون هذه المفاهيم واعتقد انها بنت عصرها وقد ولى اوانها. او على الاقل اذا لم يول اوانها فلابد من تطويرها باتجاه الحداثة وباتجاه العصر. القضية هي ليست قضية رجولة ولا شهامة, انما قضية عقلانية, أو قضية العقلانية بالضبط, فأحد الانجازات الكبرى لهذا العصر او للحداثة هي المساواة بين الرجل والمرأة, هذه القضية لا نقاش فيها على الاطلاق. المرأة انسان والرجل انسان وبين الانسان والانسان ليس إلا علاقة واحدة هي مساواة. ومن ثم, لا الرجل مفروض ان يكون ضحية طبعا, ولا المرأة ايضا. وكل هذه العلاقات, اسقاطها, من صعيد الازمة الحضارية, الى ازمة جنسية هذا هو مصدر الخطورة, لانك بالنتيجة تحمل المرأة مسؤولية الاستعمار, وتقدم المرأة وتحملها مسؤوليات رمزية هائلة لا دخل للمرأة من قريب او من بعيد بها وبما اننا بالاساس, كثافة قومية, منحازين ضد المرأة ووارثين لتقاليد منحازة ضد المرأة, فيصبح مثل هذا التوظيف بمنتهى الخطورة على قضية علاقة المرأة بالرجل, وعلى قضية الحداثة من حيث ان أحد مقاصد تعريف الحداثة هو المساواة بين الرجل والمرأة. * الا تؤمن بمقولة ان ثمة غربا في الشرق, وثمة شرقا في الغرب؟ احيانا يبدو الامر وكأنه ابيض واسود؟ ـ هناك تلوينات, ان لكل ثقافة قومية تلوينها الخاص, وبالتالي, لا استطيع ان اطلب من الصيني ان يكون كالعربي, ولا للعربي المشرقي ان يكون حتى كالمغربي, بت اعتقد ان ثمة تمايزات حتى في المشرق والمغرب, ثم تمايزات نفسية جغرافية..الخ, ثمة تمايزات في العالم الاسلامي, انت لا تستطيع ان تطالب التركي أو الباكستاني بان يكون نسخة طبق الاصل عن المسلم العربي, والاسلام التركي اليوم مثلا يقدم صورة مختلفة عن تلك التي يقدمها الانسان الافغاني عن الاسلام, وهذا الاخير يقدم صورة مختلفة تماما عن الاصولية التي نعرفها عند بعض الكتاب المصريين, على سبيل المثال, يعنى حتى اصولية الاخوان المسلمين غير قابلة للتشبيه باصولية الافغانيين, اولئك الذين منعوا المرأة من الخروج إلى الشارع ومن الذهاب إلى المدرسة وحرموا الاذاعة والتلفزيون, لم يصل الاخوان المسلمون عندنا هذه المواصيل, اذا جاز التعبير, اذن, هناك تلاوين ثقافية مطلوب الحفاظ عليها, ولكن مع اغنائها, وليس من سبيل آخر إلى اغنائها سوى الاتصال بالحداثة العالمية, لانني اقول هنا باعتبارها امة ذات تراث, فقط بالاعتماد على هذه الحداثة وعلى مناهجها نستطيع ان نقرأ تراثنا القديم بعيون جديدة وان نضيف إلى قيمته. * اذن, ما هو سبب كل الانحطاط الذي نمر به اليوم؟ ـ هذا صحيح جدا, واعتقد ان الحضارة العربية انحطت حتى عن المستوى الذي كانت عليه, الازمة داخلية, في داخل الثقافة العربية, نحن نعاني من تخلفين أو تأخرين, نسبة إلى الحضارة الغربية نفسها, ونسبة إلى انفسنا, وثقافتنا العربية, الموقف المعادي التام للمرأة هو من موروث عصر الانحطاط وليس من موروث صدر الاسلام, واذكرك هنا بان عمر بن ابي ربيعة وجميل بثينة كتبا اجمل اشعار الحب والغزل في المرأة في تاريخ الثقافة العربية, وربما في تاريخ الثقافات ككل, في صدر الاسلام, فكيف اقول: عمر بن ابي ربيعة, الذي من المفروض من المتابعين الذين لهم صبغة المثالية في الثقافة العربية الاسلامية والذي كان زميلا لعمر بن الخطاب, كيف اقول هذا الموقف من المرأة وآتي اليوم إلى الاصوليين الذين يريدون حبس المرأة, واقول هذا استمرار للتراث العربي الاسلامي؟ . فلو أردت العودة إلى الاسلام الاول فلن تجد هذه الصورة التحقيرية للمرأة, عندما يقول الرسول: (خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء) (يقصد عائشة), فنحن لن نرث الثقافة العربية الاسلامية, لقد ورثنا ابن تيمية, ورثنا عصر الانحطاط في هذه الحضارة, وهو الذي يسود, وهذا مصدر اساسي لازمتنا مع العصر ومع انفسنا. * هل يمثل ادب حنا مينا تيار الرجولة بامتياز في الادب العربي الحديث؟ وهل كانت الابوية أو الرجولة وطفحانها في الحياة العامة والادب مظهرا من مظاهر دفع الهزيمة النكراء التي حلت بالعرب جانبا؟ هزائم متلاحقة وفائض رجولة, وربما هذا ما حدث ايضا لكاتبة كنوال السعداوي, فكرد فعل على رجولة متضخمة على نحو غير طبيعي, اخذت ترد بعدوانية أو حتى تقايس بالرجل. سأقول لك ما اعتقده بصراحة في هذا المجال: لا احب ان اتكلم عن حنا مينا كشخص... افضل ان اتكلم عن بطل حنا مينا, وعن بطل نوال السعداوي, لانني لا اقيم علاقة ترادف وتطابق في الهوية بين الروائي وبطله... اعتقد ان ثمة مسافة ما لابد من احترامها بين الروائي والبطل. اذا احترمنا هذه المسافة اقول ان رجولة ابطال حنا مينا رجولة مشبوهة. مشبوهة؟! مشبوهة يعني انها رجولة غير واثقة من نفسها. ومن ثم فإنها تجعل من الرجولة قيمة عليا. اما لو كانت رجولة طبيعية, بالمعنى البيولوجي للكلمة, لوضعت نفسها على مستوى المساواة التامة مع الانوثة خذ ادب الرجولة في الرواية الامريكية... خذ همنجواي... اعتقد نفس الاشكالات... حيثما البطل يعاني من ازمة رجولة ترى عنده تمجيدا للرجولة. فدوما, تمجيد الرجولة هو رجولة مشبوهة. اعتقد ان في الرواية دوما ثمة لعبة داخل اللعبة, ويقول البطل اكثر بكثير مما يمكن ان يقوله الروائي. فانا لا اصدق هذه اللعبة. كناقد افكك ما اسميه لاشعور البطل, ولا افكك لا شعور الروائي. فعندما آتي الى ادب نوال السعداوي اقول ايضا: ان كل انوثة زائدة عن حدها هي انوثة مشبوهة. فبطلات نوال السعداوي رفضن الانوثة التي هي شرطهن ومطلبهن الانساني واردن ان يكن رجلات اكثر من الرجال كله يدل على ان ثمة علاقة عصابية, اذا جاز التعبير, مع هاتين الواقعتين البيولوجيتين الطبيعيتين الموجودتين في كل انسان اللتين هما واقعة الرجولة وواقعة الانوثة. وشخصيا, لا اعتقد ان ثمة رجولة مطلقة... كل انسان سواء رجل كان ام امرأة, لابد ان يكون فيه شيء من الانوثة وشيء من الرجولة. كل ما هنالك ان الرجولة عند الرجل غالبة على الانوثة, والانوثة عند المرأة غالبة على الرجولة, ويحدث الخلل عندما يطغى خوف الانوثة عند الرجل, لان القسم المؤنث في نفسه كبير, واضرب على ذلك مثال توفيق الحكيم او حنا مينا, فعندها يتحول ابطاله اما الى كراهية المرأة او الى عبادة الرجولة. وعندما تكون هناك ثمة نقص انوثة عند المرأة, هذا النقص في الانوثة ينقلب اما تحقيرا للانوثة واما تحقيرا للرجولة او عبادة خفية للرجولة. ومن حسن الحظ ان مثل هذا الخلل يقع عند الفنانين, ولولا هذا الخلل لما كان الفن. لذلك في كل روائي كبير اقول ذلك؛ بمنتهى الصدق والقناعة والاقتناع توجد انثى مخفية, وفي كل روائية كبيرة قد يكون ثمة رجل مخفي. جورج طرابيشي حنامينا نوال السعداوي عبدالرحمن منيف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات