استراحة البيان: طه حسين والايام،يكتبها اليوم جابر عصفور

طه حسين 1889 ـ 1973 واحد من اهم ان لم يكن اهم ـ المفكرين العرب في القرن العشرين, وترجع اهميته الى الادوار الجذرية المتعددة التي قام بها في مجالات متعددة, اسهمت في الانتقال بالانسان العربي من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية, ومن الظلم الى العدل, ومن التخلف الى التقدم, ومن ثقافة الاظلام الى ثقافة الاستنارة, فهو اجسر دعاة العقلانية في الفكر , والاستقلال في الرأي والابتكار في الابداع والتحرر في البحث الادبي والتمرد على التقاليد الجامدة, وهو اول من كتب عن (مستقبل الثقافة) بالحماسة التي كتب بها عن (المعذبين في الارض) وبالشجاعة التي تحرر بها من ثوابت النقل البالية, فاستبدل الاجتهاد بالتقليد, والابتداع بالاتباع, واقام الدنيا ولم يقعدها حين اصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي كان بمثابة الاستهلال الجذري للعقل العربي المحدث والحديث في آن. ولم يتراجع طه حسين امام اعنف الهجمات التي شنتها عليه القوى المحافظة الكارهة للتقدم وظل عنيدا في دعوته الى تحديث الحياة المدنية وحداثة الفكر المدني على السواء, غير عابىء بحملات التكفير التي ظلت تشن عليه او حملات التشكيك التي لم تترك صغيرة او كبيرة في حياته إلا وحاولت النيل منها, مؤمنا ان الجامعة الحديثة طريق المستقبل, والعلم اداة التقدم, والعقل وسيلته الحرة في البحث عن المستقبل الواعد بالحرية والعدل. هكذا كان بشير التقدم وداعيته, ورأس حربة العقلانية وعلامة الابداع الجديد وشارة التحرر من كل اشكال الفكر الجامد وطليعة الجامعة الوليدة التي تنفتح على آفاق التقدم كي تحرر الحياة من حولها, وتحطم القيود المفروضة على العقل الذي يتوثب الى الابداع الذاتي المستقل. واتصور ان وعيه بتخلف وطنه على مستويات كثيرة هو الذي دفعه الى ان يكون موسوعي الثقافة, تنويري الفكر شمولي النظرة, متعدد الجوانب والاهتمامات, ولذلك تعددت انشطته الثقافية بالقدر الذي تباينت ادواره الاجتماعية فكان استاذا جامعيا وعميدا ومدير جامعة ووزيرا للتعليم, ورجل سياسة انتقل من حزب الى حزب, وصحفيا, وصاحب مجلة, واديبا, وناقدا للادب, ومؤرخا, ومحققا, ومترجما, وفيلسوف تربية, ومتفلسفا في الحضارات. هذه الطبيعة النوعية لتعدد مجالات طه حسين لم تفرض عليه العزلة في اتجاه بعينه, او التعصب لنظرية ادبية او اجتماعية او سياسية دون غيرها, وانما دفعته الى ان يأخذ من كل معرفة اتيحت له, ومن كل النظريات التي عرفها, ما رأى انه يفيد وطنه, ويساعده على ان يرتقي من مستوى الضرورة الى الحرية, ومن التخلف الى التقدم, ومن الظلم الى العدل, ومن الاظلام الى الاستنارة. ويعني ذلك ان طه حسين لم يعرف التعصب الا في نقطة واحدة ترتبط بالهدف الذي تطلع اليه حين كتب كتابه الاستثنائي مستقبل الثقافة المصرية, خصوصا حين صاغ في نهاية الكتاب حلمه الجميل الذي اطلقه من القيود, ورأى شجرة الثقافة العربية الحديثة باسقة, قد ثبتت اصولها في ارض مصر, وامتدت اغصانها الى كل قطر عربي, وحملت الى العرب جميعا ثمارها التي تجمع بين ذكاء القلوب وغذاء العقول وقوة الارواح, لاتعرف التمييز بين عربي وعربي الا بجدية المسعى, ولا بين فقير وغني الا بمدى الرغبة في المعرفة, ولا بين اقليمي او قومي او عالمي الا بعمق النزعة الانسانية التي تصل بين ابناء البشرية جميعا من غير ان تطمس تنوعهم الخلاق. ولا يختلف جذريا, حلم طه حسين الذي ختم به كتاب (مستقبل الثقافة) عن الحلم الذي استهل به حياته, حين تحدى الفقر والجهل والمرض فأحال عماه الى بصر البصيرة, وفقره الى غنى النفس, وجهله الى معرفة سرعان ما اضاءت كل ما حولها, وافاضت على الثقافة العربية بأسرها. ومن المفيد لابنائنا وبناتنا في هذه الايام ان يسترجعوا حلم طه حسين, وان يجعلوا منه حلمهم. ومن اللائق بهم ان يعرفوا شأن هذا الرائد العظيم لثقافة التحديث ولد في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1889 في عزبة (الكيلو) التي تقع على مسافة كيلو متر من (مغاغة) بمحافظة المنيا بالصعيد الاوسط. وكان والده حسين علي موظفا صغيرا, رقيق الحال, في شركة السكر, يعول ثلاثة عشر ولدا, سابعهم طه حسين, ضاع بصره في السادسة من عمره نتيجة الفقر والجهل. وحفظ القرآن الكريم قبل ان يغادر قريته الى الازهر طلبا للعلم, وتتلمذ على الامام محمد عبده الذي علمه التمرد على طرائق الاتباعيين من مشايخ الازهر, فانتهى به الأمر إلى الطرد من الأزهر, واللجوء إلى الجامعة المصرية الوليدة التي حصل منها على درجة الدكتوراه الأولى في الآداب سنة 1914 عن أديبه الأثير: أبي العلاء المعري, ولم تمر اطروحته من غير ضجة واتهام من المجموعات التقليدية حتى بعد ان سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه الفرنسية, وعاد من فرنسا سنة 1919 بعد ان فرغ من رسالته عن ابن خلدون, وعمل استاذا للتاريخ اليوناني والروماني الى سنة 1925, حيث تم تعيينه استاذا في قسم اللغة العربية مع تحول الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية, وما لبث ان أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي أحدث عواصف من ردود الفعل المعارضة, وأسهم في الانتقال بمناهج البحث الأدبي والتاريخي نقلة كبيرة فيما يتصل بتأكيد حرية العقل الجامعي في الاجتهاد. وظل طه حسين يثير عواصف التجديد حوله, في مؤلفاته المتتابعة ومقالاته المتلاحقة وابداعاته المتدافعة, طوال مسيرته التنويرية التي لم تفقد توهج جذوتها العقلانية قط, سواء حين أصبح عميدا لكلية الآداب سنة 1930 وحين رفض الموافقة على منح الدكتوراه الفخرية لكبار السياسيين سنة 1932, وحين واجه هجوم أنصار الحكم الاستبدادي في البرلمان, الأمر الذي أدى إلى طرده من الجامعة التي لم يعد إليها إلا بعد سقوط حكومة صدقي باشا, ولم يكف عن حلمه بمستقبل الثقافة أو انحيازه إلى المعذبين في الأرض في الأربعينات التي انتهت بتعيينه وزيراً للمعارف في الوزارة الوفدية سنة 1950, فوجد الفرصة السانحة لتطبيق شعاره الأثير (التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن) وظل طه حسين على جذريته بعد ان انصرف الى الانتاج الفكري, وظل يكتب في عهد الثورة المصرية إلى ان توفي عبدالناصر وقامت حرب اكتوبر التي توفي بعد قيامها في الشهر نفسه سنة 1973. وتحفته (الأيام) اثر ابداعي من آثار العواصف التي آثارها كتابه (في الشعر الجاهلي) فقد بدأ في كتابتها بعد حوالي عام من بداية العاصفة, كما لو كان يستعين على الحاضر بالماضي الذي يدفع إلى المستقبل, ويبدو ان حدة الهجوم عليه دفعته إلى استبطان حياة الصبا القاسية, ووضعها موضع المساءلة ليستمد من معجزته الخاصة التي قاوم بها العمى والجهل في الماضي القدرة على مواجهة عواصف الحاضر. ولذلك كانت (الأيام) طرازاً فريدا من السيرة الذاتية التي تستجلي بها الأنا حياتها في الماضي لتستقطر منها ما تقاوم به تحديات الحاضر, حالمة بالمستقبل الواعد الذي يخلو من عقبات الماضي وتحديات الحاضر على السواء.. والعلاقة بين الماضي المستعاد في هذه السيرة الذاتية والحاضر الذي يحدد اتجاه فعل الاستعادة اشبه بالعلاقة بين الاصل والمرآة, الاصل الذي هو حاضر متوتر يبحث عن توازنه بتذكر ماضيه, فيستدعيه الى وعي الكتابة كي يتطلع فيه كما تتطلع الذات الى نفسها في مرآة, باحثة عن لحظة من لحظات اكتمال المعرفية الذاتية التي تستعيد بها توازنها في الحاضر الذي اضرّ بها. ونتيجة ذلك الغوص عميقا في ماضي الذات بما يجعل الخاص سبيلا الى العام, والذاتي طريقا الى الانسان, والمحلي وجها آخر من العالمي, فالابداع الاصيل في (الايام) ينطوي على معنى الامثولة الذاتية التي تتحول الى مثال حي لقدرة الانسان على صنع المعجزة التي تحرره من قيود الضرورة والتخلف والجهل والظلم, بحثا عن افق واعد من الحرية والتقدم والعلم والعدل. وهي القيم التي تجسدها (الايام) ابداعا خالصا في لغة تتميز بثرائها الاسلوبي النادر الذي جعل منها علامة فريدة من علامات الادب العربي الحديث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات