خمسة وستون عاما على رحيل الشابي، بقلم: لقمان محمود

حين يبتلي الشاعر بآلام المرض, يصبح الموت اولى امانيه, فيستسلم له حينا, ويعيشه حينا آخر, وفي الحينين يصادقه بالشعر, والشاعر ابو القاسم الشابي الذي عاش هذه التجربة ـ تجربة المرض ـ حيث اصيب وهو في الثانية والعشرين من عمره بمرض تضخم القلب, وظل يعاني من هذا المرض الذي نهش صدره وروحه بالآلام, الى ان قضى عليه وهو في الخامسة والعشرين من عمره . ولد ابو القاسم الشابي في مارس 1909, ورحل في 9 اكتوبر 1934, وخلال هذه الرحلة القصيرة, ترك قصائد لها عمر الاساطير, حيث لم يتسن لشاعر آخر في تاريخنا المعاصر ان امتلك شهرة عمت ارجاء الوطن العربي مثله, اذ استطاعت هذه الموهبة الحقيقية ان تبلغ آفاق الشهرة والمجد خلال ثمانية اعوام فقط من تجربتها الشعرية, فقصيدته الخالدة (ارادة الحياة) والتي رفعته الى مصاف الشعراء الخالدين, مازلنا نحفظها, ومازالت الاجيال جيلا بعد جيل تقرأها وتحفظها, حتى باتت نشيدا وطنيا وقوميا, ليس لشعب بعينه وانما لجميع الشعوب المضطهدة, لتكون بذلك نشيدا للانسانية جمعاء, تقول القصيدة: إذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر بعد هذه القصيدة, هل نستغرب اذا قلنا ان الدراسات الادبية والنقدية والكتب المؤلفة عنه قد بلغت حيزا لم يعط الا للقليل من شعراء العربية الحديثين, ولم تقتصر الدراسات على العربية فقط, بل تعدتها الى لغات اخرى, حيث ترجمت قصائد كثيرة له, وعد واحدا من رواد الشعر العربي, واهم من ترجم اشعاره الى الانجليزية المستشرق (آرثر آربري) الذي ترجم الى الانجليزية من قبل اشعار الصوفيين وكتابات النفري, وهو اول من نشر مواقف النفري في اللغة العربية في مطلع القرن. وابو القاسم الشابي الذي غنى للحياة كثيرا, غنى للموت اكثر, وما بين الحياة والموت كانت حالته المرضية تفرض عليه مأساتها, وهو لم يتجاوز بعد سن التحمل, فمأساته أتت دفعة واحدة وبشكل مبكر, لذلك سئم الشابي الحياة: سئمت الحياة, وما في الحياة/ وما ان تجاوزت فجر الشباب ومع تصاعد الآلام, وانهيار قوة التحمل, تيقن الشابي ان خلاصه يكمن فقط في الحياة الاخرى, تلك الحياة الرحيمة, التي ستضع حدا لآلامه وعذابه: الى الموت ايا ابن الحياة التعيس, ففي الموت صوت الحياة الرخيم الى الموت؟ ان عذبتك الدهور, ففي الموت قلب الدهور الرحيم. لكنه الموت, كعادته يتأخر, والشابي خلال انتظاره جرب جميع الآلام والعذابات, حتى لف اليأس حياته تماما, وحتى غسلته دموعه, كل ذلك والموت لايصل اليه الا متأخرا, وكأن قدر الشابي ان يجني الندامة من هذه الحياة اكثر: ماذا جنيت من الحياة ومن تجاريب الدهور غير الندامة والأسى واليأس والدمع الغزير؟ هذا حصادي من حقول العالم الرحب الخطير هذا حصادي كله, في يقظة العهد الاخير. فهذا المخلوق الشعري سطره المرض باكرا, حتى مزجت حروفه بالحزن واللوعة والانتظار المرير, ليكون في الاخير ألمه الصادق, اصدق ما تركه لنا الشعر العربي المعاصر. ابو القاسم الشابي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات