مقاهي بغداد بورصة الحياة الثقافية

ورد في (المنجد) ان كلمة مقهى تعني (المكان الذي تشرب فيه القهوة) والقهوة هي شراب البن.. هكذا تعارف عليها الناس, ويبدو ان الشاي لم يكن معروفاً آنذاك . المقهى ناد شعبي, او شيء شبيه بذلك, وفي بغداد نوعان من المقاهي, الاول يكون خاصاً لابناء المحلة الواحدة حيث يجتمعون فيه ـ عادة ـ بعد الظهر وفي المساء (عندما لم تكن ظروف المعيشة تتطلب العمل 24 ساعة يومياً) اما النوع الثاني فهو عام .. وغالباً ما يشيد هذا النوع من المقاهي في الشوارع العامة وعند الساحات. هناك مقاه اختصت بروادها الذين ينتمون الى مهنة واحدة, كمقهى التجار في شارع المنتصر, حيث تطل نوافذه الواسعة على نهر دجلة, ومقهى البرلمان الذي أزيل من الوجود وكان يرتاده رجال السياسة والبرلمانيون في العهد الملكي. .وغيرها. اول مقهى في بغداد لم تعرف بغداد في العصر العباسي هذا النوع من النوادي الشعبية (المقاهي) وكانت الجلسات والاجتماعات تعقد في البساتين, او في دور الموسرين, وقد انشئ اول مقهى في بغداد سنة 1590م, وكان موقعه آنذاك بالقرب من المدرسة المستنصرية, القريبة من جسر الشهداء حالياً, وفي سنة 1604م شهد سكان بغداد بناء مقهى (حسن باشا), بالقرب من جامع الوزير, الذي تطل مئذنته على نهر دجلة, يحاذي جسر الشهداء آنف الذكر من جانبه الايمن, ثم ما لبثت المقاهي ان انتشرت هنا وهناك.. ولم تمر سنة 1834 حتى كانت ميادين بغداد العامة تضج بها, حيث يجلس فيها معظم سكان بغداد, يدخنون التبغ ويشربون القهوة, ويمارسون مختلف الالعاب التي كانت سائدة آنذاك مثل (المحيبيس) و(الصينية), وكان القاص او (الحكواتي) يتصدر تلك المقاهي في الليالي (مكان التلفزيون) ويمتع الجالسين بأطرف الحكايات ومغامرات البطولة والبسالة ويواصل مطربو المقام العراقي تخت الغناء الشرقي الاصيل صداحهم العذب فيها, حتى ظهر الفوتوغراف والراديو والتلفاز, حيث انسحبت آخر آلة شرقية من فوق التخوت المصطفة بانتظام. مقاه متخصصة واشتهرت بغداد بتخصص بعض مقاهيها.. فهذه للتجار, وتلك للصفارين, واخرى للسماكين ولا تعجب ـ عزيزي القارئ ـ اذا ما عرفت ان هناك مقهى للعميان, واخر للخرسان, وان روادها يمارسون العاب (الدومينو والطاولي والشطرنج) على الرغم مما ابتلوا به من عاهات, تبدو لاول وهلة مانعة لتلك الالعاب, وكذلك هناك مقاه للأدباء والكتاب والمثقفين. * يقول السيد فهي القيمقجي.. وهو شاعر عاصر رجال العهد الملكي: ـ في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن, وعندما كان الصراع على اشده بين الشاعرين الرصافي والزهاوي, كانت هناك مقهيان شهدا هذه الخصومة, وترددت في جنباتهما قصائد وآراء وصراعات وخصومات بين انصار كل من الشاعرين, كان الرصافي وانصاره يجلسون في مقهى (عارف آغا), في شارع الرشيد, قرب جامع الحيدر خانة, في حين كان الزهاوي وانصاره يرتادون (مقهى الزهاوي) وما زال هذا المقهى شاخصاً حتى الآن, ويرتاده المتقاعدون على الاغلب. صخب الافكار المتناحرة * يقول نعيم الشطري وهو صاحب مكتبة معروفة في شارع المتنبي: ـ ان الادباء في العقدين الستيني والسبعيني كانوا يرتادون مقهى البرلمان, وقد شهد هذا المقهى في العقدين الستيني والسبعيني حوارات ونقاشات وصخباً ولغطاً بين حملة الاراء المتنافرة, سواء كان ذلك الاختلاف على الصعيد السياسي, او على الصعد الاخرى.. الفكرية والثقافية.. والاجتماعية المهم ان مقهى البرلمان كان بيئة عراقية نموذجية تضم كل الاتجاهات والافكار والتيارات حيث تتفجر الصراعات والخصومات ولا سيما في صباحات ايام الجمع, لتستمر الى ما بعد الظهر ومن الصعب ان يجد احد مكاناً له هناك اذا ما تأخر او اعاقه شيء عن الحضور في ذلك الصباح. في الحقيقة.. كان ذلك المقهى اشبه بـ(الجامعة) , فقد تخرج فيه اسماء لامعة في القصة والشعر والنقد, فضلاً عن تبلور كفاءات اكاديمية مارست النقاش والحوار فوق مقاعده. * واردف الشطري بحسرة: ـ للاسف.. ازيلت معالم ذلك المقهى, وتحول الى محال تجارية, ومطعم شغل مكان الركن الايسر, وانتقل الادباء والمثقفون الى مقهى اخر, هو (مقهى حسن عجمي) . بورصة ثقافية * يقول القاص محمد سعدون السباهي: نحن نأتي الى هنا نتبادل الاحاديث والاخبار.. نسأل عن اصدقائنا من الادباء والمثقفين, ونعرف من رحل منهم, ومن عاد من السفر في هذا المقهى نتابع اخبار زملائنا الذين هجروا الوطن (او هجرهم) واستطابوا الغربة من مات منهم ومن بقي على قيد الحياة نناقش نحاور, نزايد بالاراء والافكار والاحزان والمعاناة.. انها باختصار بورصة حياتنا الثقافية وغالباً ما نعرض نتاجاتنا على بعضنا نتحدث ونتحاور في الادب والسياسة والحصار والموت. * شاركنا الحديث السيد مؤيد البصام وهو صناعي مثقف, اصدر مجموعتين قصصيتين في عمان, قال: ـ ما يميز هذا المقهى ان الداخلين اليه غالباً ما يحملون رزماً من الكتب تحت اباطهم, ولا نكاد نجد منضدة ليس عليها كتاب او دفتر او عدد من الاوراق, وتستمر الحوارات حتى الظهر, وعنده يغادر البعض منا, فيما يبقى البعض منا يمارس الالعاب, كالدومينو, للترويح عن النفس. * ثم اشار الى طوية في الجدار, تشكل مع المقهى زاوية قائمة, وقال: ـ هناك علقت اغلفة لمجموعات شعرية واخرى قصصية, واعلانات عن مسرحيات تعرض على هذه القاعة أو تلك انها جميعا لادباء شباب يعلنون عن اصداراتهم التي يطبعونها على نفقتهم الخاصة, او تقوم دار الشؤون الثقافية بطبعها ضمن سلسلات معينة كسلسلة (ضد الحصار) . هنا.. في العراق وعبر هذا المقهى يجاهد الادباء, والشباب منهم بالذات من اجل انضاج مواهبهم والحصول على اعتراف الاجيال الادبية الاكبر سنا. بعضهم يطبع مجموعته الشعرية بحجم الكف وربما اصغر ترشيدا للنفقات والبعض الاخر يطبع اعماله بجهاز الاستنساخ وفي كل الاحوال ليس هناك ارباح هذا شطر يسير من مقابلاتهم في ظروف الحصار. وماذا بعد في هذا المقهى..؟ الكتب.. نحن نتبادل الكتب, وخصوصا تلك التي تصدر في الخارج ويتعذر استيرادها لكنها تدخل العراق بنسخ محدودة فتتلقفها ايادي المثقفين ويتم الحجز عليها بالدور .. بغداد ـ عيسى الصباغ

تعليقات

تعليقات