شهرة اسمها فاقت شهرة مؤلفاتها، جورج صاند مازالت تحتل أعلى المبيعات في فرنسا

حلم بها ومازال يحلم الكثير من كتاب السيرة الشباب الذين يجدون المتعة في استحضار شخصية مثيرة للجدل مثل شخصية(جورج صاند).وربما يكون الفرنسيون هم الاكثر قدرة على الحلم وعلى استرجاع تلك المناخات الثقافية التي عرفتها فرنسا في اوائل القرن التاسع عشر, حيث شاهد المارة للمرة الاولى صاند , التي تبلغ العشرين من عمرها, تسير مسرعة في احد شوارع باريس المزدحمة, وقد ارتدت بنطالا ومعطفا وحذاء رجاليا فيما يشبه الاحتفال الجنوني بحصولها على ما اسمته بالحرية فما تلك الحرية؟ وهل تستحق صاند اليوم شيئا من اجلها؟ رغم كل ماجاء به كتاب السيرة من روايات متفاوته في غرابتها عن هذه الكاتبة, الا ان مساحة للحقيقة تظل شاخصة ثابتة في الذهن, هي ان جورج صاند قد اتبعت كل الاساليب الممكنة من اجل تحقيق ذاتها, ومن اجل تلك الحرية ولم تكن الكتابة الا واحدة منها وكانت ضرورية لامرين هامين, اولهما الحصول على المال وثانيهما الاستقلال الاقتصادي. واذا كان على المرء ان يعرف اية معلومات عن جورج صاند وحاجتها الى المال ولجوئها الى صديقها الخجول (شوبان) لتسأله بعد حصولها على الطلاق عما سيحدث بعد ذلك, لتجد ان لاشيء لديه غير الكتابة والكتابة فقط, فانه لن يحتار كثيرا في مثل هذا الامر الذي توجد عنه معلومات كثيرة جدا كما هو الحال بالنسبة لغيرها من كبار الكتاب, الا ان المهمة الاصعب ليست في اختيار المعلومات ولكن في فهمها لشكل سليم. عندما يأتي ذكر صاند, فان قصة حياتها المضطربة وتاريخها الاسري المليئين بالاشكالية, سيكونان المحورين الاكثر الحاحا بالنسبة لعدد كبير من كتاب السيرة والشيئان الاكثر تأثيرا في نفس القارىء, الذي ربما ساورته مشاعر مختلفة تجاه المرأة التي عاشت حياة اقل ما يمكن ان يقال عنها انها كانت (فوق العادة) , كما سيكونان بالنسبة للعديد من النقاد المعاصرين المكانين الصحيحين اللذين منحاها فرصة ذهبية لادراك الكثير من الامور, لعل اهمها ما يتعلق بجنسها كامرأة وبالاوضاع الطبقية السائدة في المجتمع الفرنسي في مرحلة ما قبل الثورة. واذا كان لابد لنا من سؤال عن جورج صاند, فان السؤال الاكثر بساطة والاكثر صعوبة كما يجيب عليه كتاب السيرة المحدثون, وعلى رأسهم (بيلندا جاك) الاكاديمية والمختصة في الأدب الفرنسي هو ماهية جورج صاند الروائية التي فاقت شهرة مؤلفاتها. ولدت (أورو دوبان) الابنة غير الشرعية لأب ارستقراطي في باريس سنة ,1804 توفيت باسم جورج صاند سنة 1876. وعاشت صاند طفولتها مع والدها الذي أغدق عليها الكثير من الحب, لكنها ما لبثت ان انتقلت الى احدى المناطق البعيدة لتعيش في كنف جدتها بعد وفاته, وقد عاشت حياة مطمئنة فترة من الزمن قبل ان تبدأ حياتها العائلية بالتوتر, وهو الأمر الذي سبب لها ألما شديدا طوال حياتها قادها الى البحث الطويل عن الحب الذي لم تجده في أمها التي تخلت عنها, ثم أخذت تعود اليها في فترات متباعدة, وكانت الصغيرة تستمتع بلقائها وبحضورها لحفلات كانت تحرص فيها الأم على ان تظهر فيها ابنتها بملابس الصبية منذ ان كانت في الرابعة من عمرها. تزوجت صاند وأنجبت وهي في سن مبكرة, كما سادت زواجها الذي لم يدم طويلا الكثير من الفوضى والاضطراب الذي أنهى حياتها العائلية هذه المرة, لتجد نفسها في باريس مرة اخرى ثم يحولها الألم في نهاية الأمر الى كاتبة ينظر اليها الجميع كثروة وطنية. في باريس كانت صاند تكتب من أجل المال, كما كانت تكتب من أجل تلك القيمة الجمالية الفنية, واحيانا, وعندما أدركت ان ما أدى الى رواج أول عملية روائية لها, كان أحدهما بعنوان (انديانا) والآخر بعنوان (ليليا) , هو خروجهما عن المألوف وسبرهما العميق لأغوار كانت تعتبر في غاية الحساسية في ذلك الوقت, نظرا لتعرضها لأمور تدور حول العلاقة بين الجنسين, وللموضوعات الجنسية لدى المرأة على وجه الخصوص, وهو ما يرى العديدون انه تجسيد لوعي ذاتي ولد مبكرا لدى الكاتبة. بدأت بالكتابة باسمها المستعار (جورج صاند) الذي يمثل في حد ذاته واحدة من محاولات التهرب من الواقع الاجتماعي القاسي الذي لم يكن ليعترف للمرأة بحق العمل مع الرجال, او الاشتغال بالكتابة, وهو الامر الذي اضطر صاند الى مشاركة (جولي صاند) احد الكتاب المعروفين الذين ارتبطت معهم العلاقة عاطفية قوية, (اسمه العائلي) وعملها القصصي الاول, بينما ظل اصدقاؤها من كبار الكتاب والمعجبين بكتاباتها يتابعون بإعجاب اسمها الجديد (جورج) الذي احدث ثورة كبيرة غير متوقعة في عالم الكتابة (الذكوري) في باريس في ذلك الوقت ولم يكن اي من تلك الاعمال الروائية الاولى لصائد الا مرأة حقيقية صورة الكاتبة في شبابها. وفي الوقت ذاته, الحقت هذه الاعمال ضررا كبيرا بسمعتها انذاك وبخاصة لدى اقترانها بالتمرد على الاعراف الاجتماعية السائدة بدءا بالمؤسسة الزوجية وانتهاء بالمساواة بين الجنسين ومناصرة الحركة النسوية. عملت صاند بالصحافة وهي الفترة ذاتها التي تعرفت فيها على الكاتب الكبير (بلزاك) احد زملائها في جريدة (لوفيجارو) كما اتسعت دائرة معارفها في الوسط الثقافي والادبي لتشمل العديد من من الاسماء المعاصرة مثل (دولاكروا) و (فلوبير) و (شوبان) وهي شخصيات وجدت طريقها بسهولة الى عالم صاند الابداعي القصصي كما وجدت طريقها الى مراسلاتها الشهيرة. ومع ان صاند كانت قد تميزت بأسلوبها المنمق المفرط في الكتابة الذي يبدو غريبا بعض الشيء على ايامنا هذه الا ان القارىء لأعمالها يلمح بسهولة تلك الشخصية المميزة القوية. ومع انه قد يبدو احيانا ان من الصعب جدا معرفة كل شيء عن صاند, الا ان هذه الكاتبة قد توفيت بعد حياة حافلة بالعلاقات العاطفية وبالكتابة وبالصداقات وبالتوتر والفوضى العاطفية وبالتنقل والمشاحنات وعدم الاستقرار ودفنت في (نوانت) المنطقة البعيدة التي عاشت فيها ايام طفولتها المبكرة الهادئة. وكان فلوبير هو اكثر المنتحبين على قبرها واذا لم تكن هي او احد مؤلفاتها او كتاب سيرتها قد استطاعوا ان يجعلوها تعيش طويلا في اذهان الناس, فإن هذا الكاتب قد فعل عندما كتب لها رائعته القصصية الشهيرة (قلب بسيط) شيء جميل للمرأة التي عشقها كثيرا, كما عشقها الاخرون واعتبروها احد اهم رموز الوطنية والاشتراكية, وكانت مبيعات كتبها تسجل ارقاما خيالية وتأتي في المرتبة الثانية بعد (فيكتور هوجو) ولما توفيت لم يخجل الكثيرون ممن كانوا يعتبرون انهم من اهم الشخصيات السياسية والفكرية في ذلك الوقت من السير في جنازتها ومنهم الملك (نابليون الثالث) والكاتب الفرنسي الكبير (الكسندر دوما) . جورج صاند (1804 ـ 1876)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات