استراحة البيان: لائحة تنظيم ... اللصوصية! يكتبها اليوم- محمد الخولي

اسمه عثمان الخياط ... صادفني وأستأثر بجزء من اهتمامي بالامس القريب .. لم يكن السيد المذكور خياطا ولا اشتهر بأنه امتهن هذه الحرفة في زمانه ولكن حاز لقبها لاسباب اخرى مؤداها ان الاخ عثمان كان ـ اعزك الله ــ من اعيان اللصوص في بغداد على زمن صاحبنا الاثير ابي عثمان الجاحظ وتصادف ان عثمان اياه نقب دارا ليسرقها وفتح فيها ثغرة محترمة اتاحت له دخول الدار ومن ثم الخروج منها في أمان واطمئنان ... لا صاحب الجندرمة لمحه ولا الاخوة من سلاح العسس وفيلق البصاصين ( المخبرين والمرشدين) سمعوا بأمره ولا رصدوا فعلته .. ولعلهم ظلوا يرددون في المقاهي والاسواق العبارة الخالدة التي رددها أقوام وعسس من بعدهم بأجيال: ان بغداد ــ والحمد لله ــ هي بلد الأمن والأمان. الحاصل ان الاخ عثمان الخياط ــ يضيف الجاحظ ــ انجز مشروعه وسرق الدار المنيفة الفارهة ثم عمد الى الثغرة التي نقبها في الجدار فأعاد بناءها كي يسد النقب ويبدو انه كان في حال من المزاج الرائق, ان لم يكن المهارة الحرفية العالية ــ فكان ان سدها على ادق ما يكون من فن البناء .. بل نقول انه رتقها مثل اي (رفا) محترف فلم يعرف احد من بعد اين كانت الثغرة ولا كيف كان موقعها من الجدار .. وبعدها تحول اسم صاحبنا من عثمان الحرامي الى عثمان ــ الخياط كأنه حاك الجدار كمن كان يرفو ثوبا حتى لايبين اثر لمزقه في نسيجه او تقطيع. وبمناسبة حكاية الرتق او الرفو مازلت اشعر بغصة قديمة من ايام الصبا الاول أعود من المدرسة الابتدائية مخترقا شارع الوافدية الفاصل بين حي المنيرة الراقي وقتها وحي السيدة زينب الذي كنا نسكنه ولم يكن راقيا بطبيعة الأحوال ــ فإذا بي أصادف في الصباح والمساء اللافتة التي ما زلت أذكر تفاصيلها, وكم في الذاكرة من أعاجيب وتقول: الرفا تهامي الأباصيري مستعد لاصلاح كل أنواع الثياب والسجاجيد .. يعيد لك بدلتك كالجديدة. كنت ألمح أمام المحل زبائن أعرف عنهم رقة الحال .. نساء فقيرات .. صغار موظفي الحكومة (كان منهم فئة تسمى الموظفون المنسيون) ناس .. معارف أو جيران على باب الله يأتون الى محل العم الاباصيري وفي ايديهم حزم ملفوفة لزوم الستر تحوي ثيابا خَلِقه (افتح الخاء واكسر اللام .. ولا تخف) او بعضا من قناع اصبح في حكم الرث المتهالك اما بفعل الزمن الغدار او بمؤامرات قوارض العته ولا تستبعد ايضا الجرذان .. لكن ما باليد حيلة..فهم يأملون في احياء الرميم, ورفو الممزق وجبر المقروض وسد المقطوع وكم كنت المح الاسطى تهامي في مذهبي الى معهدي او منصرفي بعد يوم الدراسة الطويل المرهق. (كنا ايامها في يوم الدراسة الكامل من فلقة الصباح الى ما بعد العصاري) .. وكانت انامله المسودة تجوس خلال ما يمسكه من ثياب, لا تكاد تلمح الانامل وهي تجري في خفة وسرعة ورشاقة بابرة لا تكاد تلمحها العين.. كل ما يروعك لمعة تبرق هنا او هناك او ومضة شعاع هبطت من الخواتم الفضية التي كانت تزين اصابعه البالغة المهارة. اذ هي تجوس في اوصال رداء لعله سيكون ثوب زفاف يرسم بسمة امل على شفاه عروس فقيرة او قميص من قماش فاخر او كان كذلك في يوم غابر.. وهاهي الاصابع الماهرة تجهد كي تعيده الى رونق مرحلي مصطنع فتسد الخروق وتعالج ما افسدته يد الدهر.. وربما يلبسه صاحبه في مقابلة مرتقبة يجني من ورائها كسبا ولو بعض دراهم وقد يفوز بوظيفة ولو على سبيل سد الرمق او اقامة الأود او حتى كف اليد عن السؤال.. اذ كانت فرص العمل عزيزة .. ان لم تكن نادرة في تلك الايام. هذا ما كان من امر المعلم تهامي الاباصيري في ايام طفولتنا.. السعيدة رغم كل شيء. اما ما كان من امر الاخ عثمان الخياط فقد صادفناه كما قلنا لك في الاسبوع الماضي اذ كنا نقرأ شيئا من ادبيات الجاحظ العظيم وكان يتحدث في ثرثرته الطلية المعتادة عن فئة الشطار والعيارين التي شهدها العصر العباسي وتطرق الى ذكر حكاية عثمان الخياط هذا بوصفه زعيم هذه الفئة, وكانت فئة تتعاطى امور السرقة والصعلكة وقطع الطريق وكيف لا .. وها هو زعيمهم لا يتورع عن نقب بيوت الناس ونهب ما تحتويه تلك البيوت. ولاننا مولعون ـ كما قد تعلم ـ بأمور التراث فقد آثرنا ان نتبع حكاية هؤلاء الشطار او السراق او العيارين من ثبت الى ثبت ومن مظان الى اخرى, ومن مرجع الى غيره من المراجع المحدثة او القديمة ما وسعنا الجهد وهو جهد الفقير الضعيف, جهد المقل كما يقولون ها نحن نصنع عملا عميقا وطريفا وضعه الاديب الراحل هادي العلوي بعنوان (قاموس التراث) واذا بنا نصادف سي عثمان الخياط مرة اخرى ولكن بقدر اوسع واطرف, والحاصل ان عثمان هذا لم يكتف بسرقة عباد الله ـ الموسرين بالذات في بغداد القديمة ولا اكتفى بممارسة فن الرتق والرفو في بيوت الناس.. ولا حتى بزعامة حرامية ذلك الزمان البعيد.. لقد عمد في همة قعساء كما قد نقول الى (مأسسة) الموضوع بأكمله.. بمعنى تحويل العيارين او المتشطرين او اللصوص الذين يقودهم من عصابة إلى فئة اجتماعية. بل إلى مؤسسة لها تقاليدها الخاصة واعرافها المحددة.. كيف لا.. وقد شمر عن ساعد الجد مستدعيا ولا شك مهاراته الإدارية وعقليته التنظيمية التي أدار بها شؤون عصابة اللصوص التي كان يرأسها ومن ثم خلف لنا عثمان الخياط لائحة تنظيمية وبالتفصيل لتكوين وتسيير فرقة اللصوص البغدادية وجاءت اللائحة على شكل تعاليم فيما يجوز وما لا يجوز.. فحتى اللصوص لهم قوانين وأعراف وتقاليد.. ومن بنود اللائحة مثلا: * عدم ارتداء الأحذية الثقيلة (طبعا يفضل النعال الخفيفة والا سمعك أصحاب الدار فبكسوك أو عاقك ثقل الحذاء عن الركض خلال قطع الطريق). * عدم ارتداء العمائم أو القلانس وضرورة ارتداء الأقنعة التي تخفي الوجوه بدلا منها (والأمر هنا مفهوم خاصة عند فئة معتادي الاجرام). * تفضيل التسالي بالفول المجفف وهو بسيط ورخيص وابن ناس بدلا من الفستق أو الجوز وثمنهما غال كما هو معروف. * تربية الديكة والكلاب وعقد مباريات المهارشة بينها لازجاء الفراغ من جهة ولاذكاء روح التنافس وحمى القتال في نفوس السادة الأعضاء. اللصوص من جهة أخرى. * النهي عن الاستماع إلى موسيقى العود على أن تستبدل بها موسيقى آلة الطنبور, ولا نكاد نجد مبررا لهذا اللون من الاحلال الموسيقي, اللهم إلا إذا كانت لائحة السراق تقصد ان أوتار العود فيها قدر كبير من الحنان والرقة وهو ما لا يتفق مع نوع التربية - الجمالية - عند أهل الكار. * الا يسرقوا فقيرا ولا امرأة ولا جارا ولا إنسانا معروفا بالجود والسخاء ولا يردوا على الغدر بالغدر. * في حالة (مشروع) السطو على أحد المنازل على (الاخوة) اللصوص أن يراعوا الاكتفاء بسرقة (نصف) محتويات ونفائس المنزل المسروق بمعنى أن يتركوا لأهله النصف الآخر كي يواصلوا حياتهم ولا تنكشف سترهم (وقد تتصلح أحوال أهل المنزل - الهدف ومن ثم يصلح للسرقة مرة أخرى). هكذا كان للعيارين.. ما يمكن أن نبالغ فنطلق عليه اللائحة التنظيمية أو هي الميثاق الاخلاقي وقد توغل حين تصفها بأنها (ميثاق شرف) ينظم مؤسسة السرقة في المجتمع العباسي ويقال ان هذه المؤسسة ورثت بدورها مؤسسة الشعراء الصعاليك التي نشأت منذ العصور الأموية الأولى.. وكان قوامها فئة من الشبان الذين شعروا بالاحباط ازاء ما آل إليه حال المجتمع الإسلامي بكل ما أحياه في عصره الذهبي الأول - صدر الإسلام وحقبة الراشدين من آمال وفروسية ونبالة وفتوحات تحريرية في امصار المشرق والمغرب.. من هؤلاء الشباب من انخلع من سياقه الاجتماعي وأعلن عصيانه على أعراف المجتمع وتمرده ضد كل شيء. فكان ان خرجت جموعهم إلى البراري والبوادي.. يقرضون الشعر ويقطعون الطرق ويحطمون التقاليد.. وإذا كانت هذه الظاهرة قد بدأت بتلك الفئة التي عرفها أديبنا باسم الشعراء الصعاليك فربما أفضت مع العصر العباسي إلى فئة أخرى أقل وأدنى هي (الشعراء اللصوص) .. وكان معظمهم كما كان قطاع الطرق أو كما كان التعبير يقول أيامها (مخيف السبيل) أي الفرد الذي يمارس ترويع السابلة وهم يجتازون الطرق والمسالك.. ومنهم من كان يسف في سلوكه فينهب الناس أي نهب - ومنهم من كان يعمد إلى سرقة الأغنياء الذين لا يدفعون الزكوات أو كما كانوا يعبرون وقتها أيضا كان يخمس مال الله أي يقتضي الخمس (بضم الخاء) ومن ثم يوزعها بمعرفته على الفقراء والمحتاجين. وفي هذا يقول أبو نواس مهددا بسلوك درب اللص . درب هؤلاء الشعراء المغامرين - درب اللص الشريف على طريقة العباسيين: سأبغى الغنى: اما نديم خليفة يقيم سواء, أو مخيف سبيل ليخمس مال الله في كل فاجر وذي بطنة للطيبات أكول كان أبو نواس يريد أو يهدد بأن يكون عيارا أو شاطرا.. وللعيارين والمتشطرين والشطار في درب العربية وتاريخ العرب.. قصة تروى.. فانتظر!

طباعة Email