استراحة(البيان)، يكتبها اليوم: كامل يوسف

حكايات على شاطىء المحيط، يا أولاد الحلال, يا أبناء الناس الطيبن, قولوا لي, نوروا عليَّ, نوَّر الله قلوبكم... ما هي بالضبط حكاية التاريخ معنا؟ أو ما هي على وجه الدقة حكايتنا معه؟ وقبل ان نضل الطريق, ليت من يعرف يحدثني بجوهر الأمر. هل التاريخ سنوات وأحداث؟ هل هو ملوك وأبطال؟ هل هو سيوف تهدم امبراطوريات وتبني أخرى؟ هل هو فرسان يكرون وجنود يزحفون؟ أم انه أناس يقصدون وجد الكريم ويبحثون عن خبز الصغار فيأتي (عقل مكار) ويحيل عروقهم إلى عبقرية تصنع أحداثا لم تخطر لهم على بال؟ لا أعرف, بالضبط. ولكنني أعرف أنني كلما تأملت في تاريخ منطقة الخليج, وتابعت الاهتمام الجميل الذي يتجدد به هذه الأيام, وجدت نفسي في رحلة فضولية, تبدأ ثم لا تنتهي. ولكي لا نضل الطريق, في غابة الأسئلة وأدغال علامات الاستفهام, دعنا نبدأ الرحلة من طرف خيط محدد, فقد تعددت التقارير, مؤخرا, عن حماس الامارات إلى جانب عدة دول أخرى للانضام إلى التجمع الاقتصادي للمحيط الهندي. وهو حماس مفهوم, وفي موضعه, لأن هذا التجمع إطار آخر لتحقيق مصالح لاشك في أهميتها, وهو أيضا يعيد أصداء تاريخ ممتد, تتابعت الأحداث خلاله على شواطىء هذا المحيط, ولم يخل أي منها من تأثير حقيقي في مناطق نائية على شاطىء هذا المحيط. هنا, بالضبط, تبرز الأهمية الكبيرة لكتاب (امبراطوريات الرياح الموسمية) لمؤلفه الانجليزي ريتشارد هول, والذي يرتفع سقف طموحه إلى محاولة سرد ألف عام من تاريخ المحيط الهندي. سأدع للمختصين في التاريخ تقويم مدى دقة الجهد, الذي يقوم به هول على امتداد 575 صفحة من القطع الكبير. لكنني, والكثيرين من محبي تتبع تاريخ الخليج معي, لا نملك إلا النظر إلى هذا الكتاب, ومثله كتب أخرى مهمة, وإن كانت قليلة صدرت مؤخرا, على انه حكايات, لها العجب, والمهم من يقرأ, ومن يسمع, ومن يخرج بالدروس والعبر. والبداية تكاد تضرب جذورها في الأساطير. فنحن أمام عجائب الهند, وكنوز الصين, وأمام لغز بلاد واق الواق, التي نعرفها من حكايات ألف ليلة وليلة, ونقرأ هنا أصلها العلمي, ربما للمرة الأولى. والحكاية التي تهمني, وأحسب أنها تهم القارىء الخليجي, في سيل الحكايات هذا الذي لا ينقطع, تدور حول المحيط الهندي, الذي يبدو لنا منذ البداية المبكرة بحيرة عملاقة, تعيش في سلام, وتجانس بعضها مع البعض الآخر, وتمضي حياة شعوبها ما بين هجرات وتجارة وانتقال مسالم وحياة وادعة. المشكلة الحقيقية في هذه البحيرة الوادعة, وربما هي مشكلة عالمنا العربي اليوم, أن الجميع يتصرف ويتحرك ويعيش ويأخذ القرارات على أساس ما هو قائم اليوم, وما هو استمرار للأمس, وليس على أساس ما يمكن أن يحدث في الغد. ربما لهذا, بالضبط, تحول هذا المحيط ــ البحيرة إلى شلال من دم, مع اقتحام البرتغاليين له, ذات صباح مشؤوم, عن طريق رأس الرجاء الصالح. جاء البرتغاليون بسفن طورتها مغامرات هائلة, ومدافع تحملها هذه السفن وتمتص صدمة ارتدادها من دون ان تغرق, واكتشفوا أنه ليس في المحيط الهندي كله كيان بحري يمكن أن يتصدى لهذا المزيج من المرونة في الحركة وطاقة النيران, الذي يدعم شهوة عارمة إلى كنوز الشرق وتوابله وذهبه وأحجاره الثمينة, وإلى امتلاك الدنيا بأسرها, لا أكثر ولا أقل, من البرازيل إلى الصين. لسوف يروعني, مثلما يروعك, أن تعلم أن البارود كان معروفا في المحيط الهندي, لكنه كان يستخدم في الألعاب النارية, فتأمل. وسوف يثير دهشتي, مثلما يثير دهشتك, أن المدافع لم تكن بعيدة عن خيال أبناء هذا المحيط, لكنهم لن يضعوا يدهم عليها, ولن يوظفوها في الدفاع عن أمنهم, عن صميم وجودهم, إلا بعد ان تصبح شواطىء محيطهم نثارا من حطام وعظام ودماء وصراخ ودخان ولهيب. القوة البحرية الوحيدة التي ستحاول التصدي لنيران السفن البرتغالية هي أساطيل الامبراطورية العثمانية العتيدة, المرسلة من القلزم ــ السويس المعاصرة ــ عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب, وصولا الى حيث ستلقى نهايتها الفاجعة في معركة ديو البحرية, وتلك وحدها قصة تروى, والخيانة تلعب دورا مروعا في فصولها الدامية. ومن يومها لن يقدر لأحد أبناء المحيط ان يرفع لواء التحدي للبرتغاليين, الا عندما يعد أبناء الخليج هذا المزيج المدهش, من الشجاعة والمهارة البحرية والسلاح, الذي سيتصدون به للبرتغاليين, ومن بعدهم لباقي القوى الأوروبية الغازية لمياه المحيط. ولكنني في قلب هذه الدراما أتمنى عليك أن تتوقف معي, لترقب بعض المشاهير... ثم لتتأمل, وتربط الماضي بالحاضر, وربما بالمستقبل. تاريخ هذا المحيط يعلمنا أن فرانشيسكو داالميدا, القائد البرتغالي الذي حطم الأسطول العثماني في معركة ديو البحرية في 2 فبراير 1509 وقضى قضاء مبرما على أي وجود للقوات التركية في المحيط, لقي حتفه بحربة افريقية قصيرة, على الشاطىء الجنوبي للقارة, فيما يمكن وصفه بأنه شجار أو (خناقة) مع السكان المحليين في رحلة العودة إلى البرتغال, فتأمل. هذا الدرس القديم, وقوامه أنه في مواجهة قوة من هذا النوع ينبغي البحث عن مقتلها الحقيقي واستهدافه, وهو في هذه الحالة العنصر البشري للقوة الغازية, لم يتم استيعابه بشكل حقيقي, ربما حتى اليوم, واذا أردت الدليل, فادرس أرقام قتلى اسرائيل في الحروب مع العرب. مشهد آخر لابد من التوقف عنده طويلا, فقد كانت مملكة كاليكوت احدى أغنى واقوى ممالك المحيط الهندي, لكنها لم تجد ما تدافع به في مواجهة نيران مدافع دا جاما الا ستائر متصالبة من أخشاب النارجيل المعروف باسم جوز الهند, فتأمل! مشهد, بل مشاهد, حيث يحتل الصدارة الفونسو دا البوكيرك الذي تحدثت عنه كتب التاريخ مطولا, والذي لقي حتفه فجراً مع دخول سفينته الى ميناء جوا في 15 ديسمبر 1515 يعلمنا من خلال فيض من الدم ان من يأمن لغاز, ومن يتوهم السلام مع من شريعتهم القتل, سيدفع الثمن غاليا, ولو بعد حين. ومشهد بانورامي آخر, هو تعاون بعض حكام الحبشة مع البرتغاليين ضد القوى الاقليمية, وهو التعاون الذي سيدفع الحبشيون ثمنه غاليا, الى حد انهم في وقت لاحق سيكرهون كل ما هو أبيض لأنه يذكرهم بالبرتغاليين. وأواصل التأمل, وأدعوك الى التأمل معي, ولكنني لا أملك الا ان أقول: يا أولاد الحلال, يا أبناء الناس الطيبين, هل آن الأوان لاهتمام حقيقي بتاريخ الخليج؟ هل آن الأوان لفتح ملفاته واخراج دفاتره وجعلها جزءا من الذاكرة الحية لأبناء اليوم ولأطفال الغد؟

طباعة Email