EMTC

استراحة البيان: أوجلان:بقلم- محفوظ عبدالرحمن

بدأت كتابة استراحة (البيان) منذ وقت يخيل الى أنه الف عام. ومازلت مندهشاً لأنني أكتب بانتظام طوال هذه الفترة وأنا الفوضوي الذي لا يستطيع الكتابة إلا حسب المزاج. ولكنني طوال هذه الفترة الزم نفسي بوقت معين للكتابة وكأنني آلة من حديد ونحاس . وأحس انني سأتمرد ذات لحظة على نفسي وعلى (البيان) وعلى كل القواعد وطوال هذه الفترة أخذت نفسي بالبعد عن السياسة, وحاولت أن انفذ قراري هذا قدر ما استطيع فالسياسة هي خبزنا اليومي, وتختلط بكل شيء في حياتنا. وقد يتوهم أحدهم أن بعدي عن السياسة كان بطلب أو أمر من إدارة (البيان) لتصورها أن آرائي قد تسبب إزعاجاً ولكن هذا ليس صحيحا, لأنني لم أر أحداً من (البيان) حتى الان! ولا تصبك الدهشة يا عزيزي. فلقد بدأ الأمر باتصال تليفوني يعرض علي أن اكتب مقالا أسبوعيا. وكنت اعتذرت أكثر من مرة عن عروض مشابهة. وفي بعض الأحيان كان من يعرض ذلك صديق عزيز. ومازلت أخجل من أحدهم كلما قابلته لأنه ظل يعرض علي الكتابة لأكثر من عام واعتذرت ثم هو الان بالتأكيد يقرأ مقالاتي في (البيان) . وأنت يا عزيزي القارىء تقرأ كاتبك بذكاء يفوق أحيانا ذكاء كاتبك. ولذلك تتوقع أن اكتب انني فضلت (البيان) على أي مكان آخر. وها أنا أخيب توقعك, لا لأنني أريد أن أهزم خيالك, ولكن لسوء حظي لأن هذا لم يحدث, وإلا لكنت تباهيت به أمام (الإدارة) وكسبت رضاهم ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي أوافق فيها على شيء أو أرفض شيئا دون تفكير طويل رغم أنني من انصار العقل, ذلك لأنني في هذه الأمور أؤمن بالحس أكثر من التفكير ورغم مرور شهور طويلة منذ بدأت الكتابة في (البيان) لم أحس لحظة بالندم, وان كنت انتظر بلهفة اللحظة التي يقال لي فيها: كفى! فلقد أفسد النظام حياتي. ومنذ أن بدأت هذه العلاقة الغريبة التي تعتمد على التليفون والفاكس لم أقابل أحدا من المسؤولين عن التحرير, والوحيد الذي قابلته هو الاستاذ جلال عارف في زيارة وحيدة لمكتب القاهرة. لهذا كله أقول ان الإدارة لم تتدخل في ابتعادي عن السياسة, إنما كانت محاولة مني أن ابتعد عما يوجع القلب, وربما أيضا عما لا أجيد الحديث عنه, ولكن هذا العنوان الذي يعلو هذا المقال (أوجلان) ظل يطاردني عدة اسابيع. ويقفز الى خيالي كلما وضعت أوراقاً أمامي لأكتب. ويدفعني دفعاً الى البحث عن القناة الكردية لأتابعها وأنا لا أعرف حرفاً واحداً من اللغة الكردية, وهى لغة مكتوبة, ولقد قرأت عدة أعمال أدبية مترجمة عن الكردية قد أحدثك عنها ذات يوم, وللغة الكردية قصة في حياتي أظن أنني حكيتها لك في هذا المكان ذات يوم, ذلك انني كنت في مهرجان بغداد المسرحي, وكانت العروض أكثر من طاقتنا على المتابعة ولذلك كنا نختار من بين هذه الأعمال بمقاييس مختلفة, وذات مرة اختار لنا الشاعر والناقد اللبناني الكبير بول شاؤول احدى المسرحيات لنشاهدها في مساء هذا اليوم, فلما سألته مندهشاً عن سبب اختياره قال ان مؤلفها ومخرجها وممثليها غير معروفين لنا فهم اذن من الشباب الذي يجب علينا أن نتعرف عليه, وذهبنا سبعة أشخاص أو ثمانية الى المسرح, واستقبلنا بعض الشباب في دهشة حاولوا اخفاءها, وجلسنا لتنفرج الستارة عن مسرحية باللغة الكردية التي لم نفهم منها شيئا. ولم أكن اتابع القناة الكردية لأعرف منها الاخبار. أو لأعرف وجهة نظرهم في الأحداث التي احاطت بأوجلان إنما فقط كنت أحدق بحزن شديد في صورة هذا الرجل. وأنا لا أريد أن أناقش القضية الكردية, فلقد حرت في دروبها,. وليس لي بعد موقف نهائي. لكنني حزين لهذا التوتر بين العرب والاكراد, والعرب والبربر, هل عجزنا خلال قرون طويلة عن الانصهار مع الاقليات رغم أن الأكراد قدموا لنا صلاح الدين الأيوبي, والبربر قدموا لنا طارق بن زياد, فإذا أضفنا إليهما قائدنا العربي خالد بن الوليد, لكانوا أعظم قادتنا العسكريين في نحو الف وخمسمائة عام. وأنجز كل منهم إنجازاً هائلاً. فأولهم خالد بن الوليد هو الذى دعم الإسلام في معاركه الأولى, وقلم أظافر الامبراطورية البيزنطية في (اليرموك) , وثانيهما طارق بن زياد نقل العرب الى أوروبا ليدوم وجودهم في الأندلس كل هذه القرون. أما ثالثهم صلاح الدين, وكان السد المنيع أمام الزحف الفرنجي وقد أسمينا حروب الفرنجة بالحملات الصليبية. وهكذا استبدلنا الاصطلاح العربي القديم, حرب الفرنجة باصطلاح أطلقه الأوروبيون على حملاتهم ليروجوا لها في أوروبا, فقالوا إنها دفاع عن الصليب أي عن الدين. وفي الحقيقة كانت تجارة بالدين, وبحثاً عن الأسواق والمستعمرات وطرق التجارة. وها هو أحد أحفاد صلاح الدين يرى أمته ممزقة بين عدة دول, تعامل في إحداها بالحسنى, وتضطهد في أخرى, وتباد في ثالثة.. فأراد أن يجمع هذه الأمة المشرذمة في دولة واحدة, بعد أن فاقت الجزائر في عدد شهدائها. ولكن مأساة عبدالله أوجلان أنه أتى في الزمن الأمريكي, وأمريكا تجلس على جزيرتها الكبيرة متخففة من ثيابها وقيمها وأخلاقها أمام جهاز كمبيوتر معقد تدير به الدنيا وتتحكم في مصير الناس, وأهوائهم, وتنتشي بالقوة, فيزداد تدخلها. حتى لتختطف منك أولادك تلبسهم كما تشاء, وتطعمهم بطريقتها, وتصب في عقولهم قيمها بالأفلام والمسلسلات والأغاني, وأنت ــ ونحن أيضاً ــ بلا حول ولا قوة لا نسطيع أن نقاوم هذا, فالطوفان أقوى من كل مقاومة. وحتى كل أبنائي دخلت معهم في مائة معركة لمنع دخول العالم الأمريكي الى بيتي. وعندما كانوا أطفالا كانت تصيبهم الدهشة. فالأمر لم يكن يعدو من وجهة نظرهم ألواناً حمراء وسوداء ونجوماً كثيرة على قماش أزرق. أراد عبدالله أوجلان ما أراد, هذا مالا نستطيع أن نعترض عليه فمن حق أي شخص أن يؤمن بما يريد حسب ميثاق الأمم المتحدة (سابقاً ــ الولايات المتحدة حالياً). ولكن أحداً لم يسمع عبدالله أوجلان ولا من سبقه إنما تسارع الجميع الى استخدام الأكراد ومن بينهم البريطانيون والإسرائيليون, وبمجرد أن صار لإسرائيل نفوذ على بعض الأكراد ومدتهم بالأسلحة, حتى اعتبرناهم أعداءنا. ولم ندرك البدهية الأولى, وهي أن إسرائيل ليس لها صداقات, إنما لها مصالح, ويوم تناقضت مصالحها مع الاكراد ساهمت في تقييد قائدهم وتسليمه الى من انتظروا, فلما تعارضت الثورة الكردية مع الغطرسة التركية, انحازت الى حليفتها تركيا. والحلف التركي الصهيوني موضوع آخر, ولكنني انوي أن تكون هذه آخر مرة اتكلم فيها عن السياسة, فأشير الى أن قلبي يدمى عندما اتابع هذا الحلف. فتركيا دمرت العالم العربي من الاسكندرونة الى اليمن, وامتصت خيراته مئات السنين, وزرعت فيه أسوأ النظم السياسية المبنية على مهنتهم الأساسية وهي الرعي: الراعي, والكلبة, والعصا! وكل تخلف نعاني منه الان نستطيع أن نعيده الى أيام الدولة العثمانية. ومع تغير العصر نريد أن ننسى, ولكن تركيا تأبى أن تنسى اساءاتها الى العرب. وهي في النهاية تنسى كل العلاقات التاريخية لتضع ايديها في ايدى الصهاينة. ووسط غابة من التعقيدات السياسية يجلس أوجلان معصوب العينين محاطا بعباقرة التعذيب خلال كل العصور. قال صاحبي: ماذا يحدث لو أن أوجلان اعتذر عما فعل. وطلب من قومه الاستسلام للأتراك. قلت له: أعتقد أن أوجلان أذكى من أن يفعل ذلك. فهو يعرف شهوة الترك للدم. ويعرف أنه مقتول لا محالة. وعليه أن يموت مثلما مات أبطال التاريخ تحت التعذيب دون أن يتراجعوا. قال لي صاحبي: أنت لا تعرف الوسائل التي يستخدمونها. لم يعد الأتراك يستخدمون العصي والخوازيق والمسامير. هناك وسائل تستند الى العلم أكثر قسوة, وآكد نتائج. قلت له: أعتقد أن الشعب الكردي أذكى من أن يؤثر فيه أي تراجع من أوجلان. فأوجلان الذي كان يحمل السلاح هو شخص آخر غير الذى عصبوا عينيه وأحاطوه بعباقرة التعذيب. ولكن مهما قلت لصاحبي كان قلبي موجوعا, رغم أنني حتى الان لم انته الى فهم واضح في القضية الكردية!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات