حكايات لم تكتب بعد، يكتبها اليوم: كامل يوسف

الكثيرون من أبناء الجيل الذي انتمي اليه, والذي يقف في الارض الصعبة بين نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات, كانوا محظوظين بلا حدود, حيث اتاح لهم قدر سحري ان يدرسوا على ايدي معلمين عظام, يعشقون عملهم, ويعطون من علمهم بغير قليل من الحب, وبكثير من التفاني . ربما لهذا, بالضبط, ليس بمقدوري نسيان هذه المجموعة المميزة من الاساتذة الذين فتحوا لي كتاب التاريخ, وجعلوني ادخل من اكثر ابوابه تشويقا: الحكاية, بحيث ان التاريخ , في نهاية الامر, يبدو قصة تبدأ ثم لاتنتهي, وتحفل بالشخوص والاحداث, والحكايات والتفاصيل , فاذا بك, في نهاية المطاف, امام نسيج حي, يجمع بين الحيوية والتدفق وبين السهولة واليسر, ثم لايغيب عنك في غمار هذا كله الدرس الكبير, وهو الوعي بما يربط هذا كله وبما ينظمه, وهو منطق التاريخ, اذا شئت استخدام هذا التعبير. ولكن ماهي بالضبط هذه الكيمياء السحرية التي تربط التاريخ بالحكاية؟ لماذا يتحول التاريخ الى شيء مشوق بلا انتهاء عندما يصب في قالب القصة والحكاية ويروى ويسرد؟ لا اعرف بالضبط, وليت من يعرف يقول لنا, غير انني اعرف ان ابنتي عندما طلبت مني كتابا عن تاريخ الامارات وجدت نفسي امد يدي الى نسخة من الطبعة الجديدة من كتاب د. فراوكة هيرد بي عن تاريخ الامارات, واقدمها لها. غير انني توقفت لحظة لأطرح على نفسي سؤالا, بدا لي صعبا حقا: ماذا لو كانت ابنتي لا تجيد الانجليزية التي صدر بها كتاب دكتوره فراوكه هيرد بي؟ ماذا لو انه لم يكن بمقدورها ان تتصل بالمؤلفة حيث تقيم وتعمل في ابوظبي لتناقشها في بعض تفاصيل الكتاب؟ ماذا لو ان ما كان مطلوبا هو كتاب باللغة العربية عن تاريخ الامارات؟ وجه الصعوبة في هذه الاسئلة هو انني لا اعرف من الكتب باللغة العربية عن تاريخ الامارات ما يتجاوز اثني عشر كتابا, وليت من يعرف يدلني على ما جهلته. هذه الحقيقة تبدو مثيرة للدهشة في بلاد تحفل بالمطابع ودور النشر, ولا تنقصها مراكز الدراسات والابحاث والمؤسسات العلمية والثقافية ولاتغيب عنها الكوادر المؤهلة ولا تفتقر الى الامكانيات الكفيلة بايجاد مكتبة متكاملة عن تاريخ الامارات. ويبقى السؤال اذا كان هذا كله متوافرا فلماذا لا نجد الا مجموعة محدودة وفقيرة حقا من الكتب عن تاريخ الامارات؟ لا اعرف الاجابة بالضبط, لكنني اعرف انه ببطء شديد, وعلى مهل بالغ, تشرع هذه الصورة الآن في التغير, فمثلما استوقفتني هذه الحقيقة, لا شك في انها استوقفت غيري ولابد انها استدعت - او هكذا ارجو - آلية قوية للتحرك لملء هذا الفراغ, تتصدى لها المؤسسات الثقافية في المقام الاول. وكل من طالع بحب وتعاطف بعض الكتب التي صدرت مؤخرا في هذا الاتجاه, مثل الكتاب الذي اصدره مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث وجمع فيه الدراسات والمقالات المقدمة لندوة الرحالة في شبه الجزيرة العربية, يدرك مدى المساهمة القيمة التي تقدمها الكتب التي بدأت تصدر في هذا الاتجاه. ولكن هل هذا كاف؟ ليس تماما, فتاريخ الامارات هو من الثراء والقوة والتميز, بحيث انه يستحق جهودا هائلة, تفوق بكثير ماهو قائم حاليا لتوثيقه وبحثه وتقديمه لاجيال اليوم والغد والمستقبل قريبا كان ام بعيدا. والجوانب المضيئة في هذا التاريخ لها اول, ولكن بالتأكيد ليس لها آخر, فهي تمتد من اول تجمع بشري طلعت الشمس على آثاره سواء في جزيرة ام النار او في جبل حفيت او في القصيص او غير ذلك من المناطق الأثرية, ثم تتوالى بطول وعرض امتداد الحياة على هذه الارض, وبطولات ابناء المنطقة في الدفاع عن ارضهم وفي الانطلاق منها عبر البحار والمحيطات تحتاج الى مجلدات لاحصر لها. لست ادري اين قرأت بالضبط ان بطولات مقاتلي رأس الخيمة وصلت في احدى المراحل الى حد بعثت معه الحكومة الهندية بأحد ضباطها الى ابراهيم باشا ابن محمد علي تقترح عليه توجيه بطاريات من مدافعه المتمركزة في قلب الجزيرة العربية للتعاون مع وحدات بحرية انجليزية في قصف رأس الخيمة , لكن الرجل الذي جمع بين البطولة والاقدام العسكريين وبين الحنكة السياسية لم يتردد في القول ان اعلام مقاتلي رأس الخيمة ستظل مرفوعة فوق قلاعهم وان ما يقترحه الانجليز عليه هو المستحيل بعينه, لانه آخر رجل في الدنيا يمكن ان يقصف رأس الخيمة. ومن المؤكد انني قرأت وقرأ غيري ملامح شتى من تاريخ الامارات ذي الصفحات المترعة بالبطولة والنضال والتضحية, ولكن من المؤكد بالقدر نفسه ان ما قرأناه كان بلغات اجنبية, ربما في مقدمتها البرتغالية, ويقينا الانجليزية والفرنسية. ودعنا هنا نتأمل مجموعة من علامات الاستفهام التي لابد لها من اجابات لكننا لم نحط علما بهذه الاجابات بالقدر الذي ينبغي ان يكون. فالى اين وصلت جهود تجميع الخرائط والمخطوطات والوثائق والمطبوعات البرتغالية التي تتعلق بمنطقة الخليج من قريب او بعيد؟ وماذا حدث بعد قطع شوط في مرحلة التجميع هذه؟ هل هناك اتجاه الى اصدار جانب من هذه الاعمال في سلسلة مطبوعة ؟ ام ان تجميعها وحده هدف في حد ذاته؟ والى اين وصل اقتراح استخراج كل مايتعلق بالامارات من وثائق مكتب الهند ووزارة الخارجية البريطانية وترجمته ونشره مادام اصبح ملكا للباحثين بحكم القانون الانجليزي ذاته؟ والى اين وصل اقتراح تجميع وترجمة ونشر كل كتب وتقارير الرحالة الغربيين الذين مروا بالامارات او اقاموا فيها ردحا من الزمن او كتبوا عنها في سياق رحلاتهم في منطقة الخليج؟ وبالمثل الى اين وصلت جهود توثيق التقارير التي وضعتها البعثات الأثرية التي قامت بابحاثها في مناطق شتى من ارض الامارات؟ وهل هناك اتجاه الى ترجمة ونشر هذه التقارير؟ ولماذا لايتم في المرحلة الاولى القيام بعملية تجميع شاملة لها. واذا عدنا الى ما سبق ان قلناه من ان التاريخ حكاية تروى فان تاريخ الامارات, كما هو بين ايدينا اليوم من خلال المصادر المتاحة باللغة العربية, يبدو اقرب الى فصول في حكاية تفتقر الى الانتظام والوضوح والتتابع, وكأنها في انتظار لحظة من زمن الشموخ يتخذ فيها قرار بضم هذه الفصول في سياق واحد شأن تاريخ كل الأمم التي تنظر بمزيد من الاهتمام الى هذا الجانب الفريد والمهم من جوانب وجودها. ولكن أليس ما نقوله هنا يعكس ظلما وغبنا لحشد من الباحثين والمختصين قاموا بمراكمة مواد قيمة تصلح قاعدة للانطلاق نحو بناء صرح المكتبة التاريخية التي نحلم بها للامارات؟ لا موضع لانكار ان مثل هذه الجهود قد بذلت وثمارها موجودة وماثلة بين ايدينا ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل ماتم انجازه كاف حقا مقارنة بما تنعقد الآمال على امكانية انجازه في المستقبل؟ ابتداء ليست هناك موسوعة واحدة ولو بشكل متواضع تتصدى لتاريخ الامارات ولو بأوسع المعاني, وليس هناك قاموس واحد يضم ثبتا شاملا لا للشخصيات التاريخية ولا للاحداث او الوقائع, وليس هناك مرجع شامل يغنيك عن غيره فيما يتعلق بتاريخ الامارات, من دون ان يساورك الشعور بالاحباط من الناحية المنهاجية حين تجد نفسك امام سرد للوقائع من دون تحليل للمنطق الكامن وراءها والذي يجعلها نسيجا حيا ومتكاملا كما سبق ان عبرنا. الامر الاكثر خطورة, في اعتقادي, انه ليس هناك كتاب واحد يقدم تاريخ الامارات للناشئة والصغار على اختلاف شرائحهم العمرية جامعا بين الحقائق والوقائع والصور والرسوم والبيانات الايضاحية. ولا يقل عن ذلك اهمية ان هناك مساحات من هذه البانوراما الهائلة التي نسميها تاريخ الامارات لا وجود لها على الورق, ربما لان مكانها في الصدور, او الذاكرة, او ربما لان احدا لم يكترث باعداد مشروع شامل لتجميعها, قبل ان تغيب شمس حياة من اودعت الوقائع في صدورهم وذاكرتهم. وقد يقول قائل انه في البعض من هذه المساحات يتداخل التاريخ مع النسيج الحي لحياة الناس, والرد الفوري على ذلك هو ان تلك سمة من سمات التاريخ المعاصر لكل شعوب الدنيا, لكنها لم تحل دون كتابة التاريخ او على الاقل دون تجميع وقائعه بشكل علمي تمهيدا للنشر والاصدار مرورا بالبحث العلمي المدقق في مرحلة لاحقة. وتبقى اخيرا كلمة تحية وتقدير من حق كل من كرسوا انفسهم, في صدق وتفان, لالقاء الضوء على تاريخ الامارات, من اساتذة وباحثين وكتاب ومؤلفين ومن المؤكد انهم يظلون جديرين بكل ما يمكن ان يقدم لهم من دعم ومن تشجيع لجهودهم, لانهم في النهاية يظلون الفريق الذي تعتمد عليه الامارات, في ايجاد الجسر الذي تعبر عليه اذهان اجيالها المقبلة وهي تربط وقائع الامس بآمال الغد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات