استراحة البيان: أعظم النجوم الآفلة! يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

عندما نلتفت الى هذا القرن وقد كاد ان يصل الى نهايته, سنجد ان ثلاثة رجال سيطروا على افكار الناس فيه, حتى نستطيع ان نقول ان عقل الناس خلال مائة عام كان ملكا لهؤلاء الثلاثة . وليس هناك انسان مثقف أو أمي الا وسمع شيئا من أفكار هؤلاء الثلاثة, بل واستخدم المصطلحات التي قدموها. ولقد بدأ القرن وهؤلاء الثلاثة يسطع نجمهم في سماء الانسانية وكأنهم أصحاب رسالات جديدة. والمدهش ان القرن انتهى وقد سقطت أفكار هؤلاء الثلاثة, وبدأت تدخل الحجرات السرية للتاريخ. وربما كان أقلهم شهرة ــ وهم جميعا في قمة الشهرة ــ هو تشارلز داروين الذي طرح فكرة النشوء والارتقاء. ولقد حاول البعض تبسيط النظرية إلى حد مخل, فقالوا ان داروين قال ان الانسان أصله قرد! أي ان نظريته التي تقوم على التطور تقول ان الحياة عندما بدأت على الأرض تمثلت في (الاميبا) أو الخلية الواحدة, وان هذه الخلية تطورت الى الحيوانات البحرية ثم البرية أحيانا حسب نظرية البقاء للأقوى وأحيانا حسب نظرية البقاء للأفضل. ثم تطورت هذه المملكة الحيوانية الى الانسان. وحاول داروين ان يبحث عن الحلقة المفقودة بين القرد والانسان!! وبالطبع تجاهلت هذه النظرية خلق آدم وحواء, وصراع قابيل وهابيل, والبدايات الدينية للبشرية. ولأن الداروينية كانت شائعة جدا في بدايتها, فلقد كانت سببا في موجة الحاد اجتاحت أوروبا, بل وبعض البلاد الاخرى. وأول من روّج للداروينية في البلاد العربية ــ على ما نعرف ــ كان الكاتب اللبناني شلبي ميشيل, وأعتقد ان كتبه موضع دراسة المتخصصين اذا أرادوا, لكنني ــ ولست مختصا في هذا ــ حاولت العثور على كتبه عبثا. ومن الطريف انني عثرت له على كتاب واحد هو مسرحية بعنوان (غليون) الذي كان امبراطورا لألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وتاريخ صدور الكتاب عام 1916 ولم يذكر أحد شيئا عن هذه المسرحية, ولم يذكرها سلامة موسى رغم انني اقتربت منه كثيرا في نهاية حياته. ولقد فوجىء أصدقائي عندما عرفتهم بهذه المسرحية, وأخذها الدكتور غالي شكري ليكتب عنها, وتوفي ولا أدري هل كتب عنها أم لم يفعل. المهم انها لم تعد لي. والكاتب الثاني الذي روج لأفكار داروين كان سلامة موسى ولقد أصدر في ذلك عدة كتب. وكان يبسط الأشياء أحيانا بشكل مفزع. وكما قرأت له في المدرسة الثانوية وأفزعني وصفه الكائن البشري بأنه (بالون) له ثقبين! ولم يكن هذا يصدق على الرسم التوضيحي للجسم الانساني المعروض في المدرسة, والذي بدا لي آنئذ ــ وما زال طبعا ــ شديد التعقيد. ولقد بهتت أفكار سلامة موسى كما وضحّتُ في هذا المكان منذ شهور طويلة. وان كان تأثير سلامة موسى في أجيال واضحا وبالذات في نجيب محفوظ. أما الرجل الثاني الذي وضع بصمته على القرن العشرين فهو عالم النفس النمساوي سيجمود فرويد الذي أرجع كل السلوك البشري الى الجنس. ولفرويد كتاب هام جدا هو (تفسير الأحلام) واذا لم تكن قد قرأت الكتاب سيبدو من عنوانه خفيفا مسطحا, فهناك كتب كثيرة عن تفسير الاحلام. معظمها شديد التفاهة. وبعض الكتب تدعي الجدية. ونحن صغار كنا نسمع عن كتاب أبي معشر عن انه كتاب خطير في تفسير الاحلام, وما شابهه. ولكنني عندما قرأته لم أجده يختلف عن غيره الا في محاولة ان يكون رصينا. ولكن كتاب فرويد يعتبر من أهم ما كتب في علم النفس ان لم يكن أهمه. وكان فرويد فظا في إرجاع الدوافع الانسانية الى الجنس. وهو الذي ابتكر عقدة أوديب والكترا, وغيرهما من العقد. وبمناسبة هذه العقد أذكر ان خادمة كانت تقول لنا ان لديها (عقدة نفسية) من الأماكن العالية. وكانت الخادمة أمية, ومع ذلك كانت تستخدم مفردات فرويد. ومنذ البداية تعرض فرويد للهجوم واحيانا للسخرية. ولا أظن ان مهنة تعرضت للسخرية على المسرح وعلى شاشة السينما مثلما تعرض علماء النفس. ورغم انه في الولايات المتحدة الآن طبيب نفسي أو محلل نفسي في كل ركن وفي كل حارة, الا ان علمه تضاءل وعجز على ان يبرهن عن اكاديميته خلال قرن كامل من الزمان. ولكن أفول نجم نظرية لا يعني انها باطلة تماما, والشيء الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو الحالة التي أصيب بها السيد كلينتون, فهو ــ كما يقول علماء النفس ــ مصاب بهوس جنسي كان من نتيجته اعلان حروب, وتدمير بلاد, ومصرع أطفال, وتجويع شعوب. وهذا ما يدلل على مدى تأثير الهوس الجنسي, وبالتالي أهمية دراسة النفس. ولن أزعم انني أعرف وحدي بعض المهووسين جنسيا, فلو انك تأملت من حولك ستجد بعضهم. أحدهم أعرفه منذ سنوات طويلة, ولم تنجح فتاة أو امرأة من التحرش به, وكأنه السيد كلينتون في زمانه. وربما كان هذا كله يعني ان فرويد لم يسقط كما توهمنا, بل هذا ما يبدو, ولكن الحقيقة ان فرويد يعود مرة اخرى. اما الرجل الثالث فهو الفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي وضع نظرية النظام الشيوعي, وهي النظرية التي دخلت القرن العشرين وكأنها الحل لكل آلام البشرية. وكان ماركس يرشح الولايات المتحدة لتكون أول بلد شيوعي في التاريخ, وهو بالطبع ما لم يحدث, وكذلك رشح فرنسا وبريطانيا وألمانيا, ولكن أول من تبنى نظريته روسيا على عكس توقعه. وكانت ثورة 1917 نقطة تحول في تاريخ البشرية بدت انها تطاول ثورة فرنسا 1789. ومع الحرب العالمية الثانية اتسعت تطبيقات النظرية لتشمل أوروبا الشرقية وبينها نصف ألمانيا المهزومة, ثم لتشمل الصين وعددا من الدول الآسيوية, بل واخترقت الامريكية. ولقد اتيح لي ان أزور روسيا وأوروبا الشرقية قبل الانهيار الأخير وبعده. ولن أقول أبدا انني لم أعجب بهذه البلاد آنئذن, فأنت لا تستطيع ان تقول هذا اذا كنت محبا للفن. ففي موسكو كان (البولستوي) و(مدينة جوركي) , وفي برلين (البرلينر انسامبل) كان الفن في كل مكان وفي أعلى مكان. وأذكر انني كنت في ليننجراد, وكان اسمها بطرسبرج وعاد الاسم القديم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, وحجزت لحضور المسرح. وكعادة أغلب الغرباء ذهبت قبل موعد المسرح بوقت طويل, تجولت في الاماكن القريبة انتظارا لأن يحين موعد المسرح. ورغبت في الذهاب الى الحمام. ودلوني على مكان في مواجهة المسرح تقريبا, وما ان دخلت من الباب حتى كدت اسقط صريع الرائحة الكريهة والمكان القذر, فتراجعت بسرعة. اما المسرح فكان شيئا مختلفا, وما أظن انني رأيت مسرحا أكبر وأجمل وأنظف من هذا المسرح. وفي اليوم التالي زرت معرض الارميتاج, ويراه البعض أعظم من اللوفر. وهكذا كان الحمام بين أعظم مسرح وأعظم متحف, وأحسست ان هناك خطأ في هذا النظام. ورغم ان السوفييت تفوقوا على الدنيا كلها في كثير من الأشياء, منها علوم الفضاء, الا ان البناء كان على أرضية واهية, ولذلك سقط الاتحاد السوفييتي هذا السقوط المدوي. ولقد تصفحت كتابا سوفييتيا عن العالم في القرن الحادي والعشرين, ولم أقرأه لأنه كان بالروسية, أما الآن فلقد خرج السوفييت تماما من القرن الحادي عشر. وهكذا أفل نجم كارل ماركس كما أفل نجم داروين وفرويد من قبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات