المعماريون يعودون الى التراث: عمان مدينة تعتق مبانيها بهوية قديمة

لعمان (العاصمة الاردنية) طبيعة معمارية مميزة ترجع الى عاملين اساسيين لا يمكن تغييرهما, الاول قيامها فوق سلسلة من الجبال والهضاب, بحيث تبدو المرتفعات والمنخفضات بطابع خاص ولا تكاد تخلو منطقة من هذا التدحرج بحيث ان الزائر سيظل يتساءل, ما الذي دفع العمانيين الى تسلق هذه المرتفعات ؟ بنيت عمان حديثا, فهي مدينة فتية, ولم يكن هناك من الاسباب العسكرية او السياسية او حتى الحياتية ما يدفع الى هذا التسلق, فالبيوت لا تقوم حول مصدر مائي مثلا, رغم ان البدايات كانت فيما يسمى الآن (قاع المدينة) , وكان يشغله سيل الماء الذي جف واستمر البنيان يصعد في كل اتجاه متحديا مصاعب معمارية في الانشاء وسط هذه الجبال الصخرية. العامل الثاني هو عمران هذه المدينة بالحجر الابيض وبعض الوردي.. والمشاهد للمدن الاردنية سيكتشف ان (السلط) مثلا بنيت بحجر يميل الى اللون الاصفر, بينما مازجت (اربد) بين الحجرين الابيض والاسود, اما عمان فقد اختارت اللون الابيض ومؤخرا استجلبت الحجارة الوردية. هذان العاملان الطبيعة الجبلية والحجر الابيض منحا المدينة جمالا وبهاءً خاصا. ولكن العمانيين دائمو البحث عن مشاريع تجميلية اخرى. في السبعينات. انتشر القرميد فوق اسقف البيوت الانيقة, بل ان القانون شجع على استخدام القرميد (الاحمر في الاغلب) فخفض ضريبة المسقفات على الملاك الذين يستخدمون القرميد, ولم يكنه الدافع القانوني جماليا ولكن احترازي, اذ ان القرميد المائل فوق السطح يمنع تجمع مياه الامطار في الشتاء وبالتالي يحافظ على عمر المبنى وسلامته زمنا اطول. وجرب اصحاب الفيللات وسائل تجميلية اخرى مثل العناية بالحدائق وزراعة الورد وعرائش الياسمين ودوالي العنب, ومازالوا يعشقون حدائق بيوتهم ويعنون بها رغم شح المياه الذي شكل أزمة حياتية للمواطن الاردني في السنوات الاخيرة. أما آخر التداخلات الجمالية التي اهتدى إليها المهندسون المعماريون فانها تمثل عودة قوية وناجحة الى تراث قديم ممثل في المعمار الروماني والمعمار النبطي, ولعل السنوات الأخيرة شهدت تأملا حقيقيا في هذين الجانبين الموجودين تحت أعين الناس منذ زمن طويل دون أن يتم الافادة بفنهما, ويتمثل هذان الفنان في مدن كاملة تاريخية, فيمثل الفن الروماني مدينة جرش الاكمل بين المدن الرومانية المتبقية الى يومنا هذا, ويمثل الفن النبطي مدينة البتراء الاجمل والاغرب بين المدن التاريخية. والآن يستعير الفنانون من نقوش هذه المدن ابوابها وأعمدتها وتيجانها وشبابيكها, وينقلون هذا الفن البديع الى عمان فيمنحونها هوية جديدة ابعد في التاريخ من عمرها القصير المعاصر. تعود جرش والبتراء الى أعين العمانيين ممثلة في المنازل الحديثة التي قد يشهد التنافس على اتقانها استجلاب احجارها من مواقع بعيدة كالبتراء لضمان الحصول على الالوان الاصلية للمدينة العتيقة. ورغم ان تكلفة هذه الاضافات عالية الا انها تنتشر بصورة غير عادية حتى في الشقق الصغيرة والشرفات فاذا لم يتمكن المالك من نقل واجهة خزنة البتراء الرائعة الى بيته فانه قد يكتفي بعمود من جرش. عمان ــ سميحة خريس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات