العمل الأدبي لا يعكس بالضرورة ظروفه الاجتماعية.. الناقد ابراهيم فتحي : الكتابة الجسدية ردة فعل لسقوط الايديولوجيات

الناقد ابراهيم فتحي من أهم النقاد وأكثرهم حيوية ونشاطا في مصر وهو ضيف دائم على ندوات القاهرة الاسبوعية , ولا يمارس ابراهيم فتحي النقد الأدبي فقط بل يمارس النقد السياسي الذي دفع ثمنه سنوات عديدة من عمره في غياهب السجون. له مؤلفات نقدية وفلسفية منها العالم الروائي عند نجيب محفوظ, معجم المصطلحات الأدبية ــ ازدواج شخصية الروائي اليهودي وكذلك نظرية الوجود عند هجيل, تاريخ علم المنطق وقواعد الفن. التقته (البيان) حول تأثير الايديولوجيا على عمل الناقد الأدبي فأجاب: كلمة أيديولوجيا تستخدم بمعان مختلفة وهي في هذا السؤال تعني الدعاية السياسية أو (البروباجندا) وهو أسلوب لا أقبله وأنا ضده, ولهذا فأنا ضد الايديولوجيا بهذا المعنى, فهي سياسة رديئة تؤدي إلى نتائج عكسية.. ماركس نفسه كان يرفض كلمة الايديولوجيا ويعتبرها نوعا من الوعي الزائف, أما لينين فقد استخدمها بمعنى ان هناك ايديولوجيا بروليتارية مقابل الايديولوجيا البرجوازية, وهكذا لم تعد الايديولوجيا هي الوعي الزائف بل أصبحت نسقا من الأفكار والقيم, ولهذا نجد الأعمال الأدبية لها ايديولوجيتها, فلا يوجد عمل أدبي ليس له موقف من العالم. ويعتقد الناس انه ما دام الناقد سياسيا ودخل السجن فلا بد أنه ايديولوجي ولابد أن عمله النقدي مجرد واجهة لعمله السياسي وهذا غير صحيح, فالأفضل هو مناقشة الكتابات النقدية للناقد بدل الاعتماد على النية, وعموما هناك فرق بين الايديولوجيا الشخصية للكاتب وبين انتاجه الابداعي, بلزاك كان رجعيا ويتحدث عن نفسه باعتباره من أنصار الملكية, لكن أعماله الأدبية نجد فيها انتصارا للواقعية واعتبره ماركس كاتبا تقدميا لان طريقته في الكتابة وتصوير الأشخاص جعلته يتناقض مع أيديولوجيته, وفي العلوم قد نجد كثيرا من علماء الفيزياء أو الكيمياء ايديولوجيتهم يمينية. معنى ذلك انه لا دور للايديولوجيا في تحديد رؤية الكاتب؟ ــ هناك كاتب يساري يكتب أعمالا رديئة, وكاتب يميني يكتب روايات واقعية ورائعة, فالأعمال الأدبية تعتمد على تقنيات وتقاليد لا تستمد من الأفكار السياسية, لذلك يقال ان العمل الأدبي قد يكون ساحة لدلالات متناقضة. ما رأيك في أساليب المدرسة الواقعية الاشتراكية التي تفسر النص الأدبي من الزاوية الاجتماعية والاقتصادية؟ ــ النزعة الاجتماعية أو المادية المبتذلة زائفة فلا يمكن أن يختزل العمل الأدبي بالنظام الاقتصادي لأن العمل الأدبي لا يعكس بالضرورة ظروفه الاجتماعية, قد يكون ضدها, أو ينتمي لمرحلة سابقة عنها, الشعر مثلا ينتمي لمراحل سابقة, ويعتمد على أزمنة سابقة ويستشرف المستقبل, بل لقد كانت روائع الأدب اليوناني نتاج لواقع متخلف, اذا المسألة ليست بهذا التفسير المبتذل الذي يدعو للسخرية. لماذا يرفض الجيل الجديد من الأدباء نقاد الستينات ويعتبرونهم قد تخلفوا بأدواتهم عن ملاحقة الابداع الجديد؟ ــ اختلف معهم فليس الأحدث هو الأفضل وبالتالي ليس بالضرورة أن يكون شعر التسعينات أكثر تقدما من شعر السبعينات وليس كل جديد جيد أو كل قديم ردئ لان المعيار الزمني غير صادق. والحكم على الأعمال الأدبية يكون بالمعايير الفنية, ورغم ذلك فإن هؤلاء الشعراء الجدد وخاصة شعراء السبعينات قد رحب بهم النقاد اليساريون, رغم كل الشعارات الطنانة التي جاءوا بها, بل ان نقادا لهم اتجاهات يسارية مثل د. عبدالمنعم تليمة قد احتضن هؤلاء الشعراء وكذلك فعل محمود امين العالم وجابر عصفور. وما رأيك في قصيدة النثر وهل هي انجاز حقيقي لشعراء السبعينات؟ ــ نحن نرفض الغناء وما يقدم باسم قصيدة النثر, وهناك نقاد يرفضون قصيدة النثر كما رفضوا من قبل شعر التفعيلة, وهناك من النقاد من يرحبون بقصيدة النثر على طريقة سعدي يوسف وادونيس. المشكلة مع الجيل الجديد ان كل من كتب عدة صفحات تخيل ان العالم لابد أن يتوقف له. والمشروع النقدي عند بعض الشعراء الجدد يخلط بين الناقد والمعقب الصحفي الذي يقوم بالتعليق على بعض الأعمال الأدبية. هل تتابعون الابداعات الشابة للجيل الجديد؟ ــ النقاد مثقفون ويقرأون الشعر العالمي ويعرفون قصائد النثر قبل أن يكتبها هؤلاء الشعراء, انهم يتهموننا بأننا تقليديون, لكنهم للأسف لم يتحرروا بعد من تقليد كتاب الغرب. وأنا كأحد النقاد أتابع الشعر العالمي في فرنسا وأمريكا وانجلترا وأسبانيا والعالم الثالث, ولا أعتمد على الترجمات.. وأشهد انني لم أجد فيما أقرؤه من شعر هؤلاء ما هو خارق أو ما يمثل اعجازا. بل انه في بعض الأحيان يخيل لي انني قد قرأته من قبل. هؤلاء متعالون على النقد والنقاد.. لقد تأثروا بأدونيس وكتاباته النقدية ونحن نعرف مصادرها الأوروبية, وأخيرا أقول ان النقد جهد لا يعرف مقداره هؤلاء الشعراء الذين ينتظرون الاشادة بكل قصيدة يكتبونها. هل هناك أزمة في الشعر أو هل هي نهاية الشعر؟ ــ غير صحيح ان الشعر يمر بأزمة.. هناك تعدد وتنوع والشعر الآن مزدهر ربما يقصد البعض بأزمة الشعر كثرة الشعر الردئ, وهذه ظاهرة عادية لان الروائع الفنية دائما قليلة, وربما يقصدون بالأزمة انهم يرون تنوعا شديدا من الأشعار لا تسير في مجرى واحد. ولعل وفاة الجواهري ونزار قباني وأثرها في الشارع العربي لدليل على سطوة الشعر والشعراء وان الشعر ما زال هو ديوان العرب. ما رأيك فيما يكتبه الشعراء الجدد من أشعار اباحية؟ ــ الكتابة الاباحية عادت لعوامل اجتماعية سببها التزمت تجاه الكتابة عن المرأة, والشعر الغربي حافل بالكتابة المكشوفة والكتابة عن الجسد ولعل كتابات أبي نواس والجاحظ دليل على ذلك. الكتابة الجسدية تبدو وكأنها رد فعل لعصر سقوط الايديولوجيا, فأصبح الشيء الوحيد الذي يثق به الشاعر أو الكاتب هو جسده باعتباره الحقيقة الملموسة, حتى أصبحت الأشياء الحسية هي الجواهر والدرر في عالم مصنوع من القش الزائف. وان نرى شعرا وروايات وأفلاما حافلة بالمشاهد الجنسية فهذا شيء عادي في الغرب, لكن الأهم هو ماذا يريد أن يقول الكاتب, وكيف يوظف كتاباته, المهم هو الابداع فلا يتوقف الكاتب عند حدود البورنو. هل تراجع الأدب والكلمة المكتوبة في مقابل الكلمة المسموعة والمرئية؟ ــ الكلمة المكتوبة هي الأصل ولا يمكن الاستغناء عن الابداع المكتوب لانه أساس أي عمل ابداعي, لكن تظل للرواية امتيازاتها فهي تترك الخيال للقارئ وتعطيه الحرية الكاملة. والدراما لا تغلي وجود الرواية أو الشعر, فما زالت بعض الندوات يحضرها الاعداد الغفيرة من الجمهور مثل ندوات الشاعر محمود درويش بغض النظر عن كونية شاعر قضية. هل تشعر ان هناك فجوات بين أجيال المبدعين وعداء لا مبرر له؟ ــ التطور والتجاوز لا ينفي ما يسبقه والابداع ليس له شكل نهائي, والفن هو التجديد والاضافة, والصراع بين أجيال المبدعين يؤكد على ان الشعر يتطور, وعلى الشعراء والنقاد أن يرفعوا شعار (دع الفن زهرة تتفتح) , وليبدع كل انسان بطريقته وفي مجاله, ولا يمكن أن تستعيد شيئا في الفن وها هم الشعراء الجدد يقلدون نموذج التفاصيل اليومية وهذا قد تحول إلى قالب حتى أصبح البعض منهم يعاني من الشيخوخة ويكتب أشياء بلا قيمة وبلا دلالة, ناهيك عن الكتابة الحسية والرديئة التي نراها في أشعارهم. حوار- حميد مجاهد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات