استراحة (البيان) آه يا ليل ... يا قمر! يكتبها اليوم- مصطفى كمال

لم يبق سوى عام واحد وبضعة أيام وتبدأ البشرية ألفيتها الثالثة بعد الميلاد, بعد ان تودع ألفيتها الثانية في ذمة التاريخ, ذاكرة لها بحق انها كانت ملحمة رائعة بكل المقاييس وعلى جميع المستويات , بالرغم من كل ما كلفته من آلام وعذابات وحروب ومجاعات وأوبئة وانكسارات, الا انها سجلت انجازا يفوق الخيال في مسيرة الانسان الصاعدة باستمرار على الدرب الذي أهّله له الله سبحانه وتعالى عندما أراد ان يكون خليفته في الأرض. ونتأمل القفزات الهائلة التي قفزها الانسان خلال الألف الميلادية الثانية, والتي تزايد ايقاعها خلال الخمسين عاما الأخيرة على نحو لم يخطر أبدا على بال أجدادنا, بل آبائنا.. والذي وصل بنا الى حد غزو الفضاء واستنساخ الكائنات الحية وتغيير الجينات الوراثية وترميم الأعضاء التالفة من أجسامنا, بل واستبدالها كما يستبدل المرء الاجزاء المعطوبة في سيارته أو تلفازه. أقول, نتأمل كل ذلك فنتساءل.. كيف سيكون حال الانسان مع نهاية الألف الثالثة وبداية الألف الرابعة بعد الميلاد؟ غير ان بعض العلماء الشغوفين بالحسابات والارقام يقولون اننا لا ينبغي ان نشغل أنفسنا كثيرا بمثل هذا السؤال.. لماذا؟ لأن الأرض لن يكون عليها أحد ليشهد عام 3000 بعد الميلاد. وتسأل مدهوشا ومستنكرا كيف سيكون ذلك يا أولي الألباب, فيقولون ان الانفجار السكاني هو السبب.. لأننا لو حسبنا معدل الزيادة في سكان كوكب الارض لوجدنا اننا بعد 800 سنة فقط من اليوم سنكون ــ أي نحن البشر ــ قد تكاثرنا بحيث لن يكون لأحد موطىء لقدم على ظهر الأرض.. والمقصود بموطىء القدم هو المعنى الحرفي للعبارة وليس على سبيل المجاز.. سوف يصل الزحام الى درجة ان نصيب الفرد الواحد من اليابسة لن يزيد على قدم مربع واحد, حتى ان الناس لن تستطيع الجلوس أو النوم, وإنما سيضطر المرء الى الوقوف على قدم واحدة مثلما يفعل طائر أبوقردان. وطبعا لن يكون هناك مكان لحيوانات أو آلات أو شوارع أو بيوت أو مصانع أو مزارع أو مدارس أو مسارح أو... أو ... وهذا طبعا مستحيل. وتسأل.. ألا يوجد فرج من هذا الهول سوى حرب نووية يذهب فيها معظم الخلق الى جهنم في أرجح الاحوال حتى تتسع الأرض عمن يبقى؟ فيكون الجواب: الحل هو الهجرة الى كواكب أخرى صالحة للحياة. وهذا هو الهدف الاستراتيجي من برامج غزو الفضاء. ومن هذه الزاوية نستطيع ان نفهم كيف ولماذا تتعاون أمريكا وروسيا واليابان وبريطانيا من أجل انشاء محطة فضاء دولية بحجم ملعب كرة قدم قابلة للازدياد لتكون بمثابة منصة للقفز منها الى أعماق الكون. ويذهب البعض الى القول بأن هذه المحطة انما هي سلم نحو منصة أكبر, هي القمر.. قمرنا الذي نعرفه ويعرفه العشاق ومؤلفو الأغاني بجميع اللغات. ومع ان الانسان وصل الى القمر منذ سنوات, وخطا فوق سطحه, وجمع عينات من تربته, الا انه مازال بالنسبة لنا سرا لابد من كشف أبعاده قبل التطلع الى ما ورائه في الكون الفسيح. وحول هذا السر تختلف الآراء, ولم تصل بعد الى نقطة التقاء. أول هذه الآراء وأكثرها انتشارا لدى العلماء هو القائل بأن القمر كان جزءا من كوكب الارض حينما كان هذا الكوكب كتلة ملتهبة من الغازات والأبخرة تدور حول الشمس, ثم انفصل عنها ليدور في فلكها حتى اليوم. غير ان هذا الرأي أصبح محل شك كبير بعد ان أثبت تحليل العينات التي جاء بها رواد سفينة الفضاء الامريكية (أبوللو) ان تكوينها مختلف عن تكوين تربة الكرة الارضية, وان كانت مادة الصلصال مشتركة بين الاثنين. والرأي الثاني هو ان القمر كان جرما سماويا تائها في الفضاء, وبمحض الصدفة دخل في اطار المجموعة الشمسية, وبمحض الصدفة أيضا كان دخوله قريبا من المجال المغناطيسي للكرة الأرضية .. وبفضل معادلة صعبة جدا لا يمكن تفسيرها لطبيعة التوازن بين الجاذبية الأرضية وجاذبيات الشمس والكواكب الأخرى اتخذ مداره الحالي حول الأرض. وقد يبدو هذا التحليل معقولا ولكنه ــ كما نرى ــ يقوم على أساس اجتماع مجموعة من (الصدف) وليس صدفة واحدة, وهو أمر لا يستطيع الصمود أمام حقيقة أن معظم الكواكب في المجموعة الشمسية أو خارجها لها أقمار ــ وأحيانا أكثر من قمر واحد لكل كوكب ــ تدور في أفلاكها, وهذا يعني ان المسألة لا يمكن أن تكون مجرد صدفة... أو اتفاق عارض لمجموعة من الصدف. وفيما يحار الناس ــ العلماء منهم وغير العلماء في أي من التفسيرين يمكن أن يكون أقرب الى الصواب خرج علينا ثلاثة علماء ــ أحدهم أمريكي والثاني روسي والثالث مكسيكي بنظرية جديدة تقول ان القمر سفينة فضاء, صنعها كائنات ذكية أكثر ذكاء منا منذ عشرة آلاف مليون سنة أو يزيد ولعل هذه الكائنات كانت تعيش على الأرض ثم اندثرت حضارتها لسبب أو غيره, وربما كانت تعيش في كوكب آخر يبعد عنا مئات أو آلاف السنوات الضوئية, وأرسلوا سفينتهم الفضائية إلى مدار حول الأرض ــ أرضنا ــ لاستكشاف مدى صلاحيتها لسكناهم, إذا قدر لهم أن يهاجروا من كوكبهم مثلما سيكون حتما على أحفادنا قبل الربع الأخير من الألفية المقبلة. النظرية, كما ترى موغلة في التخريف, ولكن أصحابها متعددة الجنسيات يزعمون أن لديهم الدليل الحاسم على صحتها, ألا وهو انخفاض جاذبية القمر إلى نحو سدس جاذبية الأرض, وهذا لا يتأتى الا اذا كان القمر مجوفا من الداخل, على عكس كل المعروف عن الأجرام السماوية التي تتفق جميعها في خاصية لا خلاف عليها, ألا وهي ان قلبها مصمت, وعبارة عن مواد معدنية في حالة انصهار تحت درجة حرارة عالية جدا تقدر بآلاف الدرجات. ثم يستدلون على نظريتهم بدليل آخر, ذلك هو ان تحليل العينات القمرية التي جاء بها رواد أبوللو أظهر وجود نسب غير عادية من مواد الكروميوم والتيتانيوم والسركونيوم, وهي مواد متناهية الصلابة, ولم نعرفها الا في صناعة الجدران الخارجية للأقمار الصناعية وسفن الفضاء حتى تقيها من الاشعاعات الفضائية وأي عوارض يمكن ان تعترض تحليقها في الفضاء. ثم يقدمون دليلا ثالثا, ذلك هو ما نسميه بالفوهات البركانية على سطح القمر, والتي يتراوح قطر الواحدة منها ما بين بضعة أمتار و148 ميلا!! وسبب هذه الفوهات لا خلاف عليه, فهي نتيجة ارتطام شهب ونيازك مختلفة الاحجام بسطح القمر على مدى آلاف ملايين السنين, ولكن هناك ظاهرة مشتركة بين كل هذه الفوهات على اختلاف اتساعها, وهي ان عمقها يكاد يكون واحدا في جميع الاحوال, ويتراوح بين ميل ونصف وميلين, ولا يمكن ان يزيد على ذلك أبدا. أما تفسير ذلك عند اصدقائنا أصحاب نظرية السفينة الفضائية القمرية فهو ان هذه القشرة التي يبلغ سمكها ميلين أو أقل هي التي تكونت نتيجة تفتت النيازك والشهب على سطح سفينة الفضاء حين ارتطامها بجسمها القوي, وهذه القشرة هي التي جاءت منها العينات التي حملها الينا رواد أبوللو الامريكيون, أما جسم السفينة نفسه فلم يمس الا ببضعة خدوش, هي التي وجدنا آثارها في العينات على شكل ذرات من التيتانيوم والكروميوم والسركونيوم وما اليه. وهكذا أصبح القمر موضوعا للتخريفات العلمية بعد ان كان ملهما للشعراء وكتّاب القصص الرومانسية. وقد نفاجأ في الغد القريب بنظريات أخرى أكثر غرابة واغراقا في الخيال.. ولكن النظريات شيء والواقع شيء آخر, وما يعنينا في هذا الواقع هو ان القمر هو منصتنا القادمة لغزو الفضاء وإعداد العدة لهجرة جنسنا البشري الى كوكب آخر لا يختنق تحت الزحام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات