أشرعة: الوطنية: يكتبها- سالم الزمر

للعقاد كتاب قيم يعرفه كل من عرف العقاد واقترب منه ولو قربا يسيرا, (انه نتاج سنوات قضاها العقاد بين الكتب يقرأ ويطلع ويفاضل ثم يدون ما علق في ذهنه واختلج في نفسه من خواطر وآراء في فصول وبحوث ومقالات جمعها في هذا الكتاب فكان ثروة فكرية وذخيرة أدبية لكل راغب في البحث والاطلاع والمعرفة . هكذا قدم الناشر لكتاب عَلَم الثقافة العربية وأحد رموزها عباس محمود العقاد الذي أسماه (ساعات بين الكتب) . وكتاب من نوع (ساعات بين الكتب) للعقاد كتاب يحمل وجوها عدة وتستشف منه سمات الكاتب وفكره وتوجهاته في كل مناحي الثقافة, فأنت بقراءة كتاب جامع مثل هذا تستغني عن قراءة جميع كتبه لتعرفه حق المعرفة وتستغني ان تسأل عن سواه ليعرفك به معرفة تسبر أغوار نفسه, فكتاب مثل (ساعات بين الكتب) يوجز لك في كتاب منهج الكاتب في القراءة ورأيه فيما قرأ ومواقفه من كل شيء في الحياة, قد مر به واعتنى بمعرفته, ففي مثل هذا الكتاب تعرف عن العقاد انه قارئ موسوعي من الدرجة الأولى قبل ان يكون كاتبا, ومن ذلك يجب ان تعرف أو لابد لك من ان تعرف أنه يجمل بك أو بالكاتب ان يكون قارئا جيدا قبل ان يكون كاتبا أو انه لا يمكن للكاتب ان يكون كاتبا متميزا قبل ان يكون قارئا متميزا. ويمكنك أيضا ان تستنتج ان الكاتب في الثقافة العامة يجب ان يكون عام القراءة والاطلاع أيضا, وألا ما كان عام الكتابة, وان هذا يذكر بمقولة تُروى عن الدكتور طه حسين عندما يقال انه سُئل عن جيل الشباب في عهده فقال انتم جيل تكتبون أكثر مما تقرأون. الشاهد في هذا ان كتاب العقاد هذا هو حصيلة ما قرأ من كتب واكتسب من معرفة في حياته فالمطلع على فهرس الكتاب يجده مَر باكناف المعرفة وألوانها بدءًا من معرفته بكتاب الخالق العظيم واعجاز الأسلوب الرباني فيه مرورا بالآراء والمعتقدات الانسانية وعطفا على الشعر والنثر واشكال الفنون والنقد الفني والأدب العربي والفلسفة والأخلاق والحياة والأديان والثقافات إلى آخر ذلك مما قد يُحصى ولا يدرك كنهه ولا آراء العقاد فيه إلا بالاطلاع على كتابه (ساعات بين الكتب) , ولقد طرق فيما طرق في كتابه هذا موضوع الوطنية فأبان لها بعبقرية العقاد المستفيضة معاني عديدة استقصاها من تلك الساعات التي قضاها بين الكتب فوجد عند الكتاب من معاني الوطنية الكثير, ووجد ان الوطنية ليست بالأمر الطارئ على البشرية, وإنما هي نوع وأثر من تلك التي كانت تُسمى بالعصبية. (فعصبية القبيلة وعصبية اللغة وعصبية الجنس وعصبية الدين كلها دليل على ان الوطنية من ناحية العصبية فيها ليست بالابتكار الذي لفقه الخياليون اتباع الثورات ودعاة النهضات) . ولا شك انه لابد لكل أمة من وطنية أساسها رابط من روابط الألفة التي لولاها لفقد معنى الأمة, فلابد لكل أمة من رابط أو روابط تجمع بين أفرادها ليكونوا أمة متلاحمة, ولقد عرض العقاد لمجموعة من تلك الروابط التي يمكن ان تجتمع عليها الأمم كالاقامة في بقعة جغرافية ذات معالم مقصورة عليها في الغالب, ومثل ذلك الوحدة الجنسية التي تجمع بين أفراد الأمة بسبب انتمائهم لجنس واحد, ومن ذلك رابط اللغة الواحدة الذي هو من أهم الروابط حيث ان ملامح اللغة وشياتها لها سلطان كبير في ملامح الأفكار والميول بين الذين يتكلمون بها. ومن تلك الروابط التي هي سبب من أسباب الوطنية وحدة الدين الذي يعد أحيانا عاملا من عوامل القومية وسببا للانتماء والوطنية. ومن أسباب الوطنية طول خضوع الأفراد لحكومة وطيدة النظام إذا استطاعت تلك الحكومة ان تبني بين رعاياها نظام عدل ومساواة يقبلونه ويدخلونه في شؤونهم المعيشية, ومن ذلك الاشتراك في المصالح الاقتصادية, وقد ناقش العقاد تلك الأسباب المختلفة للاحساس بالوطنية أخذا عن غيره ممن قرأ لهم في هذا المنحى, وكان آخرها الاشتراك التاريخي بين طائفة من الناس أو الاشتراك في ذكريات آلام صبروا عليها ومفاخر ظفروا بها. ولعلي اقف هنا لأقول ان لأهل الخليج العربي والجزيرة العربية أسبابا للوطنية والانتماء الدافع إلى الوحدة تجمع تلك الأسباب جميعا, فالبقعة الجغرافية واحدة واللغة واحدة والدين واحد, والمصالح الاقتصادية واحدة والتراث التاريخي واحد, فلمَ لا نجتمع على احساس وطني واحد يجمع بين دول الخليج العربي جميعها؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات