صورة عن الفن التشكيلي اللبناني بالقاهرة: 14 فنانا في لوحات بألوان طازجة ابتعدت عن الحرب

في لفتة ذكية, قامت الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي بتنظيم معرض (ملامح من الفن اللبناني المعاصر) في قاعة الفنون بدار الأوبرا . والذكاء هنا يعود إلى اننا في مصر نعاني من شح المعلومات عن الحركة التشكيلية في معظم البلدان العربية, وأزعم انهم هناك يشاركوننا نفس المعاناة. لذا انتابت جمهور الذواقة فرحة عارمة عند افتتاح هذا المعرض, خاصة واننا نجهل تماما في مصر طبيعة الفن في لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية, التي اشتعلت هناك في منتصف السبعينات. شارك في المعرض 14 فنانا وفنانة مثلوا كل الاتجاهات والمدارس الفنية. وضم أعمال فنانين كبار من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات أمثال حسين ماضي, شوقي شمعون, جوليانا ساروفيم, وهيب بتديني, هيلين الخال, مارون حكيم, محمد الرواس, عماد أبو عجرم, فاطمة الحاج, هيبت البلعة البواب, محمود صفا, علي شمس, الياس ديب, وفنانين بارزين بتميز جيل الثمانينات أمثال راشد بحصلي. كما وصفتهم الباحثة اللبنانية في تاريخ الفنون د. زينات بيطار أول ما يلفت الانتباه أن الأعمال كلها احتفلت بلوحة (الحامل) ـ أي تلك اللوحة التي توضع على حامل الرسم, ثم تعلق على جدار بعد أن ينتهي منها الفنان ــ ولم يسع أحد إلى تقديم ما يسمى بالأعمال المركبة, أما الشيء الثاني الذي تجدر الإشارة إليه هو الانحياز التام نحو الألوان الطازجة... الصداحة, التي تخاصم الكآبة والعتامة. ويبقى الأمر المثير الثالث, وهو عدم وجود أي أثر للحرب التي اكتوى بنارها اللبنانيون أكثر من خمسة عشر عاما, في أي لوحة من اللوحات! وهذا يعني ان الفنان اللبناني عاشق للحياة, يمتلك قدرة على تجاوز المرير والخطأ, من أجل الاحتفاء بالخير والحق والجمال. خذ عندك لوحة (منظر طبيعي) للفنان وهيب بتديني الذي نال درجة الماجستير في الرسم عام 1966 من موسكو. في هذا العمل استلهم الفنان الاتجاه التأثيري عند تصويره لأحد المشاهد الخلابة في الطبيعة اللبنانية, حيث تستقر الجبال في عمق اللوحة, وتمتد أمامها مساحات الحقول الخضراء, وعلى اليمين ينبثق جدول صغير. لقد حشد وهيب للوحته كل الألوان المفرحة وفق صياغة رشيقة وممتعة للعين, من أول الأخضر الزاهي, حتى البرتقالي المزهر مرورا بالأزرق الهادئ. ومن المناظر الطبيعية إلى عالم الطبيعة الصامتة, حيث نشاهد لوحة من أعمال الفنان راشد بحصلي (33 سنة) والذي نال بكالوريس في الهندسة المعمارية في الجامعة الأمريكية ببيروت. اختار الفنان ثمار (الفلفل) المتنوعة الشكل والحجم ليجسدها على سطح اللوحة, علاوة على وردة رقيقة وليمونة!! إن المتلقي لا يمكن له أن ينفلت من أسر هذه البراعة المذهلة في محاكاة الواقع, خاصة وان راشد استعان بالألوان الأكثر عصيانا وعندا, وهي ألوان المياه, والتي تستوجب حساسية مفرطة كي يتمكن الفنان من السيطرة عليها, وهذا ما كان, لقد أثبت الفنان كفاءته عندما حافظ على فورم كل نوع من هذه الثمار, فضلا عن ظلالها على سطح المنضدة, ويبقى أن نشير إلى سحر التناغم بين الأشكال والألوان والأحجام, والذي يعود إلى طريقة رص هذه الثمار. أما الفنان حسين ماضي (60 عاما) والذي تلقى دراسته الفنية في معاهد لبنان وايطاليا, وشغل منصب رئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت في الفترة من عام 1982 حتى ,1992 فقد وجد ضالته في المرأة التي تعد بحق أهم مثير جمالي تشكيلي على مر العصور. في لوحة (امرأة جالسة) أطاح حسين ماضي بانضباط القوانين التشريحية لجسد المرأة, حيث جاءت بطلة لوحته بدينة الجسد.. منبعجة الوجه.. جالسة على منضدة موضوع فوقها طبق به بعض الفواكه. والملفت أن الفنان لا يلهث خلف محاكاة الواقع من خلال عمل تجسيم للأشكال والعناصر, بل هو يستلهم منطق الفنان الشرقي, الذي يعشق المساحات اللونية الصريحة التي تخلو من الظلال والتدرج مثل فستانها الأحمر, والخلفية الزرقاء المزدانة بزخارف حمراء. كذلك اعتمد حسين ماضي على قوة الخلط وحضوره, فنجده يحدد الشكل العام للمرأة بخطوط سوداء سميكة.. جادة ولينة تفاقم من الشعور بالتعاطف مع هذه المرأة الحزينة. تقول الباحثة د. زينات البيطار: لقد رفض الفنان اللبناني الحرب لانها أجلت مشروعه الابداعي والذاتي العام, وسرقت منه جمهوره وقضت على مناخ ثقافي نمت فيه شخصيته الابداعية والاجتماعية, إثر حالة الشتات والتصدع في العائلة اللبنانية الواحدة والكيان الثقافي القائم على وحدة التنوع.. لذا نسعى جهدنا اليوم جمع الشتات الثقافي والفني الابداعي اللبناني ونفض أوجاع الحرب عنه وتقديمه بوصفه وحدة ثقافية لا تتجزأ عن النسيج الحضاري العربي ككل, تقوم على مبدأ الفرادة والتميز في الحضور الشخصي من جهة, وعلى ثوابت البحث عن هوية عصرية محلية يشكل التراث الحضاري الشرقي المتراكم في تاريخنا بوصلتها المتجذرة.. من جهة أخرى. والحق ان لوحات المعرض كلها تساهم بنصيب وافر في رسم خريطة شاملة للابداع في لبنان, والذي يستند كما قالت الدكتورة على ركائز قوية من الموروث الشرقي, برغم ابحاره في فضاءات الحداثة والتطور, فالفنان محمود صفا (55 عاما) الذي يقوم بتدريس الفن في معهد الفنون الجميلة ببيروت يقدم لنا لوحة (مقهى شعبي) في صياغة مدهشة توفق بين عبق التراث والأصالة وسحر التجديد والابتكار. في هذا العمل نتابع معا مجموعات من الرجال وقد احتلت كل منها (ترابيزة) , بعضهم انهمك في لعب الورق أو الطاولة, وآخرون راحوا يجذبون أطراف الحديث, علاوة على أفراد كل في حالة. اختار محمود صفا أن يرسم المقص من أعلى, وليس من الأمام حتى يتيح لنفسه ولنا أن نرى صورة شاملة للمكان الأكثر شعبية وشهرة في تاريخ العرب. التزم الفنان بقواعد المنظور الذي يجعل الأشكال والعناصر يقل حجمها كلما اقتربت من العمق حتى يمنح اللوحة واقعيتها, لكنه في الوقت نفسه, تحرر إلى حد ما من سطوة المحاكاة الفجة للرجال, حيث رسمهم بشكل تعبيري يظهر حالاتهم النفسية من خلال وضع الجسد وحركة الأيدي ونظرات العيون. في هذه اللوحة البديعة لم يترك محمود صفا كبيرة ولا صغيرة في المقهى إلا وقد أحصاها, من أول (فنجان القهوة) حتى النارجيلة, مرورا بزهر الطاولة وصورة صاحب المقهى المعلقة في حجرة داخلية, كل هذا وغيره مصاغ في تصميم متين يكشف كل شخصية, يساعده قاموس لوني عامر بما لذ وطاب للعين والخيال مثل الأحمر البهيج والأصفر المضيء والأبيض المنير, علاوة على حلاوة التقابلات بين الظل والنور والتي أدارها الفنان بحكمة واقتدار. إن معرض ملامح من الفن اللبناني المعاصر يؤكد على الابداع ــ برغم كابوس الحرب ــ وأنهم عاشقون للحياة والجمال, مهوسوون بحلاوة الطبيعة وألوانها المشرقة, لذا لم يكن غريبا أن يلقى معرضهم هذا في القاهرة كل محبة واعزاز. القاهرة ــ (البيان) ــ ناصر عراق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات