لاصلاح واقع الأمة وتجاوز المأزق الحضاري.. د. محمد عمارة: لابد من إعادة صياغة النفس الانسانية

الأمة الاسلامية تعيش الآن أسوأ مرحلة في تاريخها. فالمسلمون محاصرون من كل جانب ويحاربون على كافة الجبهات العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية . وأصبحت ديار الاسلام تعاني من الغزو الثقافي ومن العبث بحاضر ومستقبل المسلمين. وبات كل مسلم يتطلع الى التغيير وتجاوز هذا الواقع المرير وينتظر ميلاد فجر جديد تعود للأمة كرامتها ومجدها كما كانت في القرون الماضية. لكن ما هو السبيل لإصلاح واقع الامة وتغييره وتجاوز المأزق الحضاري الذي تعيش فيه؟ وكيف يكون الاصلاح في ظل التحديات الخارجية والداخلية على كافة المستويات؟ ومن المسؤول عن الاصلاح؟ وهل يكون التركيز على تطبيق الشريعة الاسلامية أم البدء بالجوانب التربوية وإنشاء مؤسسات اسلامية قادرة على التأثير في هذا الواقع؟ التحقيق التالي يحاول الاجابة على هذه الاسئلة: المنهج الصحيح يشير الدكتور محمد عمارة الى انه لن يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به اولها اي بالاسلام والمنهاج الاسلامي الصحيح فيكون عمل المسلم وحياته ومماته لله سبحانه وتعالى ــ وان تكون الوسطية هي الطريق الذي يسير فيه المسلمون في هذا العصر... بحيث لا يقفون موقف العزلة والانغلاق ولا موقف التبعية والمحاكاة والاستفادة من العلوم والتجارب الانسانية في الغرب أو في الشرق... فعلوم الواقع المادي لا تختلف باختلاف الحضارات أو باختلاف العقائد. وبالتالي فالنموذج الاسلامي المطلوب لهذا العصر يجب ان يجمع بين حقائق العلوم المحايدة وبين التميز في الثقافات والعلوم الاجتماعية... بجانب ضرورة تحويل القرآن الى حياة يعيشها المسلم وليس مجرد شعار, وأن يصبح التدين إحياء وليس مجرد شكل, وان تتحول حركاتنا الاسلامية من التركيز على السياسة الى المنهج الشامل الذي يأخذ بعين الاعتبار الاحياء الديني بحيث تكون هناك القيم والاخلاقيات وتكون هناك التربية السياسية بجانب التربية الروحية والوعي السياسي الى جانب الوعي القيمي والتوازن بين معارف العقل والنقل ومعارف التجربة ومعارف الوجدان. فقد الواقع ويؤكد على ضرورة أن يفقه المسلمون الواقع فلا يكفي أن نعرف الاحكام عن طريق القراءة في المكتب وإنما لابد ان تطبق هذه الاحكام في الواقع وهذا يؤدي الى الاجتهاد العصري الصحيح. فالتجديد في النموذج الاسلامي سنة من سنن الله لذلك لابد ان يفتح باب التجديد بصفة مستمرة حتى نواكب كل المستجدات. لذلك يقول ــ صلى الله عليه وسلم: ( يبعث الله لهذه الامة. على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمور دينها) والتجديد هو أداة استصحاب الاسلام الى الواقع الجديد والمتغير. ويرى ان معظم الحكومات الاسلامية غير شرعية فهي مغتصبة للسلطة وليست مختارة من الامة وبالتالي فهي غير شرعية بالمعيار المدني الدنيوي وهي غير شرعية ايضا بالمعنى الديني لأنها لا تطبق شرع الله. وهذه الحكومات لا تمثل الطموح الاسلامي ولا تحافظ على الهوية الاسلامية وأصبح الأمن العربي مخترقاً على المستوى الحضاري والثقافي. ووقف حكوماتنا في مستنقع العجز والفساد والتبعية. ويضيف ان الامة الاسلامية تبحث عن التغيير الآن حتى تخرج من ازماتها لكن هذا التغيير لابد ان يكون له منهج يبدأ بصياغة النفس الانسانية صياغة اسلامية اما العنف فليس هو المنهج الاسلامي في التغيير لأن المنهج الاسلامي من يركز على إعادة صياغة النفس الانسانية ولا يمكن ان تصاغ النفس الانسانية بالقوة والعنف فلا إكراه في الدين لان الايمان الذي هو تصديق قلبي يصل الى درجة اليقين لا يتأتي بالعنف او الاكراه. وعلينا ان نؤمن ونحن نسعى الى التغيير اننا لا ننطلق من مجتمع فاسد ولا جاهلي مهما كانت التجاوزات الموجودة فبلادنا اسلامية ولكن غزتها الحضارة الغربية فاصطبغت بعلومها ونحن نريد ان ننقي الشوائب ونستكمل اسلامية المجتمع المسلم. ويطالب بالاستفادة من الحركات الاسلامية خاصة تلك التي كونت مشروعا إسلاميا حضاريا ولها إجتهاداتها في كثير من القضايا التي تواجه الامة. العقل المسلم أما الدكتور عبد الحليم عويس استاذ التاريخ والحضارة الاسلامية فيشير الى بعض اسباب الخلل في الواقع الاسلامي الراهن ويرى انها اسباب عميقة تتصل بالجوهر وبتكوين العقل المسلم والنفس المسلمة والوجدان المسلم خاصة بعد دخول الانسان المسلم الى عصور التخلف والانفصال عن حقائق الاسلام في المجال الاجتماعي وذلك حين سيطرت على فكرة الطرق الصوفية غير الجهادية والتواكلية والثقة المطلقة في الاشخاص والاكتفاء بهم عن النظر في الكتاب والسنة والتقاعس عن الاجتهاد واعمال العقل واحتقار الاسباب والاعتماد على الرجاء دون الاخذ بأسباب القوة وعلى الايمان السلبي دون العمل الصالح للدنيا والآخرة وتحقير الدنيا وعدم أداء حق الاستخلاف عن الله فيها وزاد من هذه الامراض الفصل بين علوم الدنيا والآخرة. خريطة السلبيات ويؤكد انه لا طريق لخلاص الامة إلا بالتفاف جميع المسلمين حول المشروع الحضاري الاسلامي وهذا يقتضي قيام المؤسسات الاسلامية الرسمية والشعبية بإعداد دليل اخلاقي وشرعي للأصول العامة الثابتة المشتركة التي تمثل الارضية المشتركة التي تجمع كل المسلمين. بالاضافة الى دراسة الحركات الاسلامية المعاصرة التي تؤثر في الواقع وإزالة ما يخالف الاسلام في افكارها. وعقد اجتماع بين قادتها للالتفاف حول عناصر الاتفاق ومعالجة عناصر الاختلاف... ودراسة معالم المشروع الحضاري الاسلامي والتركيز على إحياء فروض الكفاية التي اغفلتها الامة في مجالات الزراعة والصناعة والتقنية والاعلام والفضاء والاتصال وهانت الامة الاسلامية بسبب تخلفها فيها هواناً كبيراً... وضرورة وضع ضوابط خاصة بالدعوة والعمل الاسلامي حتى تعرف جميع الحركات الاسلامية مواقع اقدامها وبالتالي تنطلق على هدى ونور وبالتالي يمكن حل جميع المشكلات المعلقة مثل: * هل العمل الاسلامي يقصد الى بناء دعوة او قيام دولة وحضارة بديلة تأخذ احسن ما في اوروبا واليابان وامريكا وتحتفظ بالاصول والخصائص الاسلامية؟ ــ هل الحكم او الدولة وسيلة ان غاية؟ وكيف يمكن حل معادلة التعامل مع الحكام والدول بما لا يبدد الطاقة الاسلامية؟ ــ هل مسار الدعوة الكلامي ام العملي الحضاري هو الطريق الصحيح؟ ــ ولماذا لا تنقد كل حركة اسلامية او جماعة ذاتها بدلا من ان ينقدها غيرها وتتسع بالتالي شقة الخلاف؟ ولماذا توجد حساسية في النقد الذاتي؟ ويشير د. عويس الى ضرورة رسم خريطة السلبيات في التيارات الاسلامية وايجاد نوع من التنسيق بينها وتجاوز الاحقاد والخلافات موضحا اهمية إقامة مؤسسات الشورى والعدل الاجتماعي وحق الركاز في البترول لتنمية البلاد الاسلامية وتحويل حياة المسلمين الى حياة علم وعمل وانتاج وابداع تطبيقي وصناعي وزراعي وفني على المستويين الفردي والاجتماعي. ويرى انه في اطار التنظير المعاصر يجب التركيز على مواجهة التحديات وعلى رأسها مدى مشاركة الشعب في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال مؤسسات الشورى أو الديمقراطية التي تحتكم الى قيم الاسلام وكفالة حق الحرية كحق أساسي للأمة في ظل الضوابط الاسلامية. ويؤكد ان تغيير واصلاح المجتمع الاسلامي لا يستلزم فقط الحكم بالشريعة وجعل القرآن هو المرجع لمؤسسات الحكم والحكام وإنما لابد من احداث تحويل وتغيير نوعى للأمة مشيرا الى ان كل مسلم مسؤول عن هذا الاصلاح ويمكن التفكير في ارساء اعمال اسلامية على مستوى التخصص فهناك اطراف مهتمة بالجوانب الاجتماعية وأخرى بالجوانب الثقافية وثالثة بالجوانب الاقتصادية وهكذا. نظم التربية اما الدكتور محمد عبد الغفار بدوي الاستاذ بكلية الدراسات الاسلامية والعربية بجامعة الازهر فيؤكد على ان اصلاح مسار هذه الامة لابد ان يأخذ في الاعتبار الارتباط بالاصول العقيدية ومنطلقات الفكر لهذه الامة دون ان يغفل قراءة الواقع قراءة صحيحة. ويشير الى اهمية اصلاح نظم التعليم والتربية لان التربية هي الاساس في اعداد اجيال قادرة على حمل لواء الاسلام والنهوض بالامة من جديد. وكذلك الاستفادة من حركات الاصلاح السابقة والمعاصرة فتجربة محمد علي مثلا في مصر كانت تجربة رائدة لانه نقل من فرنسا العلوم العملية والصناعات فقط ورفض إرسال بعثات لدراسة العلوم الانسانية والاجتماعية لانه ادرك ان الاسلام يسبق الغرب في هذا المجال... وبالتالي فإن دراسة حركات التجديد والاصلاح عامل مفيد لتحقيق نهضتنا في الوقت الحاضر, كذلك لابد ان تقوم مؤسسات التربية والتعليم والاعلام والتوجيه بدورها في تجسيد العقيدة الاسلامية في واقع الناس والمؤسف ان هذه المؤسسات اصبحت تقوم بدور مضاد يكرس الواقع السيء في العالم الاسلامي ويعرض الواقع العربي كنموذج يجب على المسلمين الاخذ به. عملية شاملة ويؤكد الدكتور احمد شلبي الاستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة على ضرورة تربية الافراد والجماعات على تحمل المسؤوليات والاضطلاع بالاعباء بحيث يشعر كل فرد بمسؤوليته دون ان يلقي بالتبعية على الآخرين وهذا يستلزم تهيئة المسلمين لتقبل التغيير وتوسيع دورهم الفاعل والمؤثر في تقرير مصير المجتمع وأن يكون للمؤسسات الاسلامية دورها في الاصلاح والتغيير المنشود من خلال تفعيل دور النقابات المهنية والعالمية وتفعيل دور المسجد بحيث يقوم امام المسجد بأسلمة الحي الذي يقع في دائرته المسجد... بالاضافة الى إنشاء المدارس الدينية الحرة لتثقيف المسلمين وتوعيتهم بأمور دينهم والاهتمام بالمرأة المسلمة لأنها هي المدرسة التي تربي الاجيال فإذا لقيت من العناية والتربية ما يكفل صلاحها فسيكون لها إسهام كبير في تحصين المجتمع ضد عوامل الفساد والانحلال وإنشاء اتحادات وروابط للعلماء والدعاة لا تكتفي بمجرد اصدار الفتاوى وإنما يكون هدفها التصدي لمحاولات التشويه والتحريف ومواجهة التيارات المعادية للاسلام. القاهرة ــ مكتب البيان

طباعة Email