مارسيل خليفة : امتلكت أحلاما بتغيير الكون ... لكن الانكسارات أصابتني

ازدحمت قاعة المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية في مؤتمر الموسيقى العربية الأخير الذي انعقد بالقاهرة بجمهور كبير جاء للاستماع إلى الفنان اللبناني (مارسيل خليفة) الذي غنى للمرة الأولى في مصر منذ بدء مشواره الفني الطويل . وقد بكى الجمهور وصفق لألحان العرض المسمى (جدل) الذي قدمه مع شربل روحانا أن يستمع إلى بعض أغاني (مارسيل) القديمة مثل (أمي وريتا) وغيرها من أشعار محمود درويش. وقد طالت السنوات ليلتقي مارسيل مع الجمهور المصري ولكنه لم يفارق أبدا البال, وظل على مدى 20 عاما مثالا للموسيقار المقاتل الذي يغني ما دامت على الأرض قصائد. لم يخف أن ننساه بين زحمة الأسماء وهيأ موسيقاه وأغنياته لكل الوطن العربي. (البيان) التقته ودار هذا الحوار: ألم يكن هناك بدبي انتظار عشرين عاما حتى تغني في القاهرة وتلتقي بالجمهور المصري وجها لوجه؟ ــ إن رحلتي بالطائرة من بيروت إلى القاهرة استغرقت ساعتين بينما استغرق وصولي إلى مصر 20 عاما, وهذا التأخر يدل على التشرذم الثقافي في الوطن العربي ومدى الحصار الذي يتعرض له فن مغاير للسائد, فأنا منذ بدايتي صرت محاصرا ولم يحدث تواصل بيني وبين الدول العربية والقاهرة ولأسباب وصفت بأنها سياسية ولكني أبدا لم أفقد التواصل بيني وبين الشعب العربي فجسور الثقة ممتدة بيننا, وأكبر دليل على ذلك الجمهور الغفير الذي احتشد ليستقبلني في دار الأوبرا المصرية والذي دل على انهم جميعا بحاجة إلى موسيقى تعايش الحياة وتعبر عنها, وهذه الأسباب السياسية التي لها حق منعي من دخول البلاد العربية لم تستطع منع صوتي من أن يشق الريح ويصل إلى كل المرافئ العربية, ولم تقدر على الوقوف في وجه موسيقاي التي تسللت واجتازت الممر الشائك إلى قلوب الشعب العربي الذي يتزاحم ــ دون غرور ــ على حفلاتي التي أقمتها بمسارح عالمية كبيرة في أوروبا وأمريكا. عرفك الجمهور المصري منذ بداية الثمانينات عبر ألبوماتك التي تسللت في حقائب السفر, فهلا ألقيت بعض الضوء على مشوارك الحافل؟ ــ تخرجت في المعهد الموسيقي الوطني في بيروت, وكنت حينذاك شابا صغيرا طموحا وأمتلك أحلاما وكأنني سأغير الكون وسأصنع الفردوس المفقود, وبعد تخرجي إندلعت الحرب في لبنان وبدلا من طموحاتي في تغيير الكون تغيرت أنا وأصابتني الانكسارات التي تعرض لها كل جزء في وطننا العربي, فصرنا نعاني من أشياء قديمة ومستجدة: العناء اليومي والكبت الحياتي وضغط وقسوة الواقع المر كل هذا وما شابهه جعلني أبحث عن ذاتي لأعبر كل هذه الحواجز, وزادت الحرب وانطلقت أنا أحقق ذاتي عبر الموسيقى والغناء, وبدأت تجربتي عندما وجدت نفسي محاصرا ولا أملك سوى ديوان صغير لشاعرنا الكبير محمود درويش فلمعت في ذهني الفكرة وانطلقت كمن يحطم قيوده تطلعا للحرية, ألحن بعض قصائد درويش وكنت محاطا بالمثقفين الذين حملوا أغنياتي وتحولت إلى أغان شعبية يرددها البسطاء وكانت أول قصيدة هي (العاصفة) ثم أغنية (أحن إلى خبز امي) وكانت هذه الانطلاقة الأولى هي التي كونت رؤيتي لمشروعي الخاص. ولكن البعض ينظر إليك كفنان يخص النخبة فقط.. فما هو تعليقك؟ ــ أعتقد أن خياراتي التي تحمل خلفية فكرية ناجعة من الحياة هي التي طبعت هذه الرؤية عني, ولكني لا أغني للنخبة, بل أسعى إلى مناصرة قضايا الإنسان العادلة في الوطن العربي, وأغني لبيروت ولكل مدينة عربية وأحاول الوصول إلى كل إنسان عربي أحمل عنه بعضا من همومه ومعاناته وأعبر عنه بثقة وعظمة وبروح من التمرد عبر رؤية فنية وموسيقية وشعرية. إذاً فأنت تشعر بالرضا عما قدمته؟ ــ لا يوجد رضا مطلق, فبالرغم من الجماهيرية التي حققتها وبالرغم من المساحات التي وصلت إلينا في عالم الموسيقى إلا ان هذا يزيد من مسؤوليتي ويدفعني أكثر لكي أبحث عن كيفية تطوير عملي الغنائي أو جملتي الموسيقية. هل هناك ضرورة أن يربط الفنان فنه بالسياسة؟ ــ أعتقد ان الفن ليس منفصلا عن السياسة, فالسياسة هي كل شيء في الحياة.. هي الكلام ولقمة العيش والعلاقات الخاصة و.. الأغنية والموسيقى, ويمكن أن أصف تجربتي ومشروعي الخاص بأنه عمل سياسي, فأغنياتي مقدمة للحياة ونابعة منها.. ترافق الإنسان وتعبر عنه في يومياته وأحاسيسه وأفكاره وأحلامه وهمومه. هل ما زلت تخبئ في جرابك الخاص أحلاما أخرى لا نعرفها.. وما هي؟ ــ لا حدود لأحلامي وطموحاتي وما زلت أحمل جرابا ثقيلا من الأحلام لمشروعي الأساسي وهو الموسيقى أما بالنسبة للغناء فأنا مجرد مؤد له, وقدمت من قبل أكثر من 20 ألبوما موسيقيا وغنائيا بالاضافة إلى ثلاثة مؤلفات موسيقية على العود, وأنا بصراحة في عالم الموسيقى لا أصغي إلا لموجتي الخصوصية, وأخيرا قدمت عرض (جدل) والذي شاركت به في مهرجان الموسيقى العربية بمصر وهو عبارة عن تصارع بين عودين يبحث في آفاق جديدة في العزف على هذه الآلة, وبالنسبة للغناء فأنا أعد حاليا مشروع الجسد وأعتقد أنه سيكون نقطة تحول في الأغنية العربية وخاصة العاطفية, وهو ما أعكف عليه الآن. القاهرة ــ (البيان) ــ منيرة بركات

طباعة Email