استراحة البيان: الجنرال والشاعر: يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

حتى اللغة مرتبطة بالسن. فأمثالنا لا يتحدثون عن المضارع ولا عن المستقبل, بل يتحدثون عن الماضي. ولقد استوقفتني هذه الملاحظة عندما أردت ان أحدثك عن قوة ذاكرتي . فتنبهت الى ان هذا ما كان, وان الأمور تغيرت اليوم, حتى انني وافقت على ان أكون ضيف فترة مفتوحة مع المستمعين في احدى الاذاعات, واستمر التفاوض على هذا الاشتراك شهرا أو نحو ذلك, وفي اليوم الموعود فوجئت بمكالمة تليفونية على الهواء تسألني لماذا لم أحضر الى الاذاعة حتى الآن؟ وكنت قد نسيت تماما. وتولى المذيع الربط بين هاتفي وبين المستمعين. وبالطبع كانت فضيحة. وأنبني الجميع على اهمالي! وهذا لم يحدث أبدا من قبل, أذكر انني عندما كنت في الجامعة, ولاحظ استخدام الماضي, قرأت في الاختبار سؤالا أمتعني ان أجيب عليه, وهو ما لم يكن يحدث عادة. وأسهبت في الاجابة, وأخذت أذكر المراجع في الهوامش مقرونة بأرقام الصفحات. وكان هذا السلوك مراهقا بالطبع, فليس مطلوبا في الامتحان تذكر المراجع, وأرقام الصفحات. وكان يدرس هذه المادة الدكتور أحمد فخري, وقد أسعدني ان أجد شارعا مسمى باسمه في مدينة نصر, وأسعدني أكثر انه شارع كبير جميل. وكان أحمد فخري عالما بتاريخ ما كان يسمى بالشرق الأدنى وما يسمونه الآن الشرق الأوسط, والتسميتان تعودان الى المتخصصين الغربيين. وكان أحمد فخري عالما في التاريخ الفرعوني. وأذكر انني قابلته في مؤتمر بإحدى الدول العربية, بعد احد عشر عاما. وتعرفنا بسرعة, وان لم أقل له انني كنت تلميذه. وكنا نخرج الى السوق معا, ونثرثر في مقاهي الفندق بالساعات. وبعد أيام قلت له انني كنت تلميذا له, وأشرت الى هذه الاجابة الغريبة, فاذا به يذكرها كما أذكرها وأكثر. وقال لي انه اعتقد ان الطالب ــ الذي هو انا ــ يحكر به, فقضى نصف يوم يراجع الهوامش على المراجع. ضربت هذا المثل لأتباهى أمامك عزيزي القارىء بقوة ذاكرتي, التي بدأت تنهار مع الزمن. وفي الاسبوع الماضي قرأت مقالا عن بينوشيه جنرال شيلي السفاح. وكان كاتب المقال مندهشا لأننا لسنا مهتمين بهذا الحادث الهام الذي تمثل في رفع الحصانة عنه كرئيس جمهورية سابق, الامر الذي من الممكن ان يعرضه للمحاكمة على قتل آلاف وآلاف. وأعجبني المقال, فلما أردت ان أعود اليه لم أعد أذكر أين قرأته ولا من كتبه. وأخذت أبحث عنه في ركام الصحف التي تأتيني كل يوم, فلم أعثر عليه. وأنبت زوجتي فطالما اقترح عليّ الاصدقاء ان يكون معي سكرتيرة تنظم مثل هذه الاشياء, ولكن زوجتي رفضت الفكرة دون مناقشة, وكلما فتحت الموضوع أغلقته, رغم انها في غير هذا الموضوع والشهادة لله قادرة على السماع, والمناقشة, وتستوعب الرأي الآخر, على غير عادتنا العربية. وفي النهاية اعتذر لكاتب المقال اذا احس ان هناك تشابها في تفسيري لعدم الاهتمام بالجنرال المريض في وطننا العربي مع ما كتبه. ذلك انني أرى ان حقوق الانسان لا تشغلني كثيرا. هذه واحدة اما الثانية فهي ان شيلي بلاد بعيدة, لا نعرف عنها شيئا ولا نريد ان نعرف. واذا عصرت الذاكرة, وها أنت ترى كم ضعفت, فسأجدني لا أعرف عن شيلي الا شعر بابلو نيرودا الذي كان أحد شعرائنا في الستينات. ولا أعرف الا سلفادور الليندي الذي ربما كان أول ماركسي يصل الى السلطة عن طريق الانتخابات الحرة. وذلك في حضن الولايات المتحدة, التي كانت تئن من شوكة كوبا, وتآمرت الولايات المتحدة على الرئيس الماركسي, وأسقطته لتأتي بأربعة جنرالات أحدهم بينوشيه, أقاموا مذابح لا تكاد تصدق. هذا ما أعرفه عن شيلي, وهو كما ترى ضئيل. ومع ذلك فلقد كنت من القلة التي اهتمت باعتقال الجنرال السفاح. وربما كان السبب في ذلك رواية أدبية هي التي أدخلتني الى عالم شيلي المثير. هذه الرواية عنوانها (باولا) وباولا هذه هي ابنة الكاتبة, وقد أصيبت البنت بمرض تسميه الكاتبة البورفيريا, وأعرف انه المرض الذي أصاب أحمد بهاء الدين ففقد الوعي سنوات. يعيش لكنه ليس متواصلا مع ما حوله. ولا ندري, ولا يدري الأطباء هل يشعر بشيء أم لا. ويحتاج الى من يطعمه أو يتم ذلك بوسائل صناعية. والكاتبة هي ايزابيل الليندي, والاسم بالطبع يلفت النظر, فهي ابنة أخ الرئيس القتيل سلفادور الليندي. ولقد قضت ايزابيل شهورا طويلة حول سرير ابنتها باولا, كتبت خلالها هذه الرواية لكي تخفف عن نفسها أو لتحمي نفسها من الخوف وهي ترى ابنتها ذات الثمانية والعشرين ربيعا تحدق في المطلق, وكأنها لا ترى شيئا... أو هي فعلا لا ترى شيئا. وأنا مدين لهذه الرواية بمعرفة الكثير مما حدث في شيلي ابان حكم الليندي القصير, والانقلاب عليه. وفي هذه الرواية تقدم الجنرال السفاح بقولها: (عين اوجستو بينوشيه قائدا أعلى للجيش, وهو رجل عسكري غامض لم يكن قد سمع به من قبل. وقد اقسم ان يبقى مخلصا للديمقراطية) ولكن هذا الرجل كشف بعد ذلك عن انه واحد من أبشع حكام التاريخ, وان لم يثبت انه كان يأكل الأطفال! ومن أجمل صفحات رواية ايزابيل (باولا) ما كتبته عن بابلو نيرودا شاعر شيلي الكبير, وخاصة عن أيامه الأخيرة... تقول: في الثالث والعشرين من سبتمبر 1973, بعد اثني عشر عاما من الانقلاب العسكري, توفي بابلو نيرودا, لقد كان مريضا. وجاءت احداث تلك الايام الحزينة لتقضي على رغبته في الحياة. احتضر في فراشه, وهو ينظر الى البحر الذي يلاطم الصخور تحت نافذته دون ان يراه. وكانت زوجته قد فرضت دائرة محكمة من التكتم حوله, حتى لا تصل إليه أخبار ما يحدث في البلاد, ولكن الشاعر عرف بطريقة ما بأمر آلاف المعتقلين والمعذبين والمقتولين. لقد هشموا يدي المغني فيكتور خارا, كأنهم يقتلون العندليب. ويقال انه استمر يغني. فكان ذلك يستفزهم أكثر. ما الذي يحدث؟ لقد اصيب الجميع بالجنون. هكذا كان الشاعر يدندن ونظراته تشرد. بدأ يختنق, وحملوه في سيارة اسعاف الى مستشفى في سنتياجو. وأثناء ذلك وردت مئات البرقيات من حكومات عديدة عارضة اللجوء السياسي على الشاعر الحائز على جائزة نوبل. وذهب بعض السفراء اليه ليقنعوه بأنفسهم بأن يرحل. ولكنه لم يشأ ان يبتعد عن وطنه الذي يعاني الكارثة. طلب من زوجته ان تعاهده على الا تترك البلاد. وعاهدته. وكانت آخر كلمات قالها هذا الرجل الذي غنى للحياة: سيرمونهم بالرصاص.. سيرمونهم بالرصاص! فأعطته الممرضة مهدئا, ونام بعمق إلى الأبد! هذا ما كتبته ايزابيل الليندي عن نهاية نيرودا. والجنرال بينوشيه مطلوب من عدة مصادر اهمها اسبانيا التي تطلب تسليمه اليها لمحاكمته عن مصرع ثلاثة آلاف اسباني بمسؤولية شخصية منه. والجنرال مريض يعالج في احد مستشفيات بريطانيا. وربما أصابته دهشة كبيرة مما يحدث حوله. ولعله تساءل عن سبب غضب هؤلاء الناس, ورفع الحصانة عنه, ولقد تصور انها أبدية. وربما تكاد تصرعه الدهشة. فما قيمة آلاف الأرواح الى جانب روحه هو, وصحته هو؟ نخرج من هذا ان العالم قائم على الخير والشر. والخير نراه كثيرا والحمد لله. والشر نراه كثيرا والعياذ بالله. أما ما يفعله أمثال الجنرال بينوشيه فهو ليس من الخير طبعا, ولا أظنه من الشر أيضا, فهو ينتمي الى شيء آخر لا نعرفه.. شيء مظلم يأتي من أعماق الجحيم. لقد فكرت لأنني معجب بنيرودا ان أرفع قضية أطلب فيها محاكمة بينوشيه لأنه كان سببا في موته. ما رأيكم؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات