استراحة البيان: زيتنا ... ودقيقنا: يكتبها اليوم- محمد الخولي

قضى الامر, وما شاء الله كان, وهكذا الفينا انفسنا وقد القينا عصا الترحال - كما يقولون - في الاصقاع الامريكية . كان ذلك منذ نحو خمسة عشر عاما تقل او تزيد ... وشاءت المقادير ان تختار لسكنانا قرية صغيرة من اعمال ولاية نيويورك اسمها (لارشمونت) وهو اسم ــ كما قد لايخفى عليك - له رنين فرنسي الايقاع وهذا صحيح لانها تقع في المنطقة التي عاش فيها من قبل الفرنسيون الهاربون من الاضطهاد الكاثوليكي في فرنسا وكان ذلك ابان نشأة امريكا نفسها ومن ثم فقد تركوا بصماتهم على (داير الناحية) من حيث اسماء الاماكن على اقل تقدير. وعندما قالوا للعبد الفقير ان سكنى القرية افضل له ولعائلته الصغيرة وخاصة لوحيدته التي كانت يومها تروض الخطى عند مشارف العاشرة من العمر, ذهبت الظنون بالعبد الفقير كل مذهب, ولم يسعه سوى ان يستدعي الى الذاكرة صورة القرية كما وعاها وجدانه في كل اقطار الوطن العربي العزيز وقد شاء له الله ان يعايشها مابين قرى السودان الى حلات العراق, وما بين مضارب الخليج الى ارياف اليمن, ومابين نجوع ليبيا الى دساكر مصر المحروسة. كلمة (قرية) في وجداننا ولنعترف - تكاد ترادف عواصف التراب واكوام السباخ ونقيق الضفادع ومعزوفات شركائنا من ماشية وحيوانات القرية .. انغام الخوار وايقاع الثغاء وكونشرتو النعيق وصولو النهيق وما الى ذلك بسبيل .. ولقد يطربنا في القرية اليعربية القريرة دخان الحطب المتصاعد من اسطح البيوت الساذجة ممزوجا بقتار اللحم احيانا او بعبير البصل والثوم والطماطم بغير لحم في معظم الاحيان. ولكن حين حططنا الرحال في القرية الامريكية المنشودة من اعمال نيويورك - كانت الصورة مختلفة تماما اين اذن اكوام السباخ, واين ادخنة الحطب المحروق - وهالات العفار لتستقبل عند مدخل القرية وجوه القادمين؟ هاهي لارشمونت: الاسم قرية والفعل ضاحية جميلة وادعة نظيفة يتجلى فيها معنى السكون وايقاع الخضرة وتميز المناوبة بين انبلاج الصبح ورائعة النهار وشفق الغروب وحلول استار الظلام. ودارت الحياة في دولابها المرسوم اسبوعا واسابيع, وما كدت آنس الى القرية الجميلة الوادعة .. واتعود على رحلة القطار يصل ويقلع بالدقيقة والثانية بين صخب مانهاتن في قلب نيويورك ووداعة الارياف التي وطأت كنفها لسكنانا - حتى طالعتني مشكلة لم تكن لتطرأ للمرء على بال - لقد بدأت تباشير رمضان ... ها نحن نتجاوز ليلة النصف من شعبان ومن جعبة الحقائب التي جئنا بها من بلادنا . وما اكثر ما نحمله من حقائب ينوء بوقرها العصبة اولو القوة - نخرج اصناف الزبيب ودفاتر قمر الدين وانواع التمر والمكسرات (النقل بضم النون كما كانت تقول جداتنا) وقد حثنا بها لزوم مؤونة رمضان من محمصات الخليج العربي وزن عليها من مقالي مصر ايضا بدعوى ان زيادة الخير خيرين وان الاحتياط واجب وان كرة الارض قد تكف عن الدوران لو نفدت المؤونة من قمر الدين. بعدها انخرط العبد الفقير في جلسة تأمل عميق شأن كل الفلاسفة والمفكرين وتبلورت تلك التأملات في سؤال شديد الفضول بالغ الالحاح يقول: - طيب وماذا عن الطقوس والشعائر التي تميز رمضان الكريم؟ ماذا عن اذان المغرب اعلانا بانتهاء الصيام ثم تسبيحة الشكر وابتهالات الشيخ النقشبندي التي انفطمت عليها نفوسنا منذ نعومة الاظفار في مضارب رمضان من اذاعات القاهرة وتوابعها؟ ولم يطل بي التفكير نحن في غربة مركبة ان شئت التعبير .. بعيدين عن الاهل والديار, وبالتحديد عن ثقافة العرب والمسلمين, ونحن ايضا في دسكرة امريكية نائية نظيفة, نعم, ولكن لايرتفع في سماواتها اذان, انيقة بلا شك, ولكن لاتعرف ماهو رمضان الشهر, والمعنى والرمز والسلوكيات والبركات. لحظتها شمرنا عن ساعد الجد, وآثرنا ان نرقى الى مستوى مسؤوليتنا في عمادة الاسرة الصغيرة, وكم تهربنا في احيان كثيرة عن حمل هذه المسؤولية موكلين تبعاتها الى زوجتنا العزيزة وخالعين عليها لقب عميدة الاسرة وحصنها الحصين, لزوم التشجيع وان شئت التوريط. وهكذا قررت ان ارفع عقيرتي شخصيا واسجل بصوتي المتواضع اذان المغرب ومن بعده تسبيحة شكر بعبارات رجوت ان تكون متهدجة خاشعة قدر الامكان, ويضاف الى ذلك حسب تساهيل الابداع الصوتي - شيئ من موشحات الشيخ سيد النقشبندي. كانت مهمة تاريخية بكل معنى وكيف لاتكون كذلك وانا انقل قبسا من ثقافة الوطن الى بيت صغير في نجع امريكي سبق وان سكنه الهوجونوت - البروتستانت الفرنسيون؟ ناهيك عن اننا بصدد ترجمة الشعار الخالد: (زيتنا في دقيقنا) او رديفه الشعار الذي يتحدث عن حمارتك العرجاء التي هي خير من سؤال اللئيم, وها نحن نقول: اذانك للمغرب الرمضاني - ولو نشاز - خير الف مرة من ان تنظر في الساعة مثل اي خواجه من سكان النجع داير الناحية الامريكية ثم تهجم على قصعة الثريد او تتناول القدح المرتجى من مشروب قمر الدين, دون مقدمات ثم كيف يصلح قمر الدين او خشاف المكسرات شرعا بغير اذان وتسبيحات؟ هنالك انفتح امام حنجرتنا جهاز التسجيل المنزلي وكان ذلك في واحدة من ساعات التجلي من اخريات شعبان وقبل ان نهم في (نتعة) الاذان كما يقول الالاتية اهل الكار الموسيقى كان علينا ان نتوقف قليلا لزوم المزيد من التدبر وامعان الاختيار حسب اي طريقة في اسلوب الاداء نرفع اذان المغرب المحلي حسب التوقيت المحلي في لارشمونت في مقاطعة وست شستر شمالي نيويورك؟ هل على طريقة الشيخ محمد رفعت اجمل الاصوات التي رتلت آيات السماء خشوعا ورقة وخضوعا؟ ام طريقة الشيخ عبد العظيم زاهر: الصوت الرخيم الجهير بايقاعاته الذهبية وقد سمعته يوما يقرأ القرآن في مسجد محمد علي بقلعة القاهرة وبغير ميكرفون .. واشهد الله ان عرفت ساعتها معنى ان يقطر الوحي من السماء سلسلا من سلسل ثم يعود فيصاعد بالتلاوة الجميلة الخاشعة ليربط بخيوط من نور بين الارض والسماء. ام طريقة الشيخ (ابو العينين شعيشع) صوت الكروان الصادح الحافل بابداع النغم ينبه الغافل وينعش الوجدان .. ويجود باللحن في اداء الاذان مثل قطر ندى عند تباشير فجر وليد. ولابد مما ليس منه بد, ادينا اذان المغرب على طريقتنا الخاصة فما كان بوسعنا ان نصعد الى مراقي هذه الاصوات العبقرية الموهوبة ثم حاولنا ــ علم الله ــ ان نبذل كل جهد في دنيا التطريب او الترجيع او الفن او الاشباع ولكن ذهبت المحاولات ادراج الرياح .. فالنفس لا يساعد والموهبة لا تسعف .. والمسألة لم تكن سهلة كما بدت للوهلة الاولى .. فلا كل من رفع الاذان صيت ولا كل من ركب الحصان خيال .. ولذلك اكتفينا من كل الغنائم بترديد شعار شيء احسن من لاشيء, وعندما راجعنا اهل بيتنا في الامر لم نتورع عن تبرير المسألة متمحكين في حكاية الاداء الشرعي للاذان وهو نوع ــ كما لايخفى عليك ــ من تبريرات المثقفين. ولعلنا سررنا ممعنين في غينا هذا فضربنا المثل من احمد شوقي بجلالة قدره .. وقوطعنا لحظتها بالسؤال: ماله امير الشعراء - هل سجل بدوره الاذان على اسطوانة اداروها في كرمة بن هانىء؟ ساعتها عمدنا في رصانة معرفية نحسد عليها الى شرح الامر قائلين: ان امير الشعراء حين اراد ان يزوج نجله (علي) اقام حفلا بهيجا في سنة 1924 وقد شهده الزعيم سعد زغلول شخصيا (له صورة تاريخية جالسا بشيخوخته المهيبة وامامه على الاريكة الفخيمة الشاعر شوقي منزويا كأنما يخاف من شيء مجهول) . وكان طبيعيا ان يشارك في احياء الحفل المطرب الناشىء يومها محمد أفندي عبد الوهاب وقد شنف آذان الحاضرين والمدعوين باغنية جديدة كان عنوانها (دار البشاير مجلسنا, ان شاء الله تفرح ياعريسنا... الخ) . وكانت الاغنية من تأليف والد العريس... احمد شوقي شخصيا. واذا كان امير الشعراء قد طبق حكاية زيتنا في دقيقنا وكان ذلك على شط نيل القاهرة ... فلماذا تنكرون علينا ان نطبق نفس المبدأ حول الزيت المحلي والدقيق المنزلي, واين .. في قرية لم يرفع فيها من قبل اذان ولا سمعت لاقامة صلاة ولا تسابيح شكر ولاموشحات في مدح (الرسول عليه السلام) . والحاصل ان لم يقتنع اهل منزلنا بكل هذه الحجج التاريخية والمنطقية الدامغة ولكنهم اكتفوا بالاذان الشرعي الذي سجلناه, وبعدها قرروا التنازل عن سماع التسابيح والتواشيح وكان في قرارهم ولاشك خسارة لعلم الانشاد الديني في دنيا العروبة والاسلام.

طباعة Email