وضع الفراهيدي عروض الشعر فيه:(سوق الصفارين)في بغداد نحاس ونقوش وعبق تاريخ

جلس على دكة , بين مطارق السندان وأزميل الصفارين.. وتأمل في الطرقات التي ترن على المعدن المسكين.. ودندن, فصمت.. لكن صمته ما زال يدوي ويطرب ويشجي الشعر العربي . هناك في سوق الصفارين أو سوق (الصفافير) كما يسميه العراقيون.. وضع الفراهيدي أروع نظريات الشعر العربي ونظم أبدع موازينه. أهداب عين السوق عبارة عن محال صغيرة جدا فيها كنز العراقيون تاريخهم.. أزمان غابرة.. صاغتها أنامل دافئة.. مربعة.. كأنها مخيلة ترافق موجات دجلة وأصالة صخورها واباء ضفافها. تفضل أيها السيد.. هذه تروي قصة عشتار.. وهذه سيدة الجنوب. منذ كم من الأعوام تعمل هنا يا جدي..؟ نظر إلى الرجل العجوز ووجهه يلمع مثل النحاس, المصفوف على الرفوف. كنت أرافق أخي ونبحث في تحف تعود بتاريخها إلى مجد زاخر, قال عباس محمد: ــ منذ أجيال عديدة.. تناقلنا هذه الصنعة أبا عن جد ونورثها لأبنائنا.. انها ذخرنا وكنوزنا الموروثة. كيف تتأكد من صحة الصور والنقوش؟ ــ ألاثرية تقصدين.. نحن نحفظ هذا التاريخ.. يسري في عروقنا.. ألم نصنعه نحن؟ لكننا لا ننقش الاثريات فقط بل ان صنعتنا تتعداها إلى النقش وفق ذائقة صاحبها, الصواني النحاسية بأحجامها وتنوع في المشاهد بين الطبيعة العراقية الجميلة وبين التاريخ وبين الأخيلة التي يتركها دجلة وليله السامر على عيون أصابعنا. تقول العيون! ــ نعم فأصابعنا تنطق أكثر من أفواهنا وتبصر أكثر من عيوننا, انها تستدير على النحاس والفضة مثلما يستدير الزمان على وجوهنا وأجسادنا. سألت الرجل العجوز وأنا أنظر للمباخر والتحف المزخرفة بنقشات مغربية: هل تجد هذه المباخر رواجا؟ ــ قال: أغلب من يشتريها السواح.. لم يعد العراقيون بحاجة إليها, تغير الزمن ــ كانت تستخدم في المواسم الشعبية وتزين الرفوف. نحن نصنعها بتنويعات مختلفة تجتذب السياح فتارة نطيلها بالفضة وتارة بالأوكسيد أو ماء الفضة عدا عن استخدامنا مواد أولية متنوعة مثل النيكل الأبيض أو النحاس. نقاشون فطريون في ركن تضيئه شمس النهار يرصف النحاسون أبواب النحاس والمناقل التراثية.. شذرات لا تزال تنبض بالسحر وبقصص ألف ليلة وليلة.. التصميم يقودك حتما إلى أجواء الزمن العباسي أو الإسلامي وقد تجد بعضا من الفن المغربي الذي لا يبتعد كثيرا عن الفن الإسلامي, ناهيك عن النقشات التراثية العراقية وهي تتسم بفطريتها وجمال تعبيرها. شغف العراقيون القدماء بأبواب النحاس الملونة معتقدين بدءا انها تطرد النحس, ثم صارت سمة الأثرياء أو لنقل بيوت الأثرياء. وقد تصنع الأبواب من الخشب المحفور ثم تؤطر بالنحاس الذي يستخدم أيضا في اطارات أو تيجان المرايا. والمناقل.. أوعية نحاسية أو معدنية مستطيلة ذات عمق لا يتجاوز ثماني أصابع, يتجمع حولها أفراد العائلة الواحدة أو الأصدقاء, وعلى نارها الفحمية يشوون اللحم أو ينضجون الشاي.. وتدور ليالي السمر حول هذه الآلة السحرية.. كأن نار الفحم تصيب القلوب بعدواها وتؤجج الحكايات ولوعات الهوى.. والحديث.. ذو شجون. يقول ابن القوطي في كتاب (الحوادث الجامعة) وهو يتحدث عن حوادث سنة ست وخمسين وستمائة: (ان شهرة بغداد في صناعة النحاس كانت تملأ الآفاق, وكان أهل الكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فينتفع الناس بذلك وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة والصفر المطعم وغيرها من الأثاث. و(الصفر المطعم) هو النحاس المطعم بالفضة أو بالنيكل. ويقول الثقات من الباحثين في الفنون الإسلامية: (ان التحف النحاسية التي كانت تصنع في بغداد في العصر العباسي خليط من النحاس الأحمر والبرونز والقصدير) . ويشتهر النحاسون في بغداد بصناعة الصحون العميقة والقدور وخزانات المياه والجرار والأباريق والدلال والصواني والقناديل... وتبدو بعضها منقوشة بطريقة متقنة ودقيقة لتدل على حرفة صانعيها. بين الرصافة والجسر وتعتبر محلة (سوق الصفافير) العريقة من محال الرصافة الشهيرة. وقد ذكرها الكثير من السياح والمستشرقين. ولهذه المحلة توابع عديدة منها: خان الصفار وبه عائلات تحمل نفس اللقب, خان يعقوب, جامع القبلانية وقد بني سنة 112هـ وأوقف عليه سوق (الهرج) الصغير, الجسر الشهير والذي يخلده بيت الشعر المشهور (عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ادري ولا أدري) , والقشلة. وتقع جنوبي الجسر والقشلة ــ والتي يؤدي إليها السوق ــ المدرسة ذائعة الصيت (المدرسة المستنصرية) التي بناها الخليفة المستنصر بالله سنة 620هـ الموافقة لسنة 1222م وعليها خطوط بديعة. والقشلة تمتد فيها المباني الحكومية أيام العهود الملكية السابقة وتعتبر مدخلا آخر للسوق يمر عبر السوق المسقفة. ويمتد سوق الصفارين على مساحة عدة كيلو مترات, تتوهج هويته الأثرية على امتدادها من خلال النقوش التي توحي بقدمها وحسب ما أورده بائع قديم (ان السوق قديم جدا حيث كان جدي يعمل فيه منذ زمان العثمانيين). والمتجول في السوق يحار أين يوجه عيونه فالتحف تحيطه احاطة السوار بالمعصم ويثيره الفضول حول أنواع الأدوات النحاسية والفضية من نارجيلة ومباخر, طاسات الحمام وآيات قرآنية, كؤوس وجرار وأباريق, مراود للكحل, كلبدونات وزهريات نفيسة الصنع, ولابد للعيون من أن يصعقها البريق وجمال المصنوع ولن ينسى الزائر ان أصوات طرق النحاس ترافقها أصوات العصافير على سقوف السوق والنخلة العتيقة وأعمدة الكهرباء النحيلة.. وسيخرج ومعه أكثر من ميزان عروضي, أو بحر من الجمال متلاطم, أو نجوم تلمع في زوايا السماء.. انها بغداد. بغداد ــ لهيب عبدالخالق

طباعة Email
#