بعد فوزه بجائزة البابطين للإبداع الشعري: شوقي بغدادي لـ(البيان): منذ بدايتي وأنا أكافح على جبهتي الرفض والتمرد، لست الممثل الوحيد للشعر العربي

حقق الشاعر السوري شوقي بغدادي بمجموعته الأخيرة(شيء يخص الروح)اضافة نوعية إلى شعره من جهة, وإلى الشعر العربي من جهة أخرى . فقد توجت هذه المجموعة بـ (جائزة البابطين للابداع الشعري) لهذه الدورة. ولأن الحوار مع الشاعر الكبير شوقي بغدادي لا يقف عند السؤال والجواب فقط, بل يمتد إلى الذات المفتوحة على الحياة بأسرها, لذلك أحببت أن أغوص في الألم ــ ألم الشاعر ــ أكثر, طالما الشاعر نظيف كالجمال, متواضع كالحرية, نشيط كالعدالة. فمنذ قرابة نصف قرن والشاعر يحمل أسئلة الحياة الصعبة, لذلك تراه حتى الآن يسعى ــ بذاك الحمل ــ إلى العدالة التي فقدت, وما زال ينتظر الحرية التي سوف تصل, وما زال ينظف الجمال من التلوث, إنه شاهد أمين على أحداث العصر, بخاصية شعرية تغوص في أعماق الذات, والتي من خلالها استطاع الشاعر أن يخرج منها كل ما هو قبيح وتكثيفها لحركته الشعورية, لأن شعره بالأساس أتى نتيجة رؤية كونية, وهذه الرؤية ــ دائما ــ تتجاوز رحمها, من خلال رؤيته للعالم والأشياء, كما سيتبين ذلك من الاجابات التي تحمل عناء التفصيلات والكليات. كما سيتبين للقارئ مدى ابداع هذا الشاعر الإنساني, المتواضع, الشفاف, الذي ما زال يسعى ــ أيضا وبنفس الحماس ــ إلى التجديد وإلى التطوير, دون يأس أو ملل, رغم بلوغه السبعين من العمر. في البدء, حبذا لو تقدم لنا مدخلا إلى عالمك الشعري الذي توج أخيرا بـ (جائزة البابطين للابداع الشعري) ذلك لأن الحديث مع الشعراء الكبار له مذاق دائما, لكن الحديث مع الشاعر الكبير شوقي بغدادي له مذاقه الخاص أيضا. ــ إذا كان صحيحا أن لكل شاعر عالمه الخاص فلا شك أن خصوصية هذا العالم تأخذ ملامحها وأبعادها من الخصوصية التي يتفرد بها كل إنسان على حده. هكذا, وأنا أعاود النظر في مسيرتي الشعرية أبدو كمن يقرأ في أعماق شخصه ــ لا شعره فقط ــ فألاحظ مثلا أن هناك تماثلا بين المسيرة الشعرية والشخصية, غير انه تماثل غير تام دائما إذ تعترضه تدخلات الآخرين التي تحاول باستمرار اقتحام العالم الداخلي للأفراد كي تصوغهم الجماعة على غرارها. في المضمون مثلا, يبدو أن لا شيء يؤرق هذا العالم الشعري مثل إحساسي بفقدان العدالة وغياب الحرية وتلوث الجمال. تلك هي أقانيمه الأساسية الثلاثة: العدالة, الحرية, الجمال.. في وحدة متجانسة يصعب ترتيب عناصرها من حيث الأولويات.. ومع ذلك فأنا لست واثقا من انني كنت على حق دائما فيما ذهبت إليه, فلقد كنت قاسيا أحيانا أكثر مما يجب, أو هشا أبعد مما ينبغي, كما كنت واقعيا إلى درجة الابتذال, وأحيانا مثاليا إلى درجة التبخر والضياع, الا انني في كل ما تخبطت وتعثرت فيه كنت مخلصا إلى درجة السذاجة أحيانا, وعندما أحاول الآن أن أفهم جيدا السر وراء كل هذا أكتشف أن مرجعه الأساسي يعود إلى طبيعتي الشخصية المتصفة بسرعة الانفعال, والفضول الكبير, والرغبة المحمومة في التدخل والمشاركة ضد كل ما كنت أراه قبيحا وظالما مما أوقعني في كثير من المتاعب.. حتى الآن!. إن شخصية من هذا النوع الصدامي ــ أو (الحشري) كما يقول عامتنا ــ لا يمكن أن تتعامل شعريا مع أقانيم العدالة والحرية والجمال بمعزل عن تأثيرها البالغ بالآخرين سلبا أو ايجابا, ومن هنا سر رغبتها القوية في المشاركة ولكن ضمن المناخ الجماعي على الأغلب ومن دون الاهتمام البالغ بالهموم الذاتية والرؤية الخاصة للأشياء, وهذا ما يميز طابع (الاعتدال) في التمرد برؤية ذاتية مرة وبرؤية جماعية مرة أخرى. أما من حيث الشكل الفني فأنا أبدو منذ البدايات شاعرا يكافح في صياغته الفنية على جبهتين, فهو من جهة يرفض الانصياع الأعمى للتقاليد السائدة, ومن جهة أخرى لا يوافق على التمرد إلى حد القطيعة معها, فتراه يكبح ما استطاع ذلك من جماح نزعته التمردية انسجاما مع الجماعة, أي مع الذائقة الجمعية أو بعض تجلياتها على الأصح, ومن هنا فإن عالمي الشعري باختصار كان يعكس فنيا هذه الرغبة العميقة في الحفاظ على التوازن بين (الذات) و(الموضوع) وهذا ما يفسر أيضا سر الخصوصية الفنية له والمتميزة أيضا بالاعتدال ــ كما في المضمون ــ بالرغم من الحيوية الفياضة التي كانت تدعم الاتجاهين. وفي تصوري انه بمعنى ما تعبير عن الثقة القوية بالنفس التي لا تؤخذ بالصرعات والموضات العابرة والتي تعنى بالتمييز بين ما هو قديم بال حقا فتطرحه جانبا وبين ما هو جديد أصيل في جدته فتأخذ به, وبهذا المعنى فإن عالمي الشعري لا يوصف بأنه (ثوري) إذا فهمنا الكلمة على أساس أنها التعبير على الرفض المطلق للماضي والسائد وقلب النظام الشعوري رأسا على عقب وتدمير الجسور مع التراث وتحطيم اللغة أو اختراقها ــ كما يقولون فإذا قبلنا بتعريف آخر لمصطلح (الثوري) على انه التعبير عن التغير الواقعي, والضروري, بعيدا عن المزاودات الشكلانية, والتجاوزات المتصفة بالاطلاق والتعميم فعالمي الشعري إذن (ثوري) بهذا المعنى. في الدورة السابقة حجبت الجائزة بسبب عدم توفر المستوى الفني المطلوب بالرغم من مشاركة شعراء معروفين ــ قارب عدد المشاركين مائتين وخمسين شاعرا كما قيل ــ ولهذا نقول للشاعر الكبير شوقي بغدادي هل كوفئ الشعر أخيرا؟ وماذا يقول الشاعر في ذلك؟ ــ هذه ليست المرة الأولى التي تمنح فيها الجائزة, فلقد منحت قبل الدورة الماضية وحصل عليها مثلا الشاعران السوريان: حسان عطوان ثم خالد محيي الدين البرادعي, وهذا معناه ان الشعر قد كوفئ قبلي فأنا لست الممثل الوحيد أو الأهم بالتأكيد للشعر العربي, غير أن المتتبع لابد أن يلاحظ أن مشاركة الشعراء العرب في هذه المسابقة لجائزة البابطين تزداد من دورة إلى أخرى, ومعنى ذلك أن المنافسة تشتد أكثر فأكثر وان الفوز بالجائزة يغدو أكثر صعوبة دورة بعد أخرى ومن هنا شعوري بالاعتزاز أنني خضت منافسة أصعب من المنافسات السابقة وهذا ما يعزز ثقتي بنفسي أنني شاعر أتطور نحو الأفضل باستمرار, وأنني لا أكرر أساليبي وتجاربي, أو بتعبير آخر انني لم أقف عند سقف معين كما يحصل عادة لمعظم الشعراء الذين يتقدمون في السن. منذ ما يقارب نصف القرن وحتى الآن, وشوقي بغدادي في تطور مستمر, فهل لك أن تحدد ما هي الميزة التي حققتها مجموعتك الشعرية الأخيرة (شيء يخص الروح) ؟ ــ لعل أهم ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو ان مجموعتي الأخيرة قد حلت أفضل من غيرها مسألة التنازع الخالد في أعماق كل مبدع فنان, بين (الذات) و(الموضوع) . صحيح ان (الذاتي) كان حاضرا باستمرار في جميع ما كتبت من شعر غير أن حضوره لم يكن كافيا دائما في نظري. إن التطور الأخير الذي تمثله مجموعة (شيء يخص الروح) هو التطور الذي وجدت فيه (الذات) فرصتها الأوفى في التعبير الشعري من دون أن تفرط طبعا بـ (الموضوع) , وهكذا يمكن القول ان واجهة اللوحة ــ القصيدة ــ باتت للذات بعد أن كانت للموضوع الذي تحول بدوره إلى (خلفية) لهذه اللوحة ــ القصيدة ــ. وهل سيعقب (شيء يخص الروح) ابداع آخر أكثر تميزا؟ ــ لا أدري.. وإن كنت أرجو ذلك وأعمل له باستمرار, فأنا في سبيلي مثلا إلى انجاز ديوان شعري يعالج موضوعا واحدا فقط, هو علاقتي بمدينة (دمشق) بكل ما في هذه العلاقة من أبعاد اجتماعية, وثقافية, وسياسية, وعاطفية, وتاريخية. وفي اعتقادي ان هذا الديوان إذا ما تحقق فإنه سيكون جديدا في نوعه تماما, ولهذا فإن عنوانه جاهز منذ الآن وهو: (البحث عن دمشق) وقد أنجزت منه قسما هاما. في الشهر العاشر من هذا العام سيبلغ الشاعر شوقي بغدادي عامه السبعين ــ أطال الله في عمره ــ وللوهلة الأولى نرى قصائده وكأنها غزلية فقط, ولكن النظر إليها بإمعان يكشف عن انعكاس الصوت الداخلي (الجواني) , والسؤال ماذا يقول شوقي بغدادي للمرأة التي تخص الروح؟ ــ أولا هذا تصحيح بسيط لمسألة الأعمار, فأنا ولدت في 26 يوليو عام 1928 ومعنى ذلك أنني بلغت السبعين منذ ذلك التاريخ وليس في الشهر العاشر.. ولكن دعنا من حكاية الأعمار هذه التي لا يعنيني أن أخفيها على الاطلاق فالشباب ــ كما قال الكاتب الأمريكي (أولمان) ــ ليس زمنا من أزمنة الحياة ولكنه شعور في النفس, وإرهاف في العزيمة, وتوقد في الخيال, ولا يهرم الناس لأنهم عاشوا عددا من السنين, وإنما يهرم الناس حين يهجرون مثلهم العليا جانبا, وكر السنين يغضن الجلد, ولكن ترك الحماسة يغضن الروح, وأنا والحمد لله بصحة جسمية ومعنوية عال العال ــ كما يقال ــ وحماستي لا تزال في أوجها لكل ما هو جميل وضد كل ما هو قبيح, وما زلت أصرخ من الدهشة أو الفرح أمام المناظر الحلوة, وأتميز غضبا وغيظا حيال المشاهد القبيحة مهما كان نوعها, وبهذا المعنى فأنا إذن ما زلت شابا!.. وبالمناسبة فالغزل الموجود في (شيء يخص الروح) ليس غزلا بالمعنى التقليدي للكلمة وإنما هو نوع من المكاشفات الوجدانية مع الذات ومع الآخر في آن واحد, ولا بأس أن يكون هذا الآخر هو (المرأة) , فالمرأة هي المخلوق الألطف الذي يكتمل به الوجود, واكتمال الرجولة لا يتم إلا بوجود الأنوثة, والعكس صحيح.. وما أقوله للمرأة, أقوله لنفسي أولا, فالحب الذي أتغنى به, أو أطالب به, هو في الوقت ذاته صدى للمونولوجات التي يهمس بها الإنسان لذاته متخيلا, أو متمنيا, أو واصفا لواقع معين له أبعاده المختلفة التي تغني المشهد وتجعله أعمق وأبعد من كونه تعبيرا محدودا عن العلاقة العاطفية التي تربط الرجل بالمرأة. أنت لست شاعرا مبدعا فقط, بل أنت لاعب جميل باللغة وعارف قسطا كبيرا من طاقاتها الجمالية, فأين تضع الجمال من اهتمامك الابداعي؟ ــ إذا كان المقصود من هذا السؤال الاهتمام بالجمال في الصياغة اللغوية حصرا فهذا أمر بديهي في الشعر خاصة, ذلك لأن فن الشعر في الأصل يقوم أكثر من كل الفنون الأدبية الأخرى ــ كالقصة والرواية والمسرحية مثلا ــ على استخدام الشاعر اللغة استخداما خاصا به, يوظف من خلاله كل ما في اللغة من طاقات تعبيرية انسجاما مع مضمون معين, ووصولا إلى أرفع التجليات الجمالية للشعر. إن اللغة الشعرية بهذا المعنى لغة بكر, وهي اللغة التي تبدو أنها (منزلة) لأول مرة على شاعر معين بالرغم من قرابتها للغة المتداولة. إن الشاعر يستخدم لغة الناس بالتأكيد, غير انه بمهاراته الخاصة, وموهبته المتميزة يبدع لنصه الشعري لغة طازجة مخلوقة الآن ــ أو هكذا تبدو ــ وهي مهمة لا يطالب بها القصاص أو الروائي, وإنما الشاعر وحده. وحين تمتزج لغة الشاعر باللغة المتداولة للناس إلى حد التماهي يقع في مطب النظم البارد والاجترار الممل. وهي مهمة دقيقة للغاية وتزداد صعوبة حين ندرك أن على الشاعر في الوقت ذاته ألا ينأى عن لغة الناس إلى حد الاغراب والابهام والقطيعة وإلا فإنه سوف يفقد امتياز التواصل معهم. وبهذا المعنى فإن لغة الشعر في فرادتها وبكارتها من جهة, وقرابتها مع اللغة المتداولة من جهة أخرى, لا تبدع لغة أخرى جديدة وإنما تقدم للناس هذا الإحساس الخاص بوجود طاقات تعبيرية جمالية لا حصر لها وغير مرئية لأول نظرة في حين انها تتحرك تحت غطاء التداول اللغوي المبتذل والسائد, وبالتالي فإن اللغة الشعرية تحرض فيهم نوازع الكشف الجمالي الكامنة في أعماق جميع البشر فتحولهم إلى شعراء لحظة قراءتهم النص الشعري على الأقل. شوقي بغدادي ممن أبدعوا في مجالي الشعر والنثر, وله في النثر ما يغني ويشبع (قصة, رواية, نقد, خواطر... إلخ) فما الفرق بين شوقي بغدادي الشاعر والناثر؟ ــ ما أكثر المبدعين الذين كتبوا في الأجناس الأدبية المتنوعة, والأمثلة أكثر من أن تحصى!.. أما عن الفرق بين الشاعر والناثر في شخص المبدع ذاته فهو الفرق ذاته الذي نحس به عادة حيال كل تجربة حياتية على حده.. ثمة موضوعات تفرض جنسها الأدبي منذ اللحظات الأولى, وأخرى تبدو متحيرة بين أكثر من جنس. وعندئذ يحتاج الاختيار إلى نوع من الحوار الداخلي يجريه الكاتب مع نفسه قبل أن يقرر, وهنا تلعب عوامل كثيرة معقدة في اتخاذ القرار, بعضها كامن في طبيعة (الموضوع) ذاته, وبعضها نابع من (حالة) الكاتب وهو يواجه موضوعه, وحين ينفرد الشاعر بالعمل عن الناثر فهذا معناه ان اللعبة اللغوية الجمالية هي التي اختطفت الموضوع, أما إذا حدث العكس فانفرد الناثر بالعمل فهذا معناه ان النشاط الفكري العقلاني هو الذي سيطر واستأثر بالموضوع, ومن هنا فإن شوقي بغدادي شاعرا هو الشخص الذي يبدو في بعض الأوقات أكثر ما يكون ميلا للغناء والموسيقى والاستسلام للخيال, في حين ان شوقي بغدادي ناثرا هو الشخص الذي يبدو أكثر ما يكون ميلا للتفكير والتأمل العميق والمنطق في أوقات أخرى. ما هي المحطات التي تلتفت إليها كثيرا في حياتك وتتوقف أمامها؟ ــ كثيرة هي هذه المحطات غير ان الزمن ــ أو طبيعتي الشخصية ــ علمني ألا أتوقف كثيرا إلا على المحطات الماثلة أمامي, أو على المحطات الممكن أن أمر بها مستقبلا.. إن الماضي يعنيني كثيرا كما يعني كل إنسان. ولقد تعلمت منه الكثير, ولعل أفضل درس تلقيته من جميع المحطات التي انقضت هو التركيز على الواقع الحي الراهن وعلى المستقبل, وبهذا المعنى فأنت تستطيع أن تصفني بالواقعية التي تعني نقيض (الرومانسية) .. فأنا لست رومانسيا بمعنى الحنين المطلق الطاغي للماضي (الجميل) فالحاضر له جمالياته أيضا, والمستقبل قد يكون أجمل, والمحطات التي غبرت صارت وقودا كامنا في الأعماق, يمدني بالحكمة في لحظات التهور, وبالتفاؤل في مواجهة التشاؤم, وبالشجاعة في أزمات الخوف, وهكذا... ولكنها لا تستأثر باهتمامي إلا بقدر ما يعينني على اكتشاف المحطات الجديدة المدهشة.. فالسجن الذي دخلته ــ لأسباب فكرية طبعا ــ أكثر من مرة, والحب العظيم الذي انتهى بموت المحبوبة, والعيش بعيدا عن الوطن لسنوات متعددة, متواصلة, ومواجهة محققي الأمن بتهمة تخريب النظام, والحرمان من السفر إلى خارج البلاد لسنوات عديدة, أو الحرمان من النشر في الصحف وأجهزة الاعلام, وغيرها من المحطات الجديرة بالتوقف والاعتبار.. كلها مرت, واستطعت أن أدفعها إلى الوراء بعيدا, أو إلى الأعماق حتى لا تعيق حركتي لأي سبب من الأسباب. الشاعر الكبير شوقي بغدادي, الحداثة الأولى بدأت بجبران وتوجت بمجلة (شعر) .. فهل ترى ان الشعر على أبواب حداثة ثالثة؟ ــ هذا تقسيم لا أؤمن به كثيرا, فليس هناك حداثة أولى وثانية وثالثة, وإنما هي حركة تطور واحدة لها رموزها بالطبع ولكن لا يمكن حصر البدايات بشخص معين أو مجلة محددة, فالحداثة بدأت قبل جبران, ومجلة (شعر) ليست تتويجا لحداثة ثانية وإنما هي محطة من محطاتها التي لها ايجابياتها بالطبع غير انها لا تخلو من سلبيات, وبالتالي فليس هناك حداثة ثالثة إذن وإنما ــ كما أشرنا ــ حركة تطور متداخلة متلاحقة مستمرة تسرع أو تبطئ أحيانا ولكنها لا تتوقف أبدا عن الحركة. أخيرا.. ما رأي الشاعر الكبير شوقي بغدادي في هذه المقولة الدارجة مؤخرا وهي: (الرواية ديوان العرب) ؟ ــ واضح من هذه المقولة ان المثقفين العرب مولعون دائما بأن يختاروا فنا من الفنون يحصرون فيه أهم معطيات النشاط الفكري أو الفني عموما, على غرار قول القدامى (الشعر ديوان العرب) !. هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير فلقد لعب فن الشعر فعلا ذات عهد قديم دور السجل الأكبر والأوحد لمعظم المآثر التاريخية والفكرية والجمالية لأمتنا وخاصة في العهد الجاهلي, أما الآن فلا أعتقد أن الشعر يلعب هذا الدور, لقد تخلى عنه, أو جرد منه في العصر الحديث ولكن من دون أن يحل محله وبالقوة أو الشمولية ذاتها التي كانت للشعر أي فن آخر, فلا الرواية, ولا الفيلم السينمائي, ولا المسلسل التلفزيوني, لم يستطع أي فن جديد مستحدث أن يلعب الدور القديم الكبير للشعر اطلاقا, وإنما هي أدوار موزعة بين هذا الفن أو ذاك ولكن دونما أصالة بارزة أو قدرات كافية مقنعة. حوار : لقمان محمود

طباعة Email
تعليقات

تعليقات