استراحة البيان: افتحوا أبوابكم: يكتبها اليوم- سعيد حمدان

منازل على طريق العوير تفتح ابوابها مع طلوع الشمس ولا تغلقها الا عندما يقبل الظلام, عادة يومية يمارسها اهل هذه المساكن قد تثير عند بعض الناس شيئا من الاستغراب , لماذا ابواب هؤلاء مفتوحة هكذا؟! هذه عادة من سمات اهل هذا البلد, وتحديدا البدو منهم, يشرعون ابواب سكناهم في كل الاوقات, لا يغلقونها الا في اوقات القيلولة, وبعضهم يحرم الاغلاق حتى في هذه الاوقات. منازلهم مفتوحة لنسمة الهواء في قيظ الصحراء وهي كذلك للجار الذي يصل جاره كل يوم مرات ومرات. الابواب المفتوحة هي للضيوف الذين يحلون من غير موعد, وفي احيان كثيرة دون ان تتعرف على هويتهم. هذه الابواب تحمل معنى الامن والنفس المطمئنة التي تسكن هذه الارض. لكن الابواب اغلقت في اماكن كثيرة من التي يسكنها البدو اليوم بأمر الزمن, انسان هذه الارض (الشايب) طبعا رفض ان يتخلى في البداية عن عادته التي ورثها, وحلمه في ان يورثها, اتذكر قبل سنوات طويلة ان احد الشعراء غادرته ابنته الوحيدة والتي كانت تسكن بعيدا عنه لكنها تسعى بين الحين والآخر الى زيارته, غادرته لتسكن في (الشعبية) وهي اول بيوت اسمنتية تشيد في هذه المنطقة, ويبدو ان البيت الجديد شغلها عن زيارة والدها, وهو في المقابل شعر بالحنين لها, فقرر ان يزورها, وذهب الى الشعبية, لم يعرف بيت ابنته, فمر على الابواب المغلقة يطرقها ولم يخرج له احد, عاد لبيت العريش بعد ان صدمته الشعبية, عاد غاضبا, مشحونا بالزعل لهذا السكن الذي اختارته ابنته, ففاضت قريحته بقصيدة يهاجم فيها الشعبية ويتحسر على سكنى البر وعلى أهله الكرام, هجومه الشديد على الشعبية والتي وصفها بأنها (لا يسكنها الاشراف) لم يقصد المبنى انما قصد ابوابها المغلقة. طبعا الشاعر لم يكرر الزيارة, ولم يجرب سكنى بيوت الاسمنت, واختار ان يموت في عريشه, وان تظل ابوابه مفتوحة كعادته. هذا في بدايات التطور, لكن الحال تغير, ووجد شواب البلد انفسهم امام ضرورة التنازل عن بعض هذه العادات, مثل امر اغلاق ابواب منازلهم لاعتبارات عديدة. ليت الامر توقف عند حد ترك هذه العادة, بالتأكيد ان هذا لسان حال الاهالي كبار السن, فابن اليوم مثلا ابتلي بالسلبية في الامور المحيطة به, وحتى التي تخصه في بعض الحالات, هذه السلبية تتمثل في (ما يخصني), اذا طالبته ان يزور جاره رد عليك بهذه العبارة, اذا شاهد حادث سير, حريقا, مشادة او غيره, يبتعد عنه حتى لو كان قرب بيته. تأمره بأن يذاكر لشقيقه الصغير, ان يسقي حديقة منزله, تجد عبارة ما يخصني حاضرة عنده دائما. وعندما تحضر سلبية ما يخصني فانها بالتأكيد تطرد روح المبادرة, وتختفي عندها علاقات المودة والتزاور, وخدمة المنطقة التي نعيش فيها, تبرز النرجسية ويتلاشى الحلم الواسع والأشمل للجماعة, للوطن, للمستقبل. ما يخصني داء يضيع عنده الفرد والمجتمع.

تعليقات

تعليقات