بتمويل أوروبي وتصميم فلسطيني: قرية للفنون والحرف في غزة تحكي قصص التراث والتاريخ

اعادة التاريخ وتسطير الماضي بما يحمله من أحداث وشواهد ليست بالمهمة اليسيرة بل تتطلب الرغبة أولا والامكانيات والظروف ثانيا , وهذا مالم يتوافر بخصوص القضية الفلسطينية إلا في الفترات الأخيرة ما بعد ابرام اتفاق السلام مع الاسرائيليين عام 1993, مما سهل الطريق أمام تأهيل ما دمره الاحتلال وحاول طمس معالمه التراثية والتاريخية, والسطور التالية تلقي الضوء على الجهود المبذولة لاعمار التراث الفلسطيني ممثلا بقرية الفنون والحرف التي افتتحت مؤخرا في مدينة غزة بتمويل اوروبي. خطواتنا الأولى إلى داخل القرية اعادت ذاكرة التاريخ إلى الوراء سنوات طويلة, باستدعاء البناء القديم شكلا ومضمومنا حيث استخدام الطين كمادة أساسية في عملية بناء الجدران والغرف, اضافة إلى اعتماد شكل القباب والأسقف نصف الدائرية التي كانت من سمات البناء والعمران الفلسطيني القديم مما أضفى على بناء هذه القرية صبغة تراثية جمالية رائعة. وتم تصميم قرية الفنون والحرف ببنائها التقليدي من قبل معماري فلسطيني, ونفذت باستخدام الوسائل التقليدية المتوفرة بأيد فلسطينية أيضا وبتمويل من برامج الأمم المتحدة الانمائي, وقامت مؤسسة بكدار بالاشراف على التنفيذ وغطت المساحة الاجمالية ألف متر مربع في منطقة أرض الكتيبة بالرمال. تضم قرية الفنون والحرف القريبة من البحر أربع صالات عرض للصناعات التقليدية التراثية, هي النحاس, الفخار, النسيج, الصوف, والتطريز, ومقهى (أبونواس) الذي يقدم لرواده كل ما من شأنه الغوص في أعماق التراث الفلسطيني الأصيل والذي يجسد بمحتوياته من الكراسي وأدواته الحياة التقليدية التراثية الفلسطينية, كما يتميز بأثاثه البسيط وما يقدمه من مشروبات تقليدية ووجبات خفيفة يضفي على الأجواء الطابع الشرقي القديم. ففي بيت (السجاد) (البسط) تجد المحتويات التي تحكي قصة الإنسان الفلسطيني مع صناعة السجاد منذ قديم الزمان وتطور المهنة حتى اليوم بحيث لا تزال تحافظ على تقليديتها والطابع التراثي الذي يميز الفلسطينيين عن غيرهم في هذا المجال, وتعتبر صناعة السجاد من أقدم الحرف في المنطقة ويقوم بها حرفيون مهرة يبدعون التصاميم القديمة والحديثة لفتح آفاق جديدة في الأسواق الوطنية والخارجية. أما التطريز فكان دائما من أقدم وأشهر الحرف النسائية في فلسطين حيث توجد أزياء وأشغال خاصة لكل قرية وكل منطقة, بحث يمكن الاستدلال على الشخص وهويته الجغرافية من خلال ملابسه المطرزة, وقصة التطريز التراثية الفلسطينية طويلة طول المعاناة اليومية لهذا الشعب منذ مالا يقل عن 50 عاما. وكذلك نقع في القرية على أحد أشهر فنانين صناعة وتزيين الفخار الذي يقوم بانتاج وابداع الاشكال المختلفة منه, ويعتبر الحاج عمران من الجيل الأول الذي عمل في هذا المجال ولا يزال محافظا على تاريخه, ولا يقل أهمية عن ذلك أيضا بيت النحاس الذي يعاني من انتكاسة تراثية وتاريخية حيث تأثر القطاع بالاحتلال الاسرائيلي المتواصل للأراضي الفلسطينية, مما دفع السلطة الفلسطينية للتركيز على هذا القطاع لاعماره واعادته إلى مجده وتاريخه القديم المليء بالابداعات والأشغال النحاسية القديمة التي تروي حكايا الإنسان الفلسطيني مع الأيام. والتقت (البيان) المسؤول الاداري في القرية عاطف الحلو الذي تحدث عن فكرة انشاء القرية قائلا انها جاءت تجسيدا للتراث الشعبي الفلسطيني القديم وتأكيدا لامكانية الفلسطينيين في العودة للبناء بالطين الذي هو أقل تكلفة من الأسمنت وأكثر جمالا وقوة تحمل للحرارة والرطوبة. وأضاف الحلو لـ (البيان) ان القرية بمثابة مكان لتنزه المواطنين والسياح بسبب قلة الأماكن السياحية في غزة, واصفا درجة الاقبال على القرية بأنها كبيرة جدا وغير متوقعة خاصة أثناء عرض الفنانين للوحاتهم اضافة لمرتادي مقهى (أبونواس) والمتسوقين الذين يقبلون على شراء منتجات القرية من نحاسيات أو مطرزات أو فخار وغيره. أوضح الحلو ان هناك تنسيقا بين ادارة القرية ووزارة التربية والتعليم والمؤسسات الخيرية والشركات والفنادق والمطاعم السياحية بهدف جذب الطلاب والسياح والمواطنين للقرية للتعرف على الصناعات التقليدية الفلسطينية عن كثب واشار إلى ان ادارة القرية تدرس امكانية تنظيم حفلات سمر مصغرة لرواد المقهى على أنغام الآلات الموسيقية القديمة مثل (الربابة , الشبابة, واليرغول) وغيرها لاحياء التراث القديم. ومن جانب آخر التقينا الفنان التشكيلي ابراهيم المزين ليبدي رأيه في القرية فقال ان اقامتها غير مستندة على أسس علمية تلبي في مضمونها تطلعات الفنانين الذين يطمحون إلى اقامة مكان واسع يخصص للعرض تراعى فيه الاضاءة الكافية والارتفاع المناسب لعرض اللوحات وبعد المسافة بين اللوحة والمشاهد. ولكن الفنان المزين اعترف بأن القرية أخذت شكلا جماليا وليس وظيفيا, أي أن مواصفاتها لا تصلح للعرض, لأنها أروقة وممرات لا تعطي للمشاهد فرصة لرؤية اللوحات بشكل جيد, بجانب ضيق المكان المخصص للعرض مما يؤدي للازدحام الشديد. وأوضح ان الصناعات الأربع التي تحتويها القرية لا تمثل كافة الصناعات الفلسطينية التقليدية وهناك العشرات من الصناعات الأخرى التي يجب ان تضاف لنشاط القرية لتكون في محصلتها اسما على مسمى, ودعا المزين إلى ضرورة وجود ادارة متخصصة للقرية لها علاقة بالفن والمتاحف بشكل عام. من ناحية أخرى انتقد محمد الذيب مدير دائرة الصناعات التقليدية بوزارة الثقافة القرية التي تشغل مساحة محدودة جدا من أهم مواقع مدينة غزة الحيوية واعتبر ان النشاط الحرفي فيها محدود ولا يتعدى مكانا للبيع فقط, وليس للصناعة التقليدية. كتب عبد الرحيم عبد الواحد

تعليقات

تعليقات