استراحة البيان: بين عبدالوهاب وسيد درويش: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

تختلط الأنغام النشاز في أسماعك وكأنها مطارق حداد بدائي أو عجلات قطار فوق قضبان غير مستوية, ومع تلاحق أغاني الفيديو كليب الشبابية اسما والهبابية موضوعا وتكتشف ان ذوقك الموسيقي يتعرض لعملية اغتيال , وليس فقط لمجرد تشويه أو افساد, فلا تجد ملجأ سوى العودة الى النغم الجميل القديم.. الى أم كلثوم وعبدالحليم وفيروز ومحمد رشدي ــ قبل ان يكتسحه الطوفان ــ ثم تتوقف طويلا عند عبدالوهاب, فتعترف له بالفضل الذي يكاد يندثر.. وتهز رأسك في أسى وأنت تطلب له الرحمة ولمستمعيه الصبر على ما نالنا من بلاء. كان عبدالوهاب بحق مجددا ومبدعا في ألحانه, ولا يمكن لأحد ان ينكر حجم العطاء الذي أثرى به حياتنا الفنية, ومع ذلك فإنه كان حتى آخر لحظة من حياته العريضة يعاني من عقدة حادة اسمها سيد درويش. ذلك انه لم ينس أبدا انه ولد ــ فنياً ــ في ظل سيد درويش, وظل طوال صباه والمرحلة الأولى من شبابه إما ناسخا له أو مقتبسا أو مقلدا, حتى قيض الله له ــ ولنا ــ ان يسمعه أمير الشعراء أحمد شوقي فيحتضنه ويعيد صياغته ويتعهده بالتعليم والتثقيف حتى انه كان يصحبه سنويا في رحلات التصييف بفرنسا وكأنها دورات دراسية ينهل فيها الفن من أرقى منابعه. حتى اذا ما اقتلعه تماما من عباءة سيد درويش أهداه أغنية (في الليل لما خلى ... الا من الباكي) فكانت فتحا جديدا في نمط الغناء العربي وبوابة انطلق منها عبدالوهاب الى آفاق لم تنته أبعادها الا مع وفاته بعد أكثر من ستين عاما. ولقد كان من حسن حظي ان التقي مع عبدالوهاب وأتعرف اليه عن قرب وهو في قمة مجده وتألقه. كان ذلك في أعقاب ثورة 23 يوليو, وكنا حينذاك مجموعة من الشباب المؤمنين بالثورة, ولكن يجمعهم ايمان مشترك بأن بلادنا في حاجة الى ثورة ثقافية موازية للثورة التي قادها جمال عبدالناصر, وكان طريقنا الى ذلك اصدار مجلة جديدة تحمل رسالة التجديد في الفن والأدب. واخترنا للمجلة اسم (الغد) . وبالمناسبة.. شهدت الغد ثلاث محاولات للاصدار, وفي كل مرة كان يصدر العدد الأول, ثم الثاني.. وقبل ان يصدر العدد الثالث, يكون كل من شاركوا في اصداره وراء القضبان. ولولا قوانين تأميم الصحافة لكان من المحتمل جدا ان تتكرر التجربة مرة رابعة أو خامسة.. أو عشرين. المهم, اننا قررنا ان يحمل العدد الأول من الغد حوارا مفتوحا مع أمير الغناء العربي محمد عبد الوهاب. واختارني الرفاق لكي أدير معه الحوار. وفي الموعد المضروب الذي حدده هو كنت على باب مسكنه الأنيق على ضفاف النيل, كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر, ولم يخطر ببالي قط أنه حدد هذه الموعد كي أتناول معه طعام الغداء, ولكن هذا ما كان .. فما ان جلست دقائق في صالون الاستقبال حتى هلت علينا السيدة نهلة القدسي - حرمه - تدعونا لمائدة الطعام, وأشهد أن الوليمة كانت عامرة بحق .. والأطباق الشهية تلاحقنا على أيدي سفرجية بالملابس الرسمية .. الأمر الذي جعلني استنكر بيني وبين نفسي كل ما سمعت من حكايات حول بخل عبد الوهاب. قال الفنان الكبير. - سنتحاور ونحن نتسلى بتناول الطعام .. أنا أصلي أحب الطعام الجيد جدا .. وهذا كله من صنع نهلة. أخرجت جهاز التسجيل الصغير من جيبي .. ووضعته بيني وبينه. قال جميل أن تأخذوا بالأساليب الحديثة .. هذا أفضل بالطبع من الورقة والقلم. وهكذا, ومع تزايد اطمئناني إليه وثقتي بالنفس .. بدأ الحديث المسجل. وخطر لي فجأة أنه يستخف بي .. أو يستصغرني سناً.. فأردت أن أستعرض عضلاتي الموسيقية حتى لايتصور أني (أي كلام) فقلت: تعرف أن في تاريخ الموسيقى الروسية مصطلح اسسه الأربعة الكبار ... ريمسكي كورساكوف صاحب شهرزاد, وتشايكوفسكي صاحب بحيرة البجع, وجلينكا فنان الشعب, وشوستاكوف صاحب ملحمة ليننجراد ولعلك تعرف أيضا أن شوستاكوف هذا لم يكن ليرقى إلى مستوى (الأربعة الكبار) لولا أنه أعاد للحياة تراث فنان الشعب جلينكا .. وأعاد توزيع ألحانه بالشكل الذي جعلها جزءاً من وجدان الجيل المعاصر. نظر إلي فاحصا للحظة قبل أن يقطع بسكينه قطعة من صدر الديك الرومي أمامه .. ثم قال .. - ما الذي تقصده بالضبط؟ قلت: ما أقصده باختصار, لماذا لا تفعل أنت أيضا نفس الشيء مع تراث سيد درويش؟ لم أكن أدرك حتى تلك اللحظة حجم (اللدغة) التي يسببها اسم سيد درويش لفناننا العظيم. فقد فوجئت به يترك سكينه تقع على الطبق بصوت مسموع, ونظرات الود والمجاملة تختفي من وجهه المضياف لتحل محلها نظرة غضب كأنما سيلقي بي من النافذة, حتى السيدة نهلة رفعت رأسها نحوي بنظرة عتاب جعلتني أنكمش في مكاني, مسائلاً نفسي كيف أخرج من هذا المطب .. ولكنه عاد يتظاهر بالهدوء قائلا وهو لا يزال ينبض بعدم الارتياح: ــ كيف يخطر ببالك شيء كهذا؟ أنا ملحن.. مبدع.. خالق للألحان أنا أؤلف ولا أجمل.. اما عملية اعادة التوزيع هذه, فلها اصحابها.. هناك اخوان رحباني مثلا قد يحسنونها.. اما.. أنا فأطرح ما هو جديد.. لماذا لا تذوق هذه الكبيبة.. إنها من صنع نهلة!!! وهكذا بدأت نبرة التوتر تختفي من الحوار وشجعني هذا على معاودة الاستفزاز.. فقلت: ــ هناك كثيرون في مصر, وفي سائر انحاء العالم العربي يتهمونك بأنك تقتبس ألحانك من الغرب.. وأحيانا من الشرق. وقد سمعت أحدهم يقسم بأن الجملة الأساسية للحن (يا دنيا يا غرامي) مقتبسة بالكامل من أغنية شعبية صينية! في هذه المرة لم تسقط السكين من يد عبدالوهاب ولم ترمقني السيدة نهلة بنظرة لوم.. وانما أجاب بهدوء: اسمع.. انا حياتي كلها موسيقى, طوال الاربع والعشرين ساعة استمع الى انغام وألحان من كل الجهات الأربع.. حتى عندما أخلد الى النوم, احرص على ان يظل الراديو مفتوحا على احدى المحطات الموسيقية.. ومن الممكن جدا ان تلتصق في لا وعيي نغمة معينة, او جملة خاصة فتظهر بعد ذلك في ألحاني. ولكن ان يزعم احد انني اقتبس عن وعي لحنا كاملا من هنا أو هناك فهذا افتراء غير صحيح.. وعلى اية حال, على من يدعي ذلك ان يقدم الدليل. بل دعني اقل لك شيئا أكثر من ذلك. انني عندما اكتشف ان جملة موسيقية معينة في لحن ما تنطبق مع جملة في لحن آخر لغيري.. احرص على تغييرها في الحال.. وهذه ليست مسألة سهلة, فقد تتطلب ان اغير اللحن بأكمله. تظاهرت بأنني اقتنعت. غير اني وأنا انصرف, انتبهت الى ان الراديو يعزف بنغم خافت موسيقى شهرزاد.. وخرجت وأنغامها لا تزال تتردد بين ضلوعي, لتعلو في اسماعي فوق ضجيج الطريق.

تعليقات

تعليقات