شكل ظاهرة مسرحية متميزة في الوطن العربي: احتفال كبير في مصر بمناسبة مرور100عام على ميلاد الحكيم

تحتفل الاوساط الثقافية فى مصر والعالم العربى هذا الشهر بمرور مائة عام على ميلاد مؤسس المسرح العربى الكاتب والاديب والمفكر توفيق الحكيم . وكانت لجنة المسرح للمجلس الاعلى للثقافة قررت أن يكون عام 1998 عام توفيق الحكيم حيث تعددت فيه النشاطات العلمية والفنية فى اطار المجلس الأعلى للثقافة. ويعتبر توفيق الحكيم من كبار الكتاب والنقاد المسرحيين فى فترة امتدت منذ الثلاثينات حتى وفاته عام 1987 وشكل ظاهرة متميزة لم تتكرر. وقد احتل الحكيم مكانا فى الصف الاول من الادباء منذ الثلاثينات وقد بدأت مسيرة الحكيم الفكرية والفنية عام 1919 بمسرحية (الضيف الثقيل) وهى مسرحية مخطوطة (لم تنشر) كتبها الحكيم ضد الاحتلال الانجليزى بعدها كتب الحكيم مسرحية اخرى عنوانها (رصاصة فى القلب) عام 1931 لكنها لم تظهر على المسرح فى ذلك الوقت. وقد وصف الحكيم بأنه مؤسس المسرح المصرى المعاصر لأن اعماله المسرحية اتسمت بالمرونة والحرص على ابراز روح اللهجة العامية المصرية وبعض تركيباتها. ويؤرخ النقاد لمسيرة الحكيم الفكرية والفنية بعام 1933 الذى صدرت فيه روايته (عودة الروح) وأيضا مسرحية (اهل الكهف) التى تعتبر اول مسرحية عربية ناضجة بمعايير النقد الحديث. وقد استطاع الحكيم فى مسرحية (أهل الكهف) أن يجمع بين تراثين هامين ببساطة واقتدار حيث جمع بين التراث العربى الاسلامى فمثلا فيما ذكره القرآن الكريم فى شأن أهل الكهف وبين التراجيديا الاغريقية واللوحة العريقة للابداع المسرحى المتنوع لتوفيق الحكيم شملت مساهماته المتميزة فى الوان المسرح الذهنى والمسرح الفكرى الذى يظهر فى الادب المسرحى للمؤلف البلجيكى (موريس ماترلنك) 1862 / 1949 أو الكاتب الايطالى (لوجيى بيراندللو) 1867 / ,1936 ثم أصحاب مسرح العبث .. كما شملت اللوحة العريضة للابداع المتنوع عند الحكيم مساهماته فى المسرح الواقعى. وقد بدأت علاقة الحكيم بالمسرح المصرى أثناء دراسته فى مدرسة الحقوق (كلية الحقوق اليوم) وبعد التخرج حيث بدأ بمساهمات أولية فى نوع المسرح الدارج أنذاك وهو الفارس (الكوميديا الصارخة) والمسرح ذو الاغانى فقدمت له فرقة عكاشة المسرحية مسرحيات (المرأة الجديدة) 1923 والعريس 1924 وعلى بابا 1926. وأثناء دراسته فى فرنسا لاحظ الحكيم التنوع العريض لفنون المسرح وعاد ليجد المسرح المصرى فى حالة ذبول الكوميديا الصارخة ايضا للميلودراما الزاعقة. وكان المسرح المصرى يبحث عن صيغة جديدة ووجد الحكيم أن انسب وانجح الوان المسرح هو المسرح الواقعى الاجتماعى الذى يتميز بالفكاهة والنبرة العاطفية الرفيعة. وبهذه الرؤية الجديدة كتب الحكيم مسرحيات (الخروج من الجنة) عام 1928 (وحياة تحطمت) عام 1930 (ورصاصة فى القلب) 1931 وهى من مسرحيات الحكيم التى لم ينتجها المسرح بالقاهرة وان كانت تحولت الى افلام. وقد عاصر الحكيم سبعة عهود سياسية منها ثلاثة قبل ثورة يوليو وأربعة بعدها فقد تعاقب عليه ثلاثة ملوك وأربعة رؤساء جمهوريات وعاش فى مصر المحتلة باحتلالين هما العثمانى والانجليزى كما عاش فى مصر الحرة المستقلة. ولهذا عاش الحكيم ثورتين هما ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر وعاصر حربين عالميتين الاولى والثانية ورأى العالم وهو منقسم الى معسكرين ايديولوجيين احدهما اشتراكى والاخر رأسمالى كما شهد بداية انهيار العالم الاشتراكى وانبثاق العالم الجديد بزعامة الولايات المتحدة الامريكية كما عاصر ولادة الصراع العربى الاسرائيلى منذ وعد بلفور 1948 وحتى معاهدة كامب ديفيد عام 1979 وكل تلك الاحداث السياسية التى مرت بها الامة العربية فى صراعها مع اسرائيل كانت الخلفية التى كتب الحكيم أعماله فى ظلها. وكان توفيق الحكيم يؤمن بقدرة الشعب المصرى وتفوقه فيقول فى كتابه (تأملات فى السياسية) ان هذا الشعب يعلم أشياء كثيرة ولكنه يعلمها بقلبه لا بعقله (أن الحكمة العليا فى دمه ولايعلم .. والقوة فى نفسه ولايعلم) . ويقول ان الشخصية المصرية متميزة أحب الاشياء اليها الايمان والاستقرار فمن رأيه أن عاطفة الاستقرار والايمان عند المصريين ممزوجة بالدم لان المصريين نزلوا من بطن الازل الى ارض مصر لايعرف لهم نسب اخر وفى كل يوم يبدو دليلا على ان العمران والاستقرار وجدا فى مصر قبل التاريخ المعروف ولهذا ظهرت الحضارة المصرية فى التاريخ كاملة دفعة واحدة كما يظهر قرص الشمس فى الافق. وتوفيق الحكيم اكتسب اهمية كبيرة فى مسيرة تطور الكتابة الابداعية العربية ويعود ذلك الى كونه اول مؤلف ابداعى تمثل فى أعماله المسرحية والروائية موضوعات مستمدة من التراث المصرى بكل طبقاته الفرعونية والقبطية واليونانية والرومانية والاسلامية كما تمثل صورا شخصية وقضايا مستمدة من الواقع الاجتماعى والسياسى والثقافى المعاصر له. وقد عبرت كتاباته على طول مسيرته الابداعية عن الكثير من القضايا الفكرية التى شغلت الفلسفات المختلفة التى سادت بين المفكرين والمثقفين فى العالم وفى مصر على مدى القرن كله تقريبا. وللحكيم كتابات عديدة عن الايمان وسئل ذات مرة هل تؤمن بالله فأجاب نعم أؤمن به بقلبى ويرى أن العقل له حدود ولايتصور الاشياء بلا بداية ولا نهاية ومن رأى الحكيم ان العقل لايدرى ما يلائم وظيفته وما يخضع لمقاييسه. والدين عنصر فعال فى حياة اسرة الحكيم فقد كان الاب حريصا على المظاهر الدينية من صوم وصلاة والحكيم نفسه يقول عن والده فى كتاب (سجن العمر) كان متدينا يصلى الفرض ويصوم رمضان ويحرص على ايقاظى عندما صرت شابا لاتناول معه السحور فكنت اتسحر معه فى الليل. ويذكر الحكيم فى كتابه (الاحاديث الاربعة) انه كان فى شبابه كثير الاقامة فى مسجد السيدة وللحكيم فى مجموعته (ارنى الله) قصة بعنوان (سنة مليون) يستخدم فيها الحكيم اسلوب الخيال العلمى ليرى الدنيا من خلاله حيث يتخيل العالم فى العام المليون ويتحدث عن البعث والخلود فى الجنة. ويعكس كتاب الحكيم (سلطان الظلام) 1941 تحولا هاما فى فكره وصدمته القوية بالحضارة الغربية التى افضت الى حرق العالم فى الحرب العالمية الثانية ويقول الحكيم, تلك هى أعنف صدمة هزت نفسى فى السنوات القلائل التى تلت الحرب الكبرى الاخرى لقد كنت ممن يؤمنون بالتقدم الانسانى. لقد كنت اتابع وقت ذاك آمال الساسة والكتاب, كنت غارقا فى تلك الاحلام التى نسجها لنا هداة البشر وقلدته الروحيون من الرسل والشعراء والمفكرين. وعن عزوفه عن العمل السياسى المباشر يقول الحكيم ان عزلته ليست عن السياسة نفسها ولكن عن السياسيين وليست عن المجتمع وانما عن احزاب ذلك الزمان فان تكوين الاحزاب بعد ثورة 1919 على ذلك النحو الذى حدث وتنافسها على اقتسام واقتناء اصحاب المال والجاه وكبار الملاك وضمهم الى عضويتها جعل قيادات هذه الاحزاب فى أيدى تلك الطبقة ولم تسمح للمفكرين والمثقفين الحقيقيين الا بالمراكز الثانوية التى ليس لها حق التوجيه. والحكيم بصفته كاتبا مثقفا اختار لنفسه عدم المشاركة فى أى لعبة رأى أنها زائفة لكنه اختار فى الوقت ذاته ان ينتقدها ففى كتابه (من البرج العاجى) الذى صدر عام 1941 يدحض المقولة بأنه يكتب من برجه العاجى ويقول: البرج العاجى عند أكثر الناس معناه اعتصام الكاتب بالسحب اعتصاما يقصيه عن احداث الدنيا وحقائق الوجود وهذا غير صحيح على الاقل بالنسبة الي فما من حدث يستوجب تحرك القلم الا حرك قلمى وما من أمر هز البشرية الا هز نفسى, بل ما من قضية من قضايا الحياة الكبرى التى تمس الانسان وتطوره وتقدمه الا شغلتنى ودفعتنى الى الجهر بالرأى حتى فى النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وفى كتابه (حمارى قال لى) 1945 هاجم الحكيم الفاشية والنازية باعتبارهما فكرتين معاديتين للحرية وفى مقال له نشر فى سبتمبر عام 1946 حرض الحكيم على الثورة المسلحة ضد الانجليز وطالب بالتأميم واشراك العمال فى ادارة الشركات والقضاء على هيمنة رأس المال على الحكم وظل الحكيم منذ ذلك الوقت حتى قيام ثورة يوليو 1952 مبشرا بكل أهدافها محرضا عليها داعيا الناس للالتفاف حولها. وقد ولد الحكيم عام 1898 بالاسكندرية لأسرة ميسورة الحال من الطبقة المتوسطة درس القانون فى كلية الحقوق المصرية وتخرج منها عام 1924 وسافر الى فرنسا لنيل درجة الدكتوراه فى القانون منها عام 1925 كرغبة والده ولكنه هجر الدراسة الاكاديمية وتفرغ لمتابعة الحركة الفنية (المسرح والتصوير والموسيقى) والادب بشكل خاص طوال نحو ثلاث سنوات وعاد عام 1928 دون ان يحقق حلم والده. وقد شغل الحكيم وظيفة وكيل نيابة (1930 / 1934) وجمع اثناءها أطراف روايته (يوميات نائب فى الارياف) ثم انتقل الى وظيفة مفتش التحقيقات بوزارة المعارف (التربية والتعليم الان) من سنة 1934 حتى 1937. تقلد الحكيم مناصب جديدة على رأسها مدير دار الكتب القومية المصرية ومندوب مصر الدائم فى منظمة اليونسكو وعضو مجلس ادارة الاهرام ورئيسا شرفيا له عام 1981 وكاتب متفرغ به وعضو بالمجلس الاعلى للصحافة. وترك الحكيم تراثا ضخما يتمثل فى حوالى 100 مسرحية و62 كتابا أولها عودة الروح عام 1933 واخرها عام 1985 (شجرة الحكم السياسى) وهو تطور لكتاب وضعه قبل ذلك بسنوات عديدة عنوانه (شجرة الحكم) . وقد نال الحكيم عام 1954 جائزة الدولة فى الادب عن كتاب (مسرح المجتمع) وفى ديسمبر عام 1958 سلمه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قلادة الجمهورية وفى عام 1977 حصل الحكيم على جائزة احسن اديب مفكر منحها له المركز الدولى للثقافة بحوض البحر المتوسط وترجمت اعماله الى اللغات الحية فى العالم ومنها شهر زاد واهل الكهف وبيجماليون وسليمان الحكيم وشمس النهار والعش الهادىء. لقد حمل الحكيم على عاتقه عبئا ثقيلا فى اثراء الفكر وجلب الجديد النافع من الادب العالمى فهو بالنسبة للادب العربى قمة وبالنسبة للادب العالمى قيمة لقد استطاع الحكيم بعقله وقلبه ان يحمل على عاتقه مسؤولية تقديم الادب الغربى والفكر الاوروبي الى جماهير الشعب المصرى والامة العربية وسيظل قمة من قمم الثقافة.

تعليقات

تعليقات