في الطريق إلى عولمة الموسيقى الأندلسية: فرقة مغربية اسبانية لردم الهوة بين الغرب والشرق

انتزعت فرقة(ابن باجة)للموسيقى الأندلسية الاعجاب ولفتت إليها الانتباه من كل حدب وصوب بما قدمته من فنون تراثية لذلك الزمن المفقود, إذ استعادت الحنين إلى تلك النقطة المضيئة المستوحاة من تراث زرياب وابن باجة. ففي كل حفل لها, تستهل الفرقة برنامجها بموشح (يا عاشقا بالوصل تغرم) لعب فيه العزف المنفرد لآلة الناي دورا هاما في (ابراز حالات الشجن والهيام والغرام التي يتعرض لها العشاق المتيمون, كما يسهم الترديد الجماعي في ابراز تواترات ايقاعية متنوعة. وثاني لوحة تقدمها الفرقة هي ترتيل (يا واحد يا رب) تظهر من خلاله روعة وجمال الأداء الفردي في ذلك الموال الذي شادت به قريحة المغني, فأحسنت أداءه باتقان ومن خلال اللوحات المعزوفة, ترسم الفرقة أجواء ساحرة ومدروسة ورقيقة في الأداء والايقاع والعزف, ويظهر ذلك في العزف الثنائي أو الرباعي من أجل تحقيق جماليات المقام العربي المعروف باسم (العراف) وهو من تراث المغرب العربي والأندلسي حيث تبدو هذه الجماليات الفنية في نوتة موسيقية بعنوان: (لم أزل طول عمري أخشى القبل) . وقد وصلت هذه الفرقة قمة نجاحها وتواصلها مع الجمهور عبر الموشح المشهور: جاءك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل بالأندلس وهو العمل الذي يطالب الجمهور باعادته في كل الحفلات. هذه الفرقة نالت نجاحا جماهيريا باهرا, فقد نالت الترحيب والاعجاب في مهرجان جرش السابع عشر بالأردن للثقافة والفنون, إذ عبرت جريدة الرأي الأردنية عن انفعالها وتفاعلها مع المقطوعات الموسيقية التي جادت بها براعة العازفين المغاربة والاسبان, هذا الانجاز الجماعي لاحياء التراث الأندلسي لم يحرز النجاح في الأردن فقط, فقد سبق لهذه الفرقة أن نالته في اسبانيا وفرنسا وغيرهما من البلدان الأوروبية, وهو ما شجعها على المضي قدما في هذا المشروع المشترك بين المغاربة والاسبان. ضمن الجانب المغربي يعزف على العود عمر الميتوي, وعلى الرباب أحمد الغازي, وعلى الدف سعد التمسماني, وعن الجانب الاسباني يعزف على العود الاندلسي لويس ديلجادو, وعلى الناي القديم إدواردو بانيانجوا, والكمان سيزار كرازو. كان وراء تأسيس هذه الفرقة, اتصالات بين المهتمين والدارسين بالتراث الموسيقي في اسبانيا وبين المجموعة المغربية المختصة في التراث الأندلسي, تعود بدايتها إلى التسعينات حين زار المغرب الاسباني خوسي لويس باريخو برافو الذي يشرف على مجموعة كورالية بمختلف الأعمار وتهتم بالدرجة الأولى بالتراث الموسيقي في القرون الوسطى, وذلك في اطار البحث عن صيغة للتعاون الفني في ميدان الموسيقى الأندلسية بين الاسبان والمغاربة. وقد تمخضت الخطوات الأولى عن تنظيم مجموعة من الحفلات بالمغرب وبعض مدن جنوب أسبانيا. ثم تم التعارف بين الفنان المغربي عمر الميتوي المختص بالتراث الأندلسي وبين الفنان الاسباني إدواردو بانيانجوا عن طريق الباحثة الاسبانية في التراث الموسيقي الأندلسي مانويلا كورنيس سنة 1993. وبعد سلسلة من الحوارات مع هذا الفنان الاسباني وأخيه كارلوس بانيانجوا الذي يهتم بصنع وابتكار الآلات الموسيقية التقليدية وقد أنجزت لهذا الغرض مجموعة من الصنائع عزفها مغاربة واسبان. روعي فيها الذوق الغربي من حيث الأداء دون الاخلال بالجوهر, فقامت هذه المجموعة بتسجيل نوبة الاستهلال, فكانت هذه المنتخبات المنطلق لتأسيس مجموعة (ابن باجة) التي نصفها مغربي والنصف الآخر اسباني. أشار رئيس الجانب الاسباني ادواردوا بانيانجوا أن هدف هذه المجموعة هو التقارب الثقافي, من أجل احياء تراث المغرب الإسلامي. وحتى لا تتسع الهوة بين الغرب والشرق. لأن لغة الموسيقى هي لغة عالمية. فتجربة (ابن باجة) تعد خطوة متقدمة من أجل التعاون الثقافي بين العالم العربي والغربي, أو على طريق عولمة الفن ولا سيما الجانب الموسيقي, لذا صار الطريق مفتوحا أمام مساهمات أخرى تهدف إلى هذا التراث الخالد, حتى يبرز في أفق الذاكرة الموسيقية. الرباط ــ فتحية الادريسي

تعليقات

تعليقات