جاذبية الأفق التشكيلي في لوحات ليلى سليم: بقلم- حسب الله يحي

الفن .. جذب الآخر, شده إلى معطى جمالي, إلى سحر حالم, إلى قوة جاذبية تملك سلطتها في الالتصاق بالآخر, مثل هذا الفعل الذي يحققه الفن.. ليس سهلا, ولا هو من الوفرة بحيث يكون بمقدور كل راغب فيه, ومنجذب إليه . ان سحر منظور الآخر, وشده إليك, عملية تحتاج إلى قدرات لا يملكها إلا قلة نادرة من المبدعين الذين يمتلكون مؤهلات خاصة لا تجدها عند سواهم.. ومن أبرز هؤلاء الفنانة العراقية ليلى سليم التي تمكنت من جذب كثيرين إلى لوحاتها التي باتت منتشرة في عدة بلدان عربية واجنبية. ومع ان لوحات ليلى سليم يوحدها الأفق.. أفق الطبيعة المفتوح إلى عوالم كلية, إلا أنها تتيح لمن يراها بمد بصره نحو فضاء متسع تخلقه الفنانة في جميع ما تعرضه وتكرره في مديات لونية وتكوينات لا تختلف عن سواها كثيرا. ولكنها ألوان متقنة الاستخدام تدرك فيها ليلى فضاء هذا العالم الكلي الذي لا تستنسخه, ولا تستسلم إليه, ولكنها تنظر إليه وتجسده في بصيرة الفنان المبتكر, والمبدع المبهور والمتأمل مليا في أبعاد معطيات الطبيعة الكلية. ان الأسرار التي تحملها آفات لوحات ليلى سليم, أسرار هي من الجاذبية بحيث تبعث على انشراح النفس واستخلاص معان جديدة لحياة مديدة بالعطاء, زاخرة بالرؤى. من هنا نلحظ مخيلة مبهرة للبصر.. تثير كل كوامن التعلق بالجمال والبهاء والانشراح, لكن النظر إلى مثل هذا الجانب يوميا, ويجعلنا نعتاد فضاءات خاصة.. هي في حقيقة أمرها متغيرة دائما, في حين تكون سكونية الألوان وان اتسمت فضاءاتها قد أخذت طابع السكون والتكرار. صحيح ان هذه اللوحات تثير الابهار لأول مرة, وتفتح أمامنا عالما حيا إلا ان حالة الانشداد إليه على الرغم من كل الجمالية المجردة والكلية التي تمتع أنظارنا يتبدد معه الزمن, مثلما هو الأمر عند الفنانة ليلى سليم نفسها, بحيث أصبح ابتعادها عن مثل هذه الفضاءات ضربا من المستحيل!, قد يقال ان هذا الأسلوب, لون خاص بها وانه يشكل لمساتها وبصماتها التي تنفرد بها عن غيرها, قد يقال كل هذا , وهو صحيح بالتأكيد, لكن الوقوف على عالم خاص, والنظر إليه لوحده دون سواه, يعد سكونا, والفن ليس سكونا بل حركة نامية دوما. ان رشاقة الفنانة في استخداماتها اللونية لفضاءاتها المسحورة والتي تنجز قيمة جمالية رفيعة المستوى يدل على قدرة على استثمار الألوان خير استثمار, وهو وليد خبرة عالية, وذائقة جمالية ومعاناة وفائقة الحرص على تقديم لوحات يعلو فيها سحر الأفق على أي سحر آخر يحيط بها, ومثل هذا يجعل لوحات ليلى سليم, منقطعة عن العالم الإنساني منصرفة على نحو كلي إلى عالمها الرحب عبر التأمل فيه واكتشاف ابعاده الجمالية لا على نحو فوتغرافي جامد, وإنما باتجاه له قدرة على شد الآخرين إليه, إلى جمالية مسحورة بالبشر والحبور. ليلى سليم.. عين تحلم بالجمال المجسد في عالم تتخيله بعد ان تجرده من طبيعته التي وجد فيها لتعيد تركيبه مرة أخرى برؤى لونية ليس من السهل ان نجدها إلا في قلة من الفنانين الذين يحسنون اختيار ألوانهم ووضعها في مواقعها المناسبة لها لتغدو بعدئذ مليئة بالاشراق والانتماء إلى جمال أخاذ يشدك إليه ويسحرك بوجوده, وحتى تكون ليلى سليم حاضرة دائما, لابد ان تلون منظورها بمنظورات جديدة. وهي التي تمتلك كل أناقة اللون وبهاء الأفق المنفتح والخبرة العالية في تقنيات هذا الاستخدام وفي المغادرة إلى عوالم مسحورة تجدد بها بصائر أرواحنا وتمدنا بعافية الجمال الذي لا يأفل.

تعليقات

تعليقات