استراحة البيان: ساعات صعبة في مطار موسكو! بقلم- جلال عارف

رغم كثرة الرحلات التي قمت بها فإن القليل منها هو الذي يبقى في الذاكرة, والأقل منها هو الذي يمنحك المتعة الحقيقية, بل ان البعض منها يتحول الى شيء من العذاب عليك ان تتحمله من أجل المهنة التي شاء القدر ان نكون من أبنائها . لم أجد متعة حقيقية في رحلة رسمية, قد تكون هناك الاثارة التي تصاحب البحث عن أسرار ما يجري في المباحثات أو المناقشات التي جئت لمتابعتها, ولكن المتعة تظل غائبة, ولن تجدها أبدا في اجتماعات مغلقة أو مناقشات تسمع فيها أطنانا من الكلام أقل القليل منه هو ما يحمل جديدا يمكن الوقوف عنده. إنما المتعة تأتي حين تعانق المدن الجميلة.. بناسها وشوارعها ومبانيها, وتحاول ان تقرأ التاريخ على الجدران, وتتفاهم مع البشر بغير كلام, وتلقى الجديد فتحاول ان تعرف, وتلقى القديم فتتمنى ان تتذكر. في أي بلد أزوره أصحو مع الفجر.. أنزل الى الشوارع مع اطلالة الصباح, أذهب الى الأسواق التي تعمل مبكرا.. أشاهد المدينة وهي تفتح عينيها, أراقب حركة باعة الفاكهة والخضروات, أجلس على المقاهي أتناول وسط ناس المدينة قهوة الصباح. تأسرني تلك الساعات التي تبدو فيها المدينة على حقيقتها وتكون مستعدة لأن تبوح لك بأسرارها وتفتح لك أبواب الدخول لعالمها الخاص. في الرحلات الرسمية تصبح هذه اللحظات هي الوحيدة التي تتاح لك لكي تحاول الدخول الى العالم الحقيقي للمدينة التي تزورها. بعدها تبدأ الاجتماعات وتداهمك الاحداث, تتابعها أو تشارك فيها .ولن ترى الا القاعة الفخمة والمسؤولين بملابسهم الرسمية. وتجد في النهاية ان المدن كلها متشابهة مادمت لم تلامس القاع وتتعرف على الناس الحقيقيين. الرحلات الخاصة شيء آخر, ومتعة أخرى, وهكذا سارعت ذات يوم قبل بضعة عشر عاما مع بعض الاصدقاء في رحلة صيف الى موسكو, كان ذلك قبل الانهيار الذي أطاح بالبلد الكبير ونشر البؤس في أرجائه, وكانت الرحلة لمدة أسبوعين, ولكننا بجهود هائلة استطعنا مدها اسبوعا آخر, وهكذا قضينا عشرين يوما نجوب فيها هذا العالم وكأننا نلتقط الصورة التذكارية الأخيرة لقوة عظمى قبل ان تنهار. كانت روسيا في تلك الأيام جنة السياح الفقراء من أمثالنا المتعطشين دوما الى الفن والثقافة, وهكذا ذهبنا الى (البولشوي) لنشاهد أعظم راقصي الباليه في العالم بأقل من دولارين, وقضينا يوما في متحف (الارميتاج) يساوي عمرا بأكمله. وجلسنا في السفينة التي انطلقت منها الثورة في ليننجراد, وكانت مازالت راسية في مكانها مع العناية العظيمة بها, وأظن انها الآن قد اختفت أو تحولت لمطعم أو كاباريه في ظل الانفتاح الرهيب الذي أوقع روسيا تحت حكم المافيا. ورأيت منزل تولستوي وكل شيء فيه باق على حاله مثلما كان في حياته, وهي زيارة تستحق حديثا منفصلا لعلنا نعود له ذات يوم, ولكننا نقف الآن أمام تلك المقدرة على احترام التاريخ وحفظ ذاكرة الوطن. لم نترك مسرحا الا شاهدناه.. من مسرح الجليد الى المسارح التي تعرض الفنون الشعبية, الى مسارح الدراما.. وكان ما تقدمه شيئا مذهلا, حتى السيرك ذهبنا اليه لنرى أعظم استعراض في العالم, ووقفنا في الطوابير نشتري اسطوانات الموسيقى الكلاسيكية بدراهم قليلة. ومازلت حتى الآن يحيرني السؤال القديم الجديد : هل يمكن ان يكون هذا الابداع العظيم كله مجرد قشرة زائفة تخفي تحتها مجتمعا ينخر السوس فيه, أم ان هذا الابداع الجميل هو الحقيقة الباقية, والمرض الطارىء سيزول وتعود مسيرة الابداع لتواصل عملها. وفي هذه الرحلة, مكنتنا الظروف من ان ندخل بيوتا لمواطنين من كل المستويات.. من العمال والموظفين الى أعضاء في اللجنة المركزية, لم يكن هناك بذخ على الاطلاق, بيوت الفقراء كانت فقيرة جدا, وبيوت المثقفين كانت متواضعة.. مجرد غرفة وصالة, وبيوت الكبار لم تكن فخمة.. حجرتان أو ثلاث على الأكثر, والاثاث عادي, لكن المشكلة كانت في تلك النظرة المتسائلة الحزينة التي تطل عليك من عيون الكثيرين حين تتحدث عن المستقبل. شيء آخر أضاف للرحلة متعتها وهو اللقاء مع عبدالرحمن الخميسي ذلك الموهوب في كل شيء.. الشاعر, الروائي, الممثل, المخرج, الموسيقي.. وقبل ذلك كله مكتشف المواهب وعاشق الحياة. الخميسي هو الذي اكتشف سعاد حسني وأعطاها دور البطولة في فيلمه الأول (حسن ونعيمة) مع المطرب محرم فؤاد.. وهذا وحده يكفي ليكون صاحب فضل على السينما, وهو مكتشف العشرات من المواهب في التمثيل والقصة والصحافة والغناء, وهو الذي لم يدخل جامعة, والذي بدأ في ترجمة الأوبرا العالمية للغة العربية, وكانت الفاتحة في (الارملة الطروب) . وعاش الخميسي حياة صاخبة, بدأ من القاع ثم وجد له مكانا في القمة, ورغم ما قاساه من الحياة في صغره فقد عشقها حتى الثمالة.. كسب كثيرا وأنفق كثيراً ودخل معارك سياسية وأدبية كثيرة وتزوج كثيرا وانجب كثيرا.. فقد كان رحمه الله يحب ان يفعل كل شيء بكثرة وبلا حساب.. من الحب الى الابداع الى السهر الى الأكل. والحديث عن الخميسي يحتاج الى كتاب أو كتب, فقد كان شخصية ثرية ملأت الحياة فنا وابداعا وملأتها ايضا حبا ولهوا, وملأتها ضجيجا وعراكا. ولقد كان لقائي به في موسكو هو اللقاء الأخير قبل رحيله. ما ان وضعنا الحقائب في الفندق حتى كان التليفون يرن, والخميسي على الخط يدعونا للعشاء في شقته الجميلة في احدى ضواحي موسكو. وكانت المفاجأة أن الرجل هو الرجل ــ والمنزل مثل بيت العمدة في ريف مصر, والمفاجأة اننا وجدنا سيدة وقورا تجلس على مائدة صغيرة تقوم بتقطيع الخضروات وتقشير البصل تمهيدا للطبخ, وبهدوء قال الخميس وهو يقدمها: الدكتورة فلانة الاستاذة بكلية العلوم بجامعة موسكو, ولم تطل دهشتنا فقد أخبرنا أنها جارته في السكن, وانها مع ابنتها الطبيبة وزوج ابنتها المهندس يعتبرونه جزءا من العائلة يساعدونه ويؤنسون وحدته! ولم يكن ذلك غريبا, فالخميسي كان قادرا بشخصيته الفريدة على اكتساب صداقة الكثيرين حتى ولو مارس الخداع معهم مرة أو مرات, ولقد ذهب الخميسي الى موسكو بعد رحلة شاقة, غادر مصر بعد أزمة سياسية مع السادات, وطاف ببلاد كثيرة ثم استقر في موسكو. وخلال سنوات قليلة كان ملء السمع والبصر. كتبه تترجم الى كل لغات الجمهوريات السوفييتية, والى الانجليزية والفرنسية وتعطيه عائدا مجزيا مكنه من العيش مرتاحا, ومن الاستمرار في العمل سنوات طويلة, حتى انه فضل البقاء هناك بعد ان تيسرت له سبل العودة الى مصر في الثمانينات. كان قد حصل على ارقى وسام سوفييتي (وسام لينين) الذي يفتح له كل الابواب وييسر له كل المصاعب. وكان وجود الخميسي عاملا ساعدنا على التمتع بتلك الأيام الجميلة, وفعل الرجل من أجلنا كل شيء.. من أول حجز التذاكر في المسارح وحتى اكتشاف مكامن الجمال التي لايعرفها الا الخبراء بهذا البلد المليء بالتناقضات.. من القبح الى اقصى درجات الجمال, ومن الجهامة الى القدرة الفائقة على اسعاد النفس والآخرين, ومن الجدية الصارمة الى روح الفكاهة, ومن البرود والفظاظة الى المشاعر الفياضة والقدرة على التواصل مع الناس ومع الدنيا. ومع ذلك فليست المتعة والجمال هما اول ما اتذكره حين تطوف بالبال تلك الايام, وانما لحظات الانزعاج التي كادت تجعل ختام الرحلة بلاء لايحتمل, والتي علمتني درسا لايمكن نسيانه. أخذ عمنا الخميسي تذاكر الطائرة وحجز لنا للعودة, وجاء بالتذاكر وأخبر أحدنا ان السفر في العاشرة مساء. ووضع صاحبنا التذاكر في جيبه واعددنا الحقائب, ثم خرجنا مع الخميسي نلقي نظرة أخيرة على موسكو ونتناول الطعام في احد مطاعمها الجميلة. وبعدها انطلقنا الى المطار لنصل في الثامنة والنصف, وليفاجئنا الموظفون هناك بأن الطائرة أقلعت وأن موعدها كان الثامنة وليس العاشرة. ولك ان تتخيل منظرنا, ونحن نعرف أن التأشيرة التي معنا تنتهي في نفس اليوم, ونحاول التفاهم مع أباطرة المطار بالكلمات العشرين التي يعرفها احدنا من الروسية, ونلجأ للتليفون نستغيث بمن نعرفهم من الروس أو بالسفارة المصرية فلا نجد أحدا.. فاليوم هو السبت والكل يقضي اجازة نهاية الاسبوع خارج العاصمة. وتمر الساعات ثقيلة, نجد فوجا من المصريين كنا نعرف بعضهم, ونعرف ان هناك طائرة اخرى ستمر على القاهرة وسترحل بعد قليل وانهم من ركابها, وتبدأ المحاولات مرة اخرى مع اباطرة المطار, وفي النهاية اكتشفوا ان الطائرة التالية بها مقاعد خالية وصعدنا الى الطائرة ونحن لا نصدق. ومن يومها وانا اذهب للمطار قبل موعد الطائرة بساعتين مهما كانت الظروف. فإن خمس أو ست ساعات في مطار موسكو في ذلك الوقت وفي تلك الظروف ــ قد لا تكون كافية لان تفسد متعة الرحلة ولكنها كافية جدا لأن تعلمك الدرس الذي يجب ألا ينسى!!

تعليقات

تعليقات