المسرح السياسي .. ما زال يبحث عن نفسه !جلال الشرقاوي : طورنا المنهج الرمزي إلى المواجهة المباشرة

يفضل البعض من هواة اطلاق الألقاب والأسماء, أن يطلق على بعض النصوص المسرحية التي عرضت مؤخرا في السنوات القليلة الماضية اسم المسرح السياسي .. ورغم ذلك هناك من يرفض هذا التصنيف مؤكدا ان لغة المسرح واحدة, وموضوعاته لا تخرج عن مشكلات الناس وحياتهم التي تمثل السياسة والاقتصاد والرياضة, لذلك لا مبرر لهذا التصنيف وسط هذا الجدل بحثنا في حقيقة المسرح السياسي هل هو موجود؟ ما هي ملامحه؟ المخرج المسرحي جلال الشرقاوي أحد مؤيدي المسرح السياسي يقول: المسرح عموما بدأ سياسيا منذ المسرحية الاغريقية (سوفوليتس) .. وللمسرح عدة تعريفات فهناك من يقول إنه هو الذي يهتم بقضايا الإنسان كالحرية ونظم الحكم والحرب والسلام, وهناك من يعرف المسرح على انه الذي يتعرض إلى كل ما يمس الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. وأنا شخصيا أميل إلى هذا التعريف خاصة ونحن نعيش في عصر تشابكت فيه هذه الأبعاد الثلاثة بحيث تشكل بعدا واحدا, فلا نستطيع أن نفصل البعد الاقتصادي مثلا عن حياة الناس, أو نفصل السياسة عن يومهم ومشاكلهم الاجتماعية, فالشاب الذي يرغب في الزواج, ويبحث عن وظيفة, ويبحث عن شقة ويعاني من ضيق ذات اليد فيضطر للعمل بصورة مضاعفة.. هذه الحدوتة الاجتماعية الشكل هي في الأصل سياسة. وهكذا فالشكل لا يهم المهم هو المضمون الذي لا يخرج عن الاطار السياسي. المخرج المسرحي سعد أردش يقول عن تصنيف المسرح إلى سياسي وغير سياسي: من الصعب أن نفصل السياسة عن حياتنا والمسرح جزء من هذه الحياة وجزء مهم جدا فهو تجسيد ليومنا وأحلامنا ومشاكلنا.. والمسرح الحديث بدأ سياسيا فمنذ يعقوب صنوع الذي ظل يتعرض لقضايا مثل (زوجات الخديوي إسماعيل) عن زوجات الخديوي التي كانت تؤثر في قراراته. وفي مسرح الريحاني كانت تقدم روايات سياسية مثل (حكم قراقوش) الذي كان يناقش أوضاع الحكم, وفي مسرح يوسف وهبى قدمت روايات (الملك الضال) و(أولاد الذوات) وحتى في التسعينات قدمت الروايات السياسية بشكل جديد اختلف مع اختلاف العصر فنحن نعيش الآن أذهى عصور الديمقراطية ومن الطبيعي أن نتخلى عن الشكل القديم. المخرج جلال الشرقاوي يعود ويؤكد على كلام سعد أردش فيقول: غيرنا المنهج تماما في التسعينات واستفدنا من مناخ الحرية فبعد أن كانت الروايات تتخذ من الرمز والاسقاط وسيلة لتوصيل رسالتها السياسية أصبح هناك منهج جديد يسمى الأشياء بأسمائها دون الحاجة إلى التلميح بالاسقاط أو بالرمز, حدث ذلك في روايات (أفرض) و(راقصة قطاع عام) و(ع الرصيف) و(إنقلاب) و(دستور يا سيادنا) .. ولم نكتف بالاشارات الصريحة فقط بل جسدنا الشخصيات والأحداث أيضا فشاهدنا جمال عبدالناصر والسادات وغيرهم في روايتنا وبذلك سبقنا السينما والتلفزيون في تقديم صورة الزعيم وحطمنا أسطورة ان الزعيم لا يظهر في الأعمال الفنية التي كانت سائدة. المؤلف المسرحي حسام حازم له وجهة نظر مغايرة لأردش والشرقاوي, فهو يرى انه لا يوجد شيء اسمه مسرح سياسي ويقول: في مصر الجمهور لا يذهب إلى المسرح لأن العرض الذي يقدم عرضا سياسيا فهذا لا يهم الجماهير فهم يبحثون في المقام الأول عن اسم النجم واسم النجمة, فنحن نعيش حالة من مسرح النجم الذي يمكنه جذب الجماهير أو عدم جذبهم, وحتى المسرحيات التي تقول انها من النوع السياسي تعتمد اعتمادا كليا على النجم وهي مجرد اجتهادات لا تصل إلى أي نتائج وهذا هو مسرح التسعينات.. وهو مسرح لا يهتم بالمضمون على حساب التوليفة التجارية الكوميدية والاستعراضية دون هدف ما.. ويضيف حازم: حتى أكون منصفا هناك روايات قدمت مضمون جاد لكنها لم تصمد أمام طوفان المسرح الراقص الذي بدأ يتسرب إلى مسارحنا القومية أيضا فرأينا مسارح الدولة تعتمد على توليفة القطاع الخاص السابق ذكرها بصورة أساسية. وهذا خطر جديد يواجه العملية المسرحية في مصر. المخرج المسرحي سمير العصفوري يرفض هو الآخر وبشدة مصطلح المسرح السياسي ويقول: لقد تم استغلال كلمة (سياسي) واضافتها إلى بعض العروض الهذيلة لاضفاء صبغة محترمة على العمل لتحفز الجماهير على مشاهدة العرض الكبير ولكن يبقى أن العروض التي قدمت تحت ستار المسرح السياسي هي أكثر العروض سطحية وحتى يمكن عدم تصنيفها على انها عروض مسرحية أساسا.. ويضيف العصفوري: العروض التي في طياتها موضوع جاد تتراجع بصورة كبيرة أمام العروض المسرحية التي لا تحترم قدسية المسرح وحولته إلى (ملهى ليلي) . النجم أحمد بدير الذي شارك في العديد من المسرحيات التي يطلق عليها اسم (المسرح السياسي) يقول: الأساس في الحركة الفنية عموما والحركة المسرحية بصفة خاصة هو (الورق) الذي من خلاله يمكن تحديد نوعية المسرح إذا كان كوميديا أو سياسيا أو أي شيء آخر, ومن المؤكد اننا افتقدنا الكتابات الجادة منذ زمن بعيد, وما يوجد الآن مجرد ارهاصات ومحاولات للخروج من دائرة المسرح التجاري الذي سيطر بشكل رهيب في السنوات الماضية.. ويضيف بدير: قدمت على خشبة المسرح الخاص مسرحية (دستور يا سيادنا) وهي مسرحية جادة تناقش أوضاعنا السياسية بصورة كوميدية ونجحت المسرحية رغم جدية موضوعها وبهذا نكسر عبارة الجمهور يريد التسلية فقط. وعلى ذلك يمكن القول انه يوجد مسرح سياسي إذا وجدت الكتابات المسرحية الجادة وهي قليلة للأسف. كان لابد أن نتجه إلى النقاد للفصل في هذه القضية المسرحية الشائكة. فاتجهنا إلى الناقد المسرحي الدكتور حسن عطية الذي قال: لا شك في ان المسرح السياسي كتصنيف في العموم موجود حتى ان لهذا المسرح قوالب عدة فمنه المسرح السياسي التسجيلي ومنه مسرح الجريدة ومنه المسرح الملحمي وأخيرا مسرح الكباريه أما إذا حاولنا تطبيق هذا التصنيف على المسرح في مصر في الوقت الحالي فلن نجد مما يقدم الآن سواء على خشبة المسرح الخاص أو على مسارح الدولة ما يمت بصلة للمسرح السياسي حتى بعض العروض التي حاولت الاقتراب من (الكباريه السياسي) لم تفلح في ايجاد المضمون وقدمت شكلا باهتا وما المسرحيات التي تحمل مضمون جاد الا بعض المحاكاة لهذا المسرح وأعتقد ــ والكلام للدكتور حسن عطية ــ ان عرض (مساء الخير يا مصر) الذي عرض على خشبة المسرح الكوميدي كانت الأقرب إلى (مسرح الجريدة اليومي) من حيث الشكل ولو انها افتقرت إلى المضمون المتجدد الذي يتسم به مسرح الجريدة. بعد أن استمعنا إلى كل الأطراف. المؤيد والمعارض للمسرح السياسي هل ستتحقق المعادلة الصعبة ونشاهد مسرحا سياسيا لا يختلف عليه أحد؟! القاهرة ــ (البيان) ــ محمد عدوي

تعليقات

تعليقات