استراحة (البيان):قصة زرافة،بقلم: محمد المر

في عام1826أبحر رفاعة الطهطاوي من الاسكندرية الى مرسيليا قائدا لأول بعثة تعليمية مصرية الى فرنسا, وفي العام نفسه أرسل محمد علي حاكم مصر هدية خاصة الى ملك فرنسا تشارلز العاشر.هذه الهدية الخاصة هي حيوان غريب على الاوروبيين في ذلك الوقت, انه زرافة افريقية صادها الصيادون العرب في جنوب السودان , ولما كانت صغيرة فقد ارسلت معها في الطريق عبر النيل الازرق الى الخرطوم ثم الى الاسكندرية بعد ذلك ثلاث بقرات لضرورات التغذية المستمرة! قام المغامر (بيرناردينو دروفيتي) مستشار محمد علي الخاص ولص الآثار الفرعونية الكبير وقنصل فرنسا في مصر بترتيب التجهيزات الخاصة لارسال (زرافة) الى مليكه في فرنسا. في 23 اكتوبر 1826 وصلت (زرافة) على متن باخرة ايطالية الى مرسيليا, وقد استغرقت الرحلة خمسة وعشرين يوما, وكان برفقة (زرافة) سائس مصري اسمه حسن ومساعد سوداني والبقرات الثلاث ومجموعة من الحيوانات الغريبة الأخرى. في مرسيليا انتقلت المسؤولية المالية والادارية لنقل (زرافة) من وزارة الخارجية الفرنسية الى وزارة الداخلية. وبقيت لأيام عديدة في الحجز الصحي (الكرنتينة) خوفا من تسلل الأمراض الغريبة لفرنسا خصوصا وان مدينة مرسيليا كانت قد عانت في القرن الثامن عشر من وباء أجنبي أفنى عشرات الآلاف من سكانها. في مرسيليا حصلت (زرافة) على اعجاب شديد من علماء المدينة الذين قادهم اليها فضولهم العلمي ومن جماهير المواطنين الذين أخذهم اليها فضولهم لمشاهدة غرائب البلدان البعيدة والعجيبة. وحصلت (زرافة) على أسماء وألقاب عديدة منها (المصرية الجميلة) و(الافريقية الجميلة) و(طفلة المناطق الاستوائية) . أمضت (زرافة) شتاء لطيفا في مدينة مرسيليا وهي محاطة بكل أنواع الرعاية والاهتمام. وبدأت المراسلات بين المسؤولين في مرسيليا والمسؤولين في باريس حول خط سير رحلة (زرافة) القادمة الى العاصمة الفرنسية. ومن شدة اهتمام المسؤولين في باريس برحلة (زرافة) أرسلوا الى مرسيليا عالما من أكبر علماء فرنسا في ذلك الوقت ألا وهو (إتيان سينت هيلير) الذي كان من العلماء الذين رافقوا (نابليون بونابرت) في حملته الشهيرة الى مصر وكان من المساهمين في تأليف الدراسة الفرنسية المعروفة بكتاب (وصف مصر) , كان (سينت هيلير) في الخامسة والخمسين من عمره ويعاني من الروماتيزم والنقرس, ولكنه وقع في غرام (زرافة) وبذل جهدا كبيرا في اجراء دراسة علمية مفصلة عنها وفي ترتيب رحلتها عبر المدن والارياف الفرنسية الى ان تصل الى العاصمة. بدأت الرحلة من مرسيليا في يوم ممطر في العشرين من مايو ,1827 وقد مشت الزرافة في موكب مكون من البقرات الثلاث وستة مرافقين من ضمنهم السائس المصري ومساعده السوداني ومجموعة من الشرطة الفرنسية في المقدمة والمؤخرة ويقودهم العالم (سينت هيلير) ! وكانت الاجواء باردة في ذلك الربيع الفرنسي, ولكن معالم وروائع ومناظر الريف الفرنسي أثرت بشكل ايجابي في ذلك الموكب الغريب. عندما وصل موكب (زرافة) الى مدينة (ليون) خرج ثلاثون ألف انسان من سكان المدينة لمشاهدتها. استغرقت رحلة (زرافة) 41 يوما من مرسيليا الى باريس, وقد أثارت في طريقها كل مشاعر الاعجاب والدهشة والاستغراب والحب, وأطلق اسمها في مختلف المدن والقرى الفرنسية التي مرت بها على الشوارع والساحات والفنادق والحانات والمشارب. وعندما وصلت الى باريس استقبلها الملك تشارلز العاشر, واستمع بكل فضول وسعادة الى شرح العالم (سينت هيلير) عن تلك الهدية الغريبة, ووضعت في حديقة الملك, وأمر الملك بمكافأة مجزية لمرافقيها في رحلتها وخصوصا السائس المصري حسن الذي رجع الى بلاده ومساعده السوداني الذي بقي معها في باريس. وتقاطر على الحدائق الملكية في باريس ما يزيد على ستين ألف انسان لمشاهدتها خلال ثلاثة أسابيع فقط! ووقع الباريسيون في حب (زرافة) فنظمت فيها القصائد وأنشدت حولها الاناشيد والأغاني. واجتاحت باريس حمى الزرافة (زرافة مانيا) فظهرت تسريحة شعر نسائية طويلة اسمها (زرافة) , وظهر عقد اسمه عقد (زرافة) , وسميت موضات الملابس باسمها مثل (الزرافة العاشقة) و(الزرافة المنفية) , وظهرت قبعات وربطات عنق متأثرة بحمى (الزرافة) . واجتاح ذلك الاعجاب كل شيء فظهرت الزرافة في المنسوجات والألبسة وورق الجدران وأدوات الطبخ والصابون والاثاث... الخ. وأطلق أحد مخترعي البيانو اسم (بيانو الزرافة) على اختراعه الجديد, بل ان الانفلونزا التي ضربت باريس في ذلك العام سميت بانفلونزا الزرافة! عاشت (زرافة) لمدة ثمانية عشر عاما في باريس وشهدت سقوط الملكية مرة أخرى وصعود حاكم فرنسا الجديد (لويس ــ فيليب) ووصول مسلة الاقصر الى باريس ورجوع رفات نابليون الى عاصمته من جزيرة القديسة هيلانة واتمام قوس النصر... الخ. وفي السنوات الست الأخيرة من حياتها أحضرت زرافة أخرى لكي تعيش معها, وكان ذلك في عام ,1839 وكانت هدية من الدكتور (كلوت) طبيب محمد علي. في عام 1844 توفي العالم (سينت هيلير) الذي أحب وأعجب بتلك الهدية المصرية الثمينة, وبعد سبعة أشهر وفي الثاني عشر من يناير 1845 توفيت (زرافة) وحنطت ثم أرسلت بعد عدة سنوات الى متحف مدينة (فردان) الذي حطمته المدافع الألمانية في الحرب العالمية الأولى. هذه لمحة موجزة عن قصة (زرافة) تلك الحكاية الواقعية العجيبة التي تابع الباحث (مايكل الين) قصتها في السودان ومصر وفرنسا مستقصيا كل تفاصيلها وباحثا عن خفاياها, في مقابلات مع المهتمين وفي دراسة مستفيضة في الجرائد والمجلات والوثائق والارشيفات التاريخية وخرج بعد ذلك بكتاب مثير أصدر مؤخرا في بريطانيا بعنوان (زرافة) !

تعليقات

تعليقات