عندما تحضر قوانين السوق وتغيب هموم الثقافة: ناشرون أم تجار كتب تحت سقف واحد

تتضارب الآراء وسط ما يمر به الكتاب من ازمات واشكاليات حول دور النشر في العملية الثقافية وبث الوعي والكتاب الجاد والملتزم, فثمة من يقول ان حركة النشر العربية هجرت رسائلها القديمة لتتحول إلى مهنة قائمة على التجارة المحضة, ومنهم من يرفض هذه الفكرة تماما ليشير إلى وجود من لا يزال يعيش هم الثقافة والكتاب, إلا ان طغيان الاتجاه المادي جعل الصورة القاتمة تنتشر وأدى إلى ضياع الصالح في متاهات الطالح, وبصورة عامة لا أحد ينكر بداهة العلاقة بين الناشر والترويج فهذا الذي يتكلف متطلبات صناعة الكتاب لابد ان يبيع بضاعته, وإلا توقف عن العمل والاستمرارية. ووسط اغراءات الربح ومساوئ الخسارة قد تحدث انزلاقات عديدة, ولعل أكثر ما يميز الحالة الراهنة وفي المعارض بصورة عامة كثرة مشاركات المكتبات التي لا علاقة لها بالنشر لا من قريب ولا من بعيد وهذه الأخيرة تقف في وجه الدور العاملة في مجال الطباعة, وتجعل مهمة رواج كتبها صعبة وشاقة. تجولنا في أروقة المعرض وتحدثنا مع بعض الناشرين لنتوقف عند اشكالية (الناشر التاجر) ومجموعة أخرى من النقاط المتعلقة في هذا السياق: في دار العلم للملايين ــ بيروت رأي يصر على ان صاحب دار النشر ليس بائعا لأن دور النشر تنشر العلم والمعرفة غير ان دار النشر التي تغذي الساحة العربية بالكتب والمعلومة الجديدة والمتطورة لديها نفقات وتكاليف من طباعة وورق وموظفين وغيرها من الأشياء ولذلك عليها ان تأخذ بعين الاعتبار وصول الرسالة ومن ثم العائدات التي تترتب على صدور أي كتاب عندما تكون المادة جديدة ومفيدة تفرض حضورها وبالتالي يكون التوفيق بين اخراج الكتب الجادة وتحقيق العائدات للاستمرار بالعمل. ويضيف ان الساحة تحتوي على تجار للكتب هدفهم الوحيد هو الربح فقط دون النظر إلى أهمية المواضيع وغالبا ما يسرقون من غيرهم من الدور الكتب الرائجة أما فيما يتعلق بالاسعار فإن الأمر يرتبط بتكلفة الكتاب من طباعة وتجليد وألوان وغيرها كل هذه العوامل تدخل في سعر الكتاب, غير انه وبصورة عامة فإن التعامل مع الكتاب باعتباره سلعة تجارية أصبح منتشرا بصورة كبيرة بين غالبية دور النشر دون وجود أية رسالة يرغبون بتمريرها ونشرها بالمجتمع وخاصة الدور الجديدة التي راحت تنتشر مستغلة هذه المهنة الشريفة لأغراض الربح المادي والأمر لا يمكن الحد منه, فالساحة مفتوحة للجميع ولا يمكن الحد إلا من ظاهرة القرصنة والسرقة. من (الكشك) إلى النشر بدأت راوية عبد العظيم عن دار سينا للنشر بمصر حديثها بالاشارة إلى الخلط الشديد على مستوى الوطن العربي كله وليس في بلد بعينه بين الناشر وما أسمته (المكتبجي) فالناشر بمعناه الحقيقي محدود الوجود والسمة الغالبة هي المكتبجيون الذين يربطون أساسا بين العمل المكتبي والنشر ما يعد ظاهرة خطيرة رأيتها في مصر حيث سهولة تحول أصحاب الأكشاك إلى ناشرين لا يخضعون لأية قيود باستثناء دفع اشتراك الاتحاد واخراج السجل التجاري والبطاقة الضريبية فيكسب مسمى الناشر وهو في الأصل بائع جرائد لا علاقة قريبة أو بعيدة تربطه بصناعة الكتاب نفسه. وميزت راوية بين نوعين من النشر في العالم العربي الأول الملتزم بغض النظر عن مبادئه السياسية والفكرية, والثاني التاجر الذي أصبح له اليد الطولى في صناعة النشر العربية, ولا يواجه العقبات سوى الناشرين الجادين بدءا بالرقابة في الدول التي لا تسمح بتداول كتبهم, ويقابل هذا المشهد انتشار واسع للكتب الغثة على امتداد الوطن العربي وتحارب هذه الدول بشكل فعلي, ولا ندري لمصلحة من, كل كتاب جاد دون الانتباه لتوجهه الفكري سواء تنويريا أم لا, وذهبت راوية إلى اعتبار ان الحكومات العربية ــ التي لا تتفق على شيء ــ اتفقت على محاربة الفكر الجاد. ويترجم هذا كله خسارة يتحملها الناشر وهم ينسون ان ثورة المعلومات والاتصالات تخطت كل حواجز انتشار اية فكرة. وألقت تبعة فقر الناشر العربي , وهو الأفقر في العالم على حد قولها, على غياب القراء العرب بينما اعدادنا بالملايين من المحيط إلى الخليج والسبب الافتقار إلى تربية دالة أعلى أهمية القراءة التي تساوي حاجات بيولوجية أخرى مثل الأكل. ولا يطبع من الكتاب الواحد لدينا أكثر من 3000 نسخة ويسجل لها في حال نفادها في سنتين انجاز الانجازات. وقابلت الوضع العربي بالأوروبي حيث ينشر في الكتاب الواحد قرابة 50 ألف نسخة, وعزت خفوت حركة النشر العربي إلى ضعف نسبة القراء مضيفة ان الكتب الفكرية لا تتعدى 150 عنوانا في العام على صعيد كامل الخريطة العربية. وسألت راوية عن دور دعم الدول للمؤلفات الجادة وهي تدعي دخول القرن المقبل من أوسع أبوابه, وختمت بالتأكيد على ان الدخول لا يتم إلا عبر الفكر المستنير والموضوعي. وقالت ان قراء كثيرين يفرزون الناشر والتاجر ولو خدعوا مرة ينتبهون بعدها بأن ما ابتاعوه سلعة استهلاكية لا تضيف جديدا إلى المعرفة الانسانية. البيع والاستمرارية هيثم فاضل عن المركز الثقافي العربي يقول: لا يجب في هذه القضية تهمة لأن الناشر أولا وآخرا لديه بضاعة عليه ترويجها وإذا لم يستطع الناشر ان يبيع ما لديه لن يستمر في العمل ولكن في ذات الوقت لا يجوز التعامل مع الكتاب كبضاعة أو كسلعة تجارية عادية, فالناشر الذي يحمل رسالة ثقافية في مطبوعاته يختلف كثيرا عن الذين يروجون لكتب الطبخ وغيرها من مثل هذه المطبوعات, وبصورة عامة لابد لدار النشر ان تروج لمطبوعاتها حتى تتابع العمل وتستمر في هذا المجال. ويضيف هيثم فاضل انه يوجد فرق بين العمل في هذه المهنة من خلال زاوية تجارية كاملة أو عبر رسالة وخلفية ثقافية والمشكلة انه في المعارض باتت تظهر المكتبات وبصورة ملحوظة رغم ان هذه المعارض تقام أساسا للناشرين وهذا من الأخطاء الكبيرة في المعارض لأن صاحب المكتبة يظل الغرض الأساسي لديه هو التجارة ويظل التركيز لديه ليس على الكتب بقدر ما يروج للقرطاسية والأشياء الخاصة بالأطفال, وهؤلاء يؤثرون على الناشرين لأنهم يعرضون العديد من السلع المغرية التي تنافس الكتاب. ويوضح ان المراكز عادة ما تكون تابعة للحكومات وتنتفي بالتالي لديها مشكلة رواج الكتاب الذي تطبعه وتحتمل التقيد بأفكار الجهات التي تمولها. ومن المؤكد ان احدى مشكلات الناشر عدم وجود الدعم لكنه قد يفرض عليه توجهات محددة لا يستسيغها, وأكد على ان المركز الثقافي العربي الذي هو دار نشر لم يقبل الدعم من أية جهة. واستصعب كثيرا التوفيق بين جودة المادة وانتشار الكتاب وسط ارتفاع تكاليف صناعته لأن الكتب ذات القيمة الفكرية العالية لا تطبع بكثافة على غرار التراثية مثلا, وينعكس ذلك على الأثمان, ويتقلص قراؤها يوما بعد يوم, والناشر من ناحيته يقلل كميات الطبع ويفتش عن طرق توزيع ثانية على شاكلة ما يسمى (دور تو دور) كأن يأخذ كتبه ويلف ليبيعها وحاله مغايرة للمكتبات التي عادة ما تترك أمام القراء أشخاصا غير عارفين بمحتوى الكتاب. ناشر وتاجر عماد عبد الحميد من شركة بيان للنشر والتوزيع والإعلام ببيروت لا تجيز صفة التاجر على الناشرين بحسب عمر دورهم الزمني غير انه يعتقد بأهمية العامل التجاري في تمهيد فرص الاستمرارية لأي ناشر, فهو يتكلف بالورق والطباعة والصف , ويرى ان تعامل الناشر في المعارض مزدوج فهو تاجر مع جمهور وناشر مع جمهور معين وهذا عائد للزائر الذي اما يتعاطى مع الكتاب كسلعة استهلاكية ويشعر الناشر كأنه بائع في محل أو يدرك القيمة الفكرية والعلمية والثقافية لما يشتريه. ولا ينكر عماد جنوح الكثيرين باتجاه التجارة بمعنى دراسة ما يتطلبه السوق ويروق له فيشتغلون به نظرا لمنفعته المادية الربحية, في موازاتهم مراكز ودور تنظر إلى المحتوى والقيمة الفعلية التي تبغي ايصالها للناس ويضيف لن أذكر أسماء حتى لا أجرح أحدا. والنشر مثل باقي المهن يتواجد فيه من يبحث عن التجارة. وأعرب عن عدم ارتياحه لوضع صناعة النشر على الصعيد العربي العام غير انه يحتفظ بأمل التحسين مستقبلا على ان تبدأ خطة تربوية مدرسية مشجعة لانتاج جيل قارئ وإلا انتهينا, ودور الناشر هو السعي دائما نحو الأفضل وعد مرحلة السنوات السبع الأخيرة الأصعب على الناشرين إذ غربلت القادرين على البقاء وكان الوضع سيئا لا يطلب فيه غير الاستمرار والحفاظ على المستوى السابق. وخلص إلى ان الاتحاد قوة والناشر لا يصمد وحده دون نقابات وعليه مسؤولية التخطيط والعمل. ناشرون ومزورون صاحب مكتبة النهضة المصرية محمد حسن شدد على وجوب تمتع الناشر بالأعباء الثقافية والاجتماعية والسياسية ويكون مطلعا على الأحداث ومتنورا وقابلا لمناقشة الأفكار الجديدة, وإلا غدا تاجرا أو (مقاول كتب) وما أكثرهم في أيامنا هذه, يختارون المؤلفات الرائجة ويطبعونها من غير حق ويؤثرون على الناشر ويبيعون بأسعار منخفضة. وأوضح ان منافس الناشر هو التاجر المزور مشيرا إلى ظاهرة تواجد المكتبات في المعارض حيث يضطر الناشر إلى منافستها وهي لا تعمل سوى توزيع السلع التي ربما وجدت كتب بينها, ومحمد حسن ناشر قديم لديه قدرة على استشراف الكتب التي تباع إذ ان لكل وقت مواضيعه والآن تنتشر المؤلفات المتحدثة عن العولمة مثلا, وتحدث عن التجار الذين دخلوا عالم النشر ولم يلتزموا بأصول المهنة فكانت دورتهم المالية أسرع. علي قشمر من مكتبة صخراوي (البحرين) أوضح انه يمثل دار نشر تم تسجيلها كمكتبة, وهو لا يميز بين الناشر والتاجر, فيحضر إلى المعارض اعتمادا على التجارب العديدة ــ الكتب ــ السلع التي تباع وفق متطلبات الزوار, وأكد على ان الدار تطبع الكتاب الذي تعرف انه سينفد مع بعض الكتب (الثقيلة) التربوية والتعليمية التي لا نعرض منها في الشارقة على سبيل المثال سوى 25 بالمائة والناشر برأيه تاجر بنسبة 50% لأن لديه مصاريف خصوصا في المعرض لكن يفترض به ان يكون مثقفا وهذا ما لا أراه إلا قليلا.

تعليقات

تعليقات