استراحة البيان: ومن النجاح.. ما قتل!بقلم- محفوظ عبدالرحمن

عطية عطية نموذج لكارثة النجاح. نعم قد يكون النجاح كارثة. حقا اننا جميعا ننطلق الى الحياة, تقودنا الرغبة في النجاح , الذي يعني لبعضنا المال وللاخرين الجاه او الشهرة او التقدير. المهم اننا كلما ادركنا النجاح, احسسنا اننا نقترب من السعادة غاية الانسان على هذه الارض, ولانك نعرف كل هذا فلاشك انك ستدهش عندما اقول لك ان (عطية عطية) .. كانت مصيبته هى انه نجح, ولم يكن هذا النجاح الذي عرفته قريتنا في بعض شبابها من الفقراء, بل كان ما وصل اليه هو انه صار مدرسا بالمدرسة الابتدائية. ورغم يقيني ان هذا العمل من اشرف الاعمال, وخطر على بالي منذ وقت قريب, ان اعتزل الكتابة, واذهب لا عمل مدرسا للاطفال احتراما لهذه المهنة السامية, الا ان قريتنا لاترى الامر كما اراه, فهي مهنة صغيرة الراتب, قليلة الاهمية في السلم الاجتماعي. ولكن (عطية) لم يحلم ذات يوم انه سيصل الى هذا المنصب العظيم, ولا حلمت اسرته لسابع جد ان أحد ابنائها سيصل الى منصب مدرس بالمدرسة الابتدائية. ولذلك فعندما استلم (عطية) الوظيفة ولبس لها البدلة, واستلم الراتب, وسار في الطريق يكاد يرقص فرحا, اصابه شيء لا يرى من الجنون, ولكن قريتنا ترى ما لايرى. ولذلك اخذوا يتعاملون معه بحذر. ولقد ذكرنى (عطية عطية) بقصة نجاح اخرى مشابهة فلقد كان (س...) زميلا لنا وصديقا, ولقد فوجىء معنا بانه عندما تخرج حصل على درجات عالية, لم يتوقعها ابدا. وفي صراع الاساتذة في الكلية على من يرشحونه للبعثات الى الخارج, دس احدهم اسمه نكاية بالآخرين, وفوجىء (س ...) بأنه مرشح للسفر وللدراسة في الخارج وفعلا سافر, وللأسف لم يدرس شيئا, وكان صديق لنا يقول ان (س ...) سيأخذ جائزة نوبل اذا خصصوا فرعا لغسل الصحون, فلقد اخذ يعمل لينفق على زوجته, اذ انه تزوج في هذا الوقت. وفي النهاية اتى بورقة ادعى على استحياء انها (دكتوراه) , وفي ظروف خاصة جدا, اعتبرت الكلية ان هذه شهادة (دكتوراه) فعلا, وأصبح (س ...) مدرسا ثم استاذا ثم وكيلا للكلية ثم عميدا لها.وهنا حدث له جنون يفوق ما بدا من جنون (عطية) اذ رأى النجاح يأتي سريعا وسهلا, فتوهم ان الخط مستمر في الصعود. وانه لابد سيعين وزيرا. فلما تم التعديل الوزاري, ولم يأت اسمه فيه, اصابه اكتئاب مازال يعالج منه حتى الآن. فالنجاح الحقيقي هو نتيجة الجهد, اما النجاح الذي يأتي بالصدفة فأفضل منه الفشل الكريه. ونعود الى (عطية عطية) وقد انقلب طاووسا يمشي في القرية وكأنه يرقص على اطراف اصابعه. ولم يكن اسعد من (عطية) بما حصل عليه الا (الست أم عطية) التي قدر لها ان تشهد معجزة صعود ابنها الى درجة (الاساتذة) ولكن فرحتها كانت ناقصة, فهي تريد ان يتزوج ابنها الاستاذ لترى احفادها, وتتمتع بالمكانة الاجتماعية الجديدة قبل ان تصعد الى الرفيق الاعلى, حيث تقابل زوجها عطية الذي سبقها, وتحكي له عن ولدهما عطية الذي حقق ما لم يحققه الاولون. في حين ان عطية الاب عندما اطلق على عطية الابن هذا الاسم, قال الحاقدون انه كرر الاسم بخلا واملاقا. وبالطبع صارحت (أم عطية) ولدها برغبتها في تزويجه, بل ورشحت له فتيات من طبقتها, ولكن (عطية) رفض بابتسامة ساخرة. ثم قال لها انه لم يحصل على هذه الوظيفة الشريفة, لكي يتزوج فتاة فقيرة. انه يتطلع الى مستوى اعلى, ويحق له هذا, لعلمه ووظيفته. وتجاوبت (أم عطية) مع الفكرة دون ان تفكر في خطورة ما سيحدث, ولم يخطر على بالها ان وحيدها النابغة قد استقر منذ وقت طويل على اسم العروس! كانت اجمل فتاة في المنطقة كلها, تنتمي الى اكثر الاسر ثراء وعراقة. ولم يكن قد رآها ابدا, ولكن الجميع كانوا يتحدثون عنها, بل لقد سمع ان صورها كانت تنشر في الصحف والمجلات. وعندما طلب عطية مقابلة عميد الاسرة, قابله. ففي الريف العلاقات الانسانية اكثر بساطة عما هي في المدينة. ولكن الرجل عندما رأى ان هذا (النكرة) يطلب يد ابنته التي لا يجد في البلاد من يليق بها, اصابه ذهول شديد. ورغم حكمته التي اكتسبها من العمر الطويل والانتخابات المتتالية, الا انه هاج كالثور, وأمر بضرب (عطية عطية) وتناوب الخدم المخلصون على عطية يضربونه بحماس ربما رفع الاهانة عن سيدتهم. ولم يتركوا الرجل الا بأمر من سيدهم الذي رأى ان الاعدام عقاب اكبر قليلا من التهمة. وعاد عطية من قرية الخطيبة الحسناء يجر قدميه جرا, فلقد كان جسمه كله يصيح بالألم, اذ كان بين الخدم خبير بالضرب. وانت لابد ان تفاجأ بقدر الخبرات المدهشة في الريف, ولقد طلب هذا الخادم من زملائه التركيز على الضرب المؤلم الذي لا يصيب بعاهة او بكسور. ولا اعرف هل بين لهم هذه المواضع على جسم عطية بإشارات معينة ام انه اعتمد على ذكائهم. ولكن الالم الحقيقي كان داخل (عطية عطية) الذي لم يفهم سبب غضب والد زوجته المتوقع, وقـلّـب الرأي فلم فلم يجد أي سبب لرفضه بهذا الطريقة المهينة, ولما لم يجد ما يبرر له هذا الفعل الغبي, قرر عقاب خطيبته الجميلة واهلها, وذلك بخطبة من هي اجمل منها, واكثر ثقافة وجاها. والمدهش انه وجدها فجأة! نعم في هذا الطريق الطيني الذي لا يسير فيه الا الفلاحون مشاة او على دوابهم, رأى أجمل فتيات الدنيا وأكثرهن عراقة. ووقف عطية امامها متسمرا ولأول مرة يراجع نفسه في خطبة فتاة فاذا كانت فتاته السابقة قد رفضته وهي الاقل جمالا وجاها, ماذا ستفعل به هذه. قال (عطية عطية) فيما بعد ان حسناء الدنيا هشت له وقالت له اقرأ في عينيك ما تريد فأنت تريد ان تتزوجني, ولكن ليس بهذه الطريق تجري الامور يا استاذ عطية, انت ترى جمالي, وتدرك من ثيابي مدى ثرائي, وربما تكون قد حلمت بعينين زرقاوين مثل عيني, ولكن لا تعرف من انا! ولم يكن عطية يهتم بشيء اخر غير ما يراه, لكنها قالت له بحزم. أنا جنية! القرية كلها تؤكد ان جنون (عطية) بدأ في هذه اللحظة, وربما رأى علماء النفس تفسيرات لما حدث في احباط عطية بفسخ خطبته هذا الفسخ المؤلم, الذي خلف اثرا حتى الآن في حاجبه رغم اوامر الخادم بالاكتفاء بالضرب الموجع. وقالت له الجنية انها لتتزوجه لابد ان تأخذ رأي ابيها ملك الجان, فأخذته الى تحت الارض حيث رأى مالم تره عين, وسمع مالم تسمعه اذن, ومثل بين يدي ملك الجان الذي اثنى على مكانته وعلمه, وطلب منه ان يبقى تحت الارض ليعلم الاولاد الحساب والكتابة, لكن عطية قال انه لا يستطيع التخلي عن مسؤولية تعليم الاطفال فوق الارض. وهكذا عاد (عطية عطية) الى القرية متباهيا رغم آلام الضرب, وفي ذراعه امرأة لم تر قريتنا اقبح منها, ولكن عطية قدمها لهم على انها ابنة ملك الجان, وتغزل في جمالها الباهر, وشعرها الذهبي, وعينيها الزرقاوين. واصبح (عطية عطية) من حالات الجنون المشهورة في قريتنا التي تجيد التعامل مع اي نقيصه ببراعة مذهلة, فعاش عطية سنوات يذهب الى المدرسة ليسخر منه الصبية, ويعود مسرعا الى البيت لأنه لا يطيق فراق بنت ملك الجان. وكان من الممكن ان تنتهي القصة هنا, لولا ان عطية استيقظ ذات يوم وصرخ في القرية كلها وقال ان زوجته خدعته وانها ليست شقراء ولا ابنة ملك الجان, وانها اقبح امرأة رأها! والمدهش ان القرية كلها اخذت تقنع (عطية عطية) ان المرأة لا بأس بها, وان ابغض الحلال عند الله الطلاق. هامش: لا علاقة لهذه القصة من قريب او بعيد باتفاق واي بلانتيشن.

تعليقات

تعليقات