استراحة البيان،بديهة أعمى..يكتبها اليوم: ظاعن شاهين

بعد ان اصبح جهاز الفاكس جزءاً لا يتجزأ من الاثاث المنزلي في اليابان بدأ يابانيون كثيرون مؤخراً باستخدام الفاكس النقال في حياتهم اليومية وبالتالي الاستغناء عن الصرعات التكنولوجية الأخرى مثل جهاز النداء وغيرها.وازاء انتشار استعمال الفاكس بشكل واسع في المكاتب والمنازل كما تقول وكالات الانباء العالمية التي طيرت الاخبار اليابانية سعت الشركات المنتجة الى تصغير حجم هذا الوسيط وتخفيض اسعاره بحيث بات الجهاز النقال رائجاً كثيراً وباتت المدارس تنصح به طلبتها لكي يكونوا على صلة دائمة بمدرسيهم, اذ يقوم المعلمون بارسال الواجبات عن طريق الفاكس النقال اينما كانوا وبالتالي يتلقون اجابات الطلبة عن تلك الاسئلة. وما دمنا في اليابان نقف عند تفاصيل هذا الخبر العلمي الذي يشير الى ان اليابانيين يعملون على تصميم كمبيوتر يطيع اوامر الموجات الدماغية مباشرة وجعل الآلة تتعرف على الحوار الداخلي في الانسان بحيث يتم التمييز بين التفكير الذي لا يقود الى فعل والمتمثل في التعبير ذهنياً عن الكلمات قبل النطق بها والتفكير الذي يقود الى فعل والذي يجسد الرسائل المحددة المتعلقة بالافعال في النشاط الدماغي, وهذا في حد ذاته يقودنا الى فن قديم كان يمارسه العرب, وهو قراءة ما يجول في ذهن الآخرين خاصة اثناء التحدث فيما بينهما وجها لوجه.. هذا الفن يسمى سرعة البديهة وقراءة الوجوه بعيداً عما يحمله العلم وتحمله لغة الكمبيوتر الحالية.. قد يتساءل البعض منا قائلاً: لكن اين ذهب هذا الفن ولماذا اختفى؟ والاجابة عن ذلك بسيطة جداً, ففي ظل هذا التسارع العلمي انقلب العالم الى فريقين. الأول مصنع ومنتج, والثاني مستهلك ومستورد بصورة تبدو عجيبة, ووقعنا نحن العرب في صف الفريق الثاني, اذ استسهلنا الاستهلاك وتناسينا لغة الفكر فضاعت البديهة التي لا تريد ان تحدها وسائط اخرى.. لقد كان العرب في تلك الفترات اصحاب عقل ورجاحة وبيان وفصاحة وألسنة قويمة وحضور متميز في الخطابة والشعر والمنطق والكلام والحوار, وكانوا يعرفون الشخص من وجهه ويدركون ما تحكيه العيون وكأنهم يقرأون ما يدور ويجول في فكر الشخص الذي أمامهم, وليس ادل على ذلك من هذه الحكاية, فقد دعا عقبة بن سلم بشار وحماد عجرد وأعشى باهله فلما اجتمعوا عنده قال لهم: انه خطر ببالي البارحة مثل يتمثله الناس (ذهب الحمار يطلب قرنين فرجع بلا اذنين) فأخرجوه لي من الشعر, ومن اخرجه فله خمسة آلاف درهم, فإن لم تفعلوا جلدتكم خمسمائة, فقال حماد: أجلنا أعز الله الأمير شهراً.. أما الأعشى فقال: أجلنا أعز الله الأمير أسبوعين, وبشار ساكت لا يتكلم, وقد عرف عنه انه سريع بديهة وصائد ماهر في القول, فقال له عقبة: مالك يا أعمى لا تتكلم.. أعمى الله قلبك! قال: قد حضرني أصلح الله الأمير شيء, فإن أمرتني قلته. قال, قل.. فقال: شط بسلمى عاجل البين وجاورت أسد بني القين ورنت النفس لها رنة كادت بها تنشق نصفين يا بنت من لا أشتهي ذكره أخشى عليه علق الشين والله لو ألقاك لا أتقي عيناً لقبلتك ألفين طالبتها ديني فراغت به وعلقت قلبي مع الدين فصرت كالعير غداً طالبا قرنا, فلم يرجع بأذنين وهنا صرخ عقبة بن سلم صدقت, والله انك لتستحق الجائزة.. وهكذا استطاعت فطنة بشار وبديهته ان تستقرىء ما عجز عنه الأعشى وحماد. لكننا للأسف اليوم نواجه غزواً ثقافياً يضعف من بديهتنا.. غزواً جعل منا أشخاصاً معلبين, يعتمدون اعتماداً كلياً على فكر وثقافة واسلوب الغرب في حياتهم اليومية, فمتى نستطيع الفكاك من أسر تلك الثقافة المهينة؟

تعليقات

تعليقات